هبة السماء ، رحلتي من المسيحية إلى الإسلام

الرومانيين، فهو يقول في (5: 12) (من أجل ذلك كأنما بانسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع، فإنه حتى الناموس كانت الخطيئة في العالم).
فبولس هو أول من تكلم عن الخطيئة الأصلية وأن البشرية كلها قد تلوثت بسبب هذه الخطيئة، ويعود بولس مجددا ليبين أنه كما بانسان واحد دخلت الخطيئة والموت إلى العالم كذلك الحياة والخلاص يكون بانسان واحد وهو المسيح (عليه السلام)، إذ يقول بولس في رسالته إلى الرومانيين (5: 17 – 19) لأنه كان بخطيئة الواحد قد ملك الموت بالواحد فبالأولى كثيرا الذين ينالون فيض النعمة وعطية البر سيملكون في الحياة بالواحد يسوع المسيح (عليه السلام). فإذا كما بخطيئة واحدة صار الحكم إلى جميع الناس للدينونة هكذا ببر واحد صارت الهبة إلى جميع الناس لتبرير الحياة.
فهنا وجه شبه بين آدم (عليه السلام) والمسيح (عليه السلام) وهو أنه كما كان آدم سبب الخطيئة و الموت لكل الذين يتعلقون به بالولادة الطبيعية كذلك المسيح (عليه السلام) هو علة التبرير والحياة لجميع الذين يتعلقون به بالولادة الروحية (1).
فيمكننا القول بأن واضع حجر الأساس لهذه العقيدة هو بولس


(1) تفسير العهد الجديد: 390.

(٨١)

وليس المسيح (عليه السلام)، وهنا أيضا نشير إلى بعض التساؤلات والنقاط حول هذه العقيدة فنقول:
أن مسألة مهمة وأساسية في العقيدة المسيحية (كمسألة الخطيئة الأصلية والفداء) هل يمكن القول أن المسيح (عليه السلام) تجاهلها أو نساها فلم يتحدث عنه (على الأقل حسب ما تنقل الأناجيل الأربعة الملهمة) وسكت، وجاء بعد ذلك رجل متعصب لليهودية (بولس) ومضطهد وقاتل لأتباع المسيح (عليه السلام) فيعلن عن هذه العقيدة فقبلتها الكنيسة واعتبرتها ركنا من أركانها، هل يليق هذا بالمسيح (عليه السلام)؟ ومع أن هدفه (والقول للمسيحيين) خلاص البشرية و فدائها، ولكنه لا يوضح المهمة الأساسية التي أرسل من أجلها، ولا يفهم الناس أنهم كلهم ملوثون بخطيئة آدم (عليه السلام) الأولى وهو الذي ينقذهم من هذه الخطيئة، بل يوكل الأمر إلى بولس ليبينها ويعلنها مع أنه ليس من التلاميذ الذين أختارهم المسيح (عليه السلام) في حياته.
أولم يكن من الأولى للمسيح (عليه السلام) أن يبين هذه العقيدة بشكل واضح لتلاميذه على أقل تقدير، ليتسنى لهم توضيحها للناس وخصوصا أنه أرسلهم إلى كل الأمم ليبشروا بالإنجيل وتعاليمه.
فنحن نجد أن الأناجيل الأربعة ولا سيما إنجيلي متي ويوحنا (الذين يزعم المسيحيون أنهما منسوبان لمتي ويوحنا الرسولين) لا تتحدث ولا تشير إلى خطيئة آدم (عليه السلام) أبدا، بل حتى مرقس (تلميذ

(٨٢)

الوصي والرسول بطرس) هو الآخر لم يذكرها في إنجيله مع أنه حسب ما ينقل كان من المقربين لبطرس، بل أن إنجيله كما يذكر هو زبدة تعاليم بطرس، وإضافة إلى ذلك فقد كان مرافقا لبولس نفسه فكيف لم يسمع بهذه المسألة المهمة ولم يدونها، وكذلك الحال بالنسبة إلى لوقا فإنه كان رفيق بولس في بعض أسفاره، ولكنه لم يذكر شيئا عن الخطيئة الأصلية والفداء.
وتساؤلات أخرى كلها تثير الشكوك حول هذه العقيدة، التي لم ينطق بها المسيح (عليه السلام) ولا تلاميذه ورسله، بل كانت من وحي وخيال بولس، وأعتقد أن بولس باضطهاده وقتله للمسيحيين بشدة قبل توبته أشعرته بعظم الخطيئة التي ارتكبها بعد التوبة والإيمان، وللخلاص من تأنيب الضمير وتبرير تلك الأفعال والخطايا التي قام بها، جاء بهذه الفكرة وألبس البشرية كلها ثوب الخطيئة والمصيبة إذا عمت هانت هذا كله إذا أحسنا الظن بالقديس بولس وإيمانه وتوبته الصادقة وصحة الرسائل المنسوبة إليه.
إضافة إلى كل هذا يبقى هناك سؤال مهم يطرح نفسه حول هذه العقيدة وهو: ما ذنب الناس منذ القرون الأولى للبشرية أي منذ زمن آدم (عليه السلام) حتى زمن المسيح (عليه السلام)، فهل كلهم خطاة ولم يغفر لهم، مع أن فيهم كما يذكر الكتاب المقدس بعهديه، أنبياء وأولياء وأتقياء وشهداء استشهدوا في سبيل الله كما يذكر عيسى (عليه السلام) نفسه في العهد الجديد

(٨٣)

عن مقتل زكريا، فماذا كان مصيرهم؟
وللحرج الذي يقع فيه المسيحيون من هذا السؤال يجيبون عنه جوابا أعتقد أنه مخالف للفطرة والعقل البشري وفيه إهانة كبيرة إلى كل الأنبياء العظام فيقولون أما مصير الذين ماتوا قبل هذه الساعة فقد هلك الخطاة، وأما أصحاب القلوب النقية – يقول المسيحيون – فقد ماتوا على رجاء الخلاص، وهذا ما يفسر بوضوح نزول المسيح (عليه السلام) إلى الجحيم ليحرر هذه النفوس التي كانت تنتظر مجيئه (1).
فعلى هذا يجب أن نقول أن نوحا نبي الله وإبراهيم خليل الله وموسى كليم الله وداود وإسحاق ويعقوب والأنبياء العظام كلهم (صلوات الله وسلامه عليهم) يصلون الجحيم منتظرين نزول المسيح (عليه السلام) إليهم لإنقاذهم!!!
فأي عقل سليم يقبل مثل هذا الهراء؟ إضافة إلى ذلك فإنه مخالف للعهد الجديد نفسه إذ يقول متي في إنجيله (8 – 1 1) وأقول لكم أن كثيرين سيأتون من المشارق المغارب ويتكئون مع إبراهيم و إسحاق ويعقوب في ملكوت السماوات.
وأيضا من تصريح المسيح (عليه السلام) من أن الأطفال والأولاد لهم ملكوت السماوات، فإن كان المسيح (عليه السلام) يعظم الأنبياء في أماكن


(1) المسيح في الفكر الاسلامي: 345.

(٨٤)

كثيرة من العهد الجديد ويؤكد أنهم في ملكوت السماوات، فلا أدري من أين جاءوا بمثل هذه الأقاويل ونسبوها زورا وتحريفا إلى السيد يسوع المسيح (عليه السلام) فهل يعقل أن يختار الله سبحانه في هذه الدنيا أنبياء وأولياء قضوا جل أعمارهم في طاعته وعبادته وقدموا أرواحهم وأنفسهم في سبيل تبليغ تعاليمه وهداية الناس إليه، فمنهم الخليل والكليم وغيرهما الكثير، وبعد موتهم يلقيهم في جهنم جزاء لخطيئة آدم (عليه السلام) وإلى أن يرسل المسيح (عليه السلام) ويخلصهم!!
وفي الواقع فأني وقفت متحيرا وذاهلا كيف كنت أقبل مثل هذه العقائد واعتبرها من الأمور المسلمة، ليس سوى أن الكنيسة قد اعتبرتها وقبلتها وأن كانت مخالفة للعقل والفطرة.
وأختم الحديث عن هذا الموضوع فأقول أن هذه العقيدة مخالفة للكتاب المقدس أيضا، إذ نجد عكس هذه المسألة تماما في كتاب العهد القديم، مثلا يقول حزقيل النبي (18: 20) من أخطأ فهو الذي يموت والابن لا يحمل خطيئة أبيه، وكذلك الأب لا يحمل خطيئة ابنه، فالبار سيحاسب على بره، والشرير سيحاسب على شروره. وغيرها الكثير، ولأني تعمدت الاختصار قدر الإمكان في هذا الكتاب اكتفي بهذا المقدار، على أني سأتوسع في البحث في هذا الموضوع في رسالة مستقلة بإذن الله، ونفرق هناك بين الخطيئة

(٨٥)

شاهد أيضاً

هبة السماء ، رحلتي من المسيحية إلى الإسلام

أسما. والمسألة الأخرى التي أراها مهمة هي أن الأناجيل كلها والأسفار لم تذكر شيئا واحدا …