بيان تفصيل ما ينبغي أن يحضر في القلب عند كل ركن و شرط) (من أعمال الصلاة)

بيان تفصيل ما ينبغي أن يحضر في القلب عند كل ركن و شرط) (من أعمال الصلاة)

«فنقول: حقّك إن كنت من المريدين للآخرة أن لا تغفل أوّلا عن التنبيهات الّتي في شروط الصلاة و أركانها، أمّا الشروط و السوابق فهي الأذان و الطهارة و ستر العورة و استقبال القبلة و الانتصاب قائما و النيّة».

(1) أقول: و كان ينبغي أن يذكر الوقت و المكان و التوجّه بالتكبيرات أيضا و نحن نذكرها في التفصيل إن شاء اللّه.

قال: «فإذا سمعت نداء المؤذّن فأحضر في قلبك هول النداء يوم القيامة و تشمّر بظاهرك و باطنك للإجابة و المسارعة، فإنّ المسارعين إلى هذا النداء هم الّذين ينادون باللّطف يوم العرض الأكبر، فاعرض قلبك على هذا النداء فإن وجدته مملوّا بالفرح و الاستبشار، مشحونا بالرغبة إلى الابتدار فاعلم أنّه يأتيك النداء بالبشرى و الفوز يوم القضاء و لذلك قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «أرحنا يا بلال»[1]أي أرحنا بها و بالنداء إليها إذ كانت قرّة عينه فيها».

(1) أقول: قال بعض علمائنا- رحمهم اللّه- [1] و اعتبر بفصول الأذان و كلماته كيف افتتحت باللّه و اختتمت باللّه و اعتبر بذلك أنّ اللّه جلّ جلاله هو الأوّل و الآخر و الظاهر و الباطن: و وطّن قلبك بتعظيمه و تكبيره عند سماع التكبير و استحقر الدنيا و ما فيها لئلاّ تكون كاذبا في تكبيرك، و انف عن خاطرك كلّ معبود سواه بسماع التهليل و أحضر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تأدّب بين يديه و أشهد له بالرسالة مخلصا و صلّ عليه و آله، و حرّك نفسك، واسع بقلبك و قالبك عند الدعاء إلى الصلاة و ما يوجب الفلاح و ما هو خير الأعمال و أفضلها، و جدّد عهدك بعد ذلك بتكبير اللّه و تعظيمه و اختمه بذكره كما افتتحت به و اجعل مبدأك منه و عودك إليه و قوامك به و اعتمادك على حوله و قوّته فإنّه لا حول و لا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم.

(فصل) أقول: و أمّا الوقت‌

فقد قال بعض علمائنا [2]– رحمهم اللّه جميعا-: استحضر عند دخوله أنّه ميقات جعله اللّه تعالى لك لتقوم فيه بخدمته، و تتأهّل للمثول في حضرته و الفوز بطاعته، و ليظهر على قلبك السرور و على وجهك البهجة عند دخوله لكونه سببا لقربك و وسيلة إلى فوزك، فاستعدّ له بالطهارة و النظافة و لبس الثياب الصالحة للمناجاة كما تتأهّب عند القدوم على ملك من ملوك الدنيا، و تلقّاه بالوقار و السكينة و الخوف و الرجاء، قال: و استحضر عظمة اللّه و جلاله و نقصان قدرك و كماله.

و قد روي عن بعض أزواج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قالت: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يحدّثنا و نحدّثه فإذا حضرت الصلاة فكأنّه لم يعرفنا و لم نعرفه شغلا باللّه عن كلّ شي‌ء، و كان عليّ عليه السّلام إذا حضر وقت الصلاة يتململ و يتزلزل فيقال له: مالك يا أمير المؤمنين؟ فيقول: جاء وقت أمانة عرضها اللّه على السماوات و الأرض و الجبال فأبين أن يحملنها و أشفقن منها، و كان عليّ بن الحسين عليهما السّلام إذا حضر الوضوء اصفرّ لونه إلى غير ذلك.

فصل) قال أبو حامد: «و أمّا الطهارة

فإذا أتيت بها في مكانك و هو ظرفك الأبعد، ثمّ في ثيابك و هو غلافك الأقرب، ثمّ في بشرتك و هي قشرك الأدنى فلا تغفل عن لبّك الّذي هو ذاتك و هو قلبك، فاجتهد له تطهيرا بالتوبة و الندم على ما فرط، و تصميم العزم على الترك في المستقبل، فطهّر بها باطنك فإنّه موضع نظر معبودك».

(1) أقول: و قد ذكرنا في كتاب أسرار الطهارة كلاما عن مولانا الصادق عليه السّلام و آخر عن بعض علمائنا فتذكّر.

(فصل) قال أبو حامد: «و أمّا ستر العورة

فاعلم، أنّ معناه تغطية مقابح بدنك من أبصار الخلق، فإنّ ظاهر بدنك موقع نظر الخلق فما رأيك في عورات باطنك و فضائح سرّك الّتي لا يطّلع عليها إلّا ربّك، فاخطر تلك الفضائح ببالك، و طالب نفسك بسترها و تحقّق أنّه لا يستر عن عين اللّه سبحانه ساتر، و إنّما يكفرها الندم و الحياء و الخوف فتستفيد بإحضارها في قلبك انبعاث جنود الخوف و الحياء من مكامنهما فتذلّ به نفسك و تسكين تحت الخجلة قلبك و تقوم بين يدي اللّه تعالى قيام العبد المجرم المسي‌ء الآبق الّذي ندم فرجع إلى مولاه ناكسا رأسه من الحياء و الخوف».

(2) أقول: و في مصباح الشريعة قال مولانا الصادق عليه السّلام: «أزين اللّباس للمؤمنين لباس التقوى، و أنعمه الإيمان قال اللّه عزّ و جلّ: «وَ لِباسُ التَّقْوى‌ ذلِكَ خَيْرٌ» [1] و أمّا اللّباس الظاهر فنعمة من اللّه يستر بها عورات بني آدم، و هي كرامة أكرم اللّه بها عباده ذريّة آدم عليه السّلام ما لم يكرم بها غيرهم و هي للمؤمنين آلة لأداء ما افترض اللّه عليهم، و خير لباسك ما لا يشغلك عن اللّه تعالى بل يقرّبك من شكره و ذكره و طاعته و لا يحملك إلى العجب و الرياء و التزيّن و المفاخرة و الخيلاء فإنّها من آفات الدّين و مورثة القسوة في‌

القلب، و إذ لبست ثوبك فاذكر ستر اللّه عليك ذنوبك برحمته، و ألبس باطنك بالصدق كما ألبست ظاهرك بثوبك و ليكن باطنك في ستر الرهبة و ظاهرك في ستر الطاعة و اعتبر بفضل اللّه عزّ و جلّ حيث خلق أسباب اللّباس لتستر العورات الظاهرة و فتح أبواب التوبة و الإنابة لتستر بها عورات الباطن من الذّنوب و أخلاق السوء، و لا تفضح أحدا حيث ستر اللّه عليك أعظم منه، و اشتغل بعيب نفسك، و اصفح عمّا لا يعنيك حاله و أمره و احذر أن يفني عمرك بعمل غيرك و يتّجر برأس مالك غيرك و تهلك نفسك، فإنّ نسيان الذنوب من أعظم عقوبة اللّه تعالى في العاجل و أوفر أسباب العقوبة في الآجل، و ما دام العبد مشتغلا بطاعة اللّه و معرفة عيوب نفسه و ترك ما يشين في دين اللّه فهو بمعزل على الآفات، غائص في بحر رحمة اللّه تعالى يفوز بجواهر الفوائد من الحكمة و البيان و ما دام ناسيا لذنوبه جاهلا لعيوبه راجعا إلى حوله و قوّته لا يفلح إذا أبدا [1]».

(فصل) أقول: و أمّا المكان‌

فقد قال بعض علمائنا [2]– رحمهم اللّه-: استحضر فيه أنّك كائن بين يدي ملك الملوك تريد مناجاته و التضرّع إليه و التماس رضاه و نظره إليك بعين الرّحمة، فانظر مكانا يصلح لذلك كالمساجد الشريفة و المشاهد المطهّرة مع الإمكان فإنّه تعالى جعل تلك المواضع محلّا لاجابته و مظنّة لقبوله و رحمته، و معدنا لمرضاته و مغفرته على مثال حضرة الملوك الّذين يجعلونها وسيلة لذلك فادخلها ملازما للسّكينة و الوقار و مراقبا للخشوع و الانكسار، سائلا أن يجعلك من خلّص عباده و أن يلحقك بالماضين منهم، و راقب اللّه كأنّك على الصراط جائز، و كن متردّدا بين الخوف و الرجاء و بين القبول و الطرد، فيخشع حينئذ قلبك و يخضع لبّك و تتأهّل لأن يفيض عليك الرّحمة و تنالك يد العاطفة، و ترعاك عين العناية، قال الصادق عليه السّلام: «إذا بلغت باب المسجد فاعلم أنّك قصدت ملكا عظيما لا يطأ بساطه إلّا المطهّرون، و لا يؤذن لمجالسته إلّا

الصدّيقون، وهب القدوم إلى بساط خدمته هيبة الملك فإنّك على خطر عظيم إن غفلت، و اعلم أنّه قادر على ما يشاء من العدل و الفضل معك و بك، فإن عطف عليك بفضله و رحمته قبل منك يسير الطاعة و أجزل عليها ثوابا كثيرا، و إن طالبك باستحقاقه الصدق و الإخلاص عدلا بك حجبك و ردّ طاعتك و إن كثرت و هو فعّال لما يريد، و اعترف بعجزك و تقصيرك و فقرك بين يديه فإنّك قد توجّهت للعبادة له و المؤانسة به و اعرض أسرارك عليه و ليعلم أنّه لا يخفى عليه أسرار الخلائق أجمعين و علانيتهم، و كن كأفقر عباده بين يديه، و أخل قلبك عن كلّ شاغل يحجبك عن ربّك فإنّه لا يقبل إلّا الأطهر و الأخلص، فانظر من أي ديوان يخرج اسمك فإن ذقت من حلاوة مناجاته و لذيذ مخاطباته و شربت بكأس رحمته و كراماته من حسن إقباله عليك و إجاباته، و قد صلحت لخدمته فادخل فلك الإذن و الأمان و إلّا فقف وقوف مضطرّ قد انقطع عنه الحيل و قصر عنه الأمل و قضى الأجل، و إذا علم اللّه من قلبك صدق الالتجاء إليه نظر إليك بعين الرأفة و الرّحمة و العطف، و وفّقك لما يحبّ و يرضى فإنّه كريم يحبّ الكرامة لعباده المضطرّين إليه المحدقين على بابه لطلب مرضاته قال اللّه تعالى: «أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ» [1].

(فصل) قال أبو حامد: «و أمّا الاستقبال‌

فهو صرف لظاهر وجهك عن سائر الجهات إلى جهة بيت اللّه، أ فترى أنّ صرف القلب من سائر الأمور إلى أمر اللّه ليس مطلوبا منك هيهات فلا مطلوب سواه و إنّما هذه الظواهر تحريكات للبواطن و ضبط للجوارح و تسكين لها بالإثبات في جهة واحدة حتّى لا تبغي على القلب فإنّها إذا بغت و ظلمت في حركاتها إلى جهاتها استتبعت القلب و انقلبت به عن وجه اللّه، فليكن وجه قلبك مع وجه بدنك، و اعلم أنّه كما لا يتوجّه الوجه إلى جهة البيت إلّا بالصرف عن غيرها فلا ينصرف القلب‌ إلى اللّه تعالى إلّا بالتفرّغ عمّا سوى اللّه تعالى، و قد قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إذا قام العبد إلى صلاته و كان هواه و قلبه إلى اللّه انصرف كيوم ولدته أمّه» [1].

شاهد أيضاً

العهد” يواكب أمواج الوفاء في وداع قائد الأمة .. معزون يؤكدون الثبات على نهج الإمام

العهد” يواكب أمواج الوفاء في وداع قائد الأمة .. معزون يؤكدون الثبات على نهج الإمام 2026-07-10  …