كيف وثّق الصحافي السوفياتي، ليونيد فولنوف، الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1978؟ وماذا شاهد في صور والنبطية ومخيم الرشيدية؟
عمل الكاتب الصحافي، ليونيد ليونيدوفيتش فولنوف، لسنوات طويلة مراسلاً دولياً في وكالة أنباء الاتحاد السوفياتي الرسمية (تاس). أمضى 6 سنوات في لبنان، من عام 1972 إلى عام 1978، بصفته رئيساً لمكتب بيروت في الوكالة.
خلال هذه المدة، وجد نفسه في قلب الأحداث الدامية، فعاصر المرحلة الأولى من الحرب الأهلية (1975 – 1976) والاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1978، وقدّم حصيلة تجربته في كتابه “عند بوابة الشرق”، الذي صدر عام 1982 عن دار “ميسل” للنشر في موسكو.
يسرد في الكتاب مشاهداته عن طبيعة لبنان وتاريخه، وحياة شعبه، وآثار الحروب والصراعات التي عصفت به. ونحن إذ نقرأ نصّ فولنوف اليوم، نتعرّف عبر مشاهداته إلى عدوان من سلسلة عدوانات صهيونية مستمرة، ليس من سبعينيات القرن الماضي فحسب، بل منذ أنشأت العصابات الصهيونية كيان العدو على أرض فلسطين برعاية القوى العظمى، ونقف عند فصل آخر من لعنة الجغرافيا التي حلّت على جبل عامل.. وما أشبه اليوم بالبارحة!
“في جنوب لبنان”
تحت عنوان “في جنوب لبنان”، يتحدّث فولنوف عن الاجتياج الإسرائيلي عام 1978 كما رآه: “ليلة 15 آذار/مارس، عبر “الجيش” الإسرائيلي الحدود… وكانت الذريعة الرسمية للعدوان هي عملية نفّذها فدائيون فلسطينيون بالقرب من “تل أبيب”. أما هدف العدوان فكان إقامة ما يسمّى بالحزام الأمني الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية بعمق يصل إلى 25 كيلومتراً (حتى نهر الليطاني)، أي احتلال جنوب لبنان فعلياً، وتدمير حركة المقاومة الفلسطينية.
وعلى الرغم من أنّ الهجوم بدأ وفق سيناريو مرسوم مسبقاً وبإحكام، إلا أنّ المحتلين واجهوا مقاومة لم يشهدوا لها مثيلاً من قبل. لم تفاجأ قيادة المقاومة فكتائبها المقاتلة، مستغلّة بمهارة تضاريس المنطقة الجبلية، استبسلت في مواجهة العدو، بهدف إبطاء تقدّمه وإنهاك قواته.
ولم يكن ذلك سهلاً، إذ كان العدو، متفوّقاً بكثير في العتاد والقوى البشرية، يمطر مواقع المقاومة بنيران مدفعية وغارات جوية عنيفة. كان وابل القنابل والقذائف يسوي بالأرض كلّ ما يعترض طريقه، وتشتعل منازل المدنيين بنيران النابالم. لكنّ الجبال صمدت منيعة. وتحت غطائها، كان مقاتلو الحركة الوطنية والفدائيون الفلسطينيون يطلقون نيراناً كثيفة على العدو. علقت وحدات المدرّعات الإسرائيلية في الجبال، فبدلاً من اندفاعها بشكل خاطف، تحوّل مسيرها إلى زحف دامٍ، دفع فيه مئات الجنود الإسرائيليين حياتهم أو أصيبوا بجروح بليغة”.
في المحصّلة، احتلّ الصهاينة جنوب لبنان حتى نهر الليطاني، يتابع فولنوف: “لم يبقَ حرّاً سوى شريط ساحلي ضيّق في أقصى الجنوب الغربي من البلاد، لكنّ هذا الشريط نفسه ظلّ هدفاً ثابتاً للاعتداءات الإسرائيلية براً وبحراً. ونتيجة للعدوان، قُتل أكثر من 1000 مدني لبناني، وفقد نحو 200 ألف شخص مساكنهم وأصبحوا لاجئين”.
“كانت هذه المدينة، ذات السكان المسيحيين والمسلمين، تستقبل زائريها سابقاً بقرع أجراس الكنائس، وأذان المؤذنين من مآذنها العالية، وبصخب حياتها التجارية اليومية. لكننا حين دخلنا النبطية هذه المرة، والتي كان يسكنها 30 ألف نسمة، بدت كمدينة أشباح”.
آنذاك، بحث في مجلس الأمن الدولي الاجتياح الصهيوني، وصدر قرار يطالب بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، ونصّ القرار أيضاً على إرسال قوات أممية إلى لبنان. غيّر الصهيانة تكتيكهم فانسحبوا جزئياً، واستعانوا بعملائهم وعلى رأسهم سعد حداد. يتحدّث فولنوف عنه، يقول: “نفّذ حدّاد إرادة الإسرائيليين، وبمساعدة العصابات التي يقودها فرض سيطرته على جزء من أراضي جنوب لبنان تحت الاحتلال الإسرائيلي، وأعلن قيام دولة سمّتها إسرائيل دولة لبنان الحرّ”.
تحت قيادة هذا العميل، يتابع فولنوف “كان ما مجموعه نحو 2000 من قطّاع الطرق، يرهبون سكان الجنوب اللبناني ويدفعونهم إلى الخضوع والتعاون مع المحتلّ الإسرائيلي. وكانت إسرائيل تزوّد عملاءها بكلّ الأسلحة والذخائر والمواد الغذائية. وألحقت بهم مستشارين عسكريين من عندها. وظلّ أفراد عصابات حداد والإسرائيليون يهاجمون مراكز جنود الأمم المتحدة، ويقصفونها… هكذا كانت الحال في جنوب لبنان وعلى الحدود”.
“المدينة الشهيدة”
في إثر الاجتياح، ينطلق الكاتب في جولة ميدانية جنوباً، يقول: “بعد فترة وجيزة من العدوان الإسرائيلي عام 1978. ترافقنا في مجموعة صحافية مع دليل شاب اسمه أحمد، ومراسلة صحافية فلسطينية تدعى يسرى، ذات شعر أسود غزير تلفّ حول عنقها شريط آلة تصوير. رافقتنا سيارة جيب تضم عدداً من المقاتلين المسلحين. عند مدخل مدينة صيدا، تقع أعيننا على لوحة إرشادية بالكاد تُرى حروفها تحمل عبارة: جنوب لبنان يرحّب بكم. بقيت هذه اللوحة تذكاراً من أيام أفضل مضت، وهي تثير في النفس مرارة. بين أشجار متفرّقة على شاطئ البحر، أقيمت مدينة خيام للاجئين. العشرات، بل المئات من الناس يتجوّلون بينها وكأنهم تائهون. على الأرصفة البحرية، قلة من الناس الآن، فالصيادون، الذين عادة ما يكثرون هنا إلى جانب زوارقهم، وسكان المدينة، يخشون ظهور زوارق حربية إسرائيلية من البحر، التي كثيراً ما تشنّ غارات على المدينة وتقصف أحياءها الساحلية”.
يتحدّث فولنوف عن أهمية صيدا وتاريخها وسكانها ومينائها، ويتابع سيره جنوباً، يضيف: “بعد مسافة طويلة على الساحل، بات الطريق محاطاً ببساتين الموز والبرتقال، وتفوح منها عطور زكية. لم يكن هناك ما يذكّر بالحرب. عندما وصلنا إلى الصرفند ضاق الطريق. الصرفند هي قرية صيد بحري، نزلت فيها عدة مرات قوات إنزال إسرائيلية. كان هدفنا الوصول إلى صور، المدينة الشهيدة، التي كانت خلال السنوات الأخيرة هدفاً مباشراً للعدوان الإسرائيلي. وقفت دبابات الإسرائيليين على مسافة 15 كيلومتراً من صور، لم تتمكّن من الوصول إليها لأنّ المدافعين عن المدينة قاوموا المعتدين بقوة”.
“من سكان مدينة صور الذين بلغ عددهم في زمن السلم 40 ألف نسمة، لم يبقَ سوى 3 أو 4 آلاف. ندخل منطقة المرفأ. اقتلعت صواريخ الطائرات الإسرائيلية ساحة المرفأ، إلى حيث كان الصيادون يسحبون مراكبهم لتصليحها وتجفيفها. مبنى المحطة البحرية والمنازل السكنية المجاورة له مدمّرة جزئياً”.
بعد نهر القاسمية، يتابع الكاتب وصفه: “تستقبلنا على جانبي الطريق المؤدي إلى صور غابات الموز الخضراء، وأشجار البرتقال والليمون. نمرّ بعدة قرى مدمّرة، هجرها سكانها. حدائقها مهملة، وقد تساقطت ثمارها الناضجة فغطت الأرض بسجادة برتقالية زاهية. في الشوارع تتناثر الصناديق المحطّمة والعربات المقلوبة وجيف الخيول غير المدفونة. وفي الأفق، يلوح من خلال ضباب رمادي واجهات أبنية صور متعدّدة الطوابق. للوهلة الأولى، يبدو كأنها لم تصب بأذى”.
يتحدّث الكاتب عن تاريخ “حاضرة فينيقيا” العريق، ويقارن: “لم يحالف الحظ صور في أيامنا هذه أيضاً. فقربها من الحدود الإسرائيلية جعلها هدفاً دائماً للعدوان. والمنظر الذي بدا لنا من بعيد عند اقترابنا من المدينة كان سراباً. فقد كانت حافات الطرق مكوّمة بهياكل سيارات محترقة، وأعمدة الهاتف المعدنية ملتوية، والمنازل نفسها مشوّهة بعلامات احتراق سوداء وحفر ناتجة عن القصف. من سكان المدينة الذين بلغ عددهم في زمن السلم 40 ألف نسمة، لم يبقَ سوى 3 أو 4 آلاف. ندخل منطقة المرفأ، اقتلعت صواريخ الطائرات الإسرائيلية ساحة المرفأ، إلى حيث كان الصيادون يسحبون مراكبهم لتصليحها وتجفيفها. مبنى المحطة البحرية والمنازل السكنية المجاورة له مدمّرة جزئياً”.
بين صور والرشيدية
يختلط الوفد الصحافي بأهل المدينة، يقول: “يتجمّع حولنا بعض الصيادين المحليين، الذين يريدون إخبارنا بما جرى، ومشاركتنا ما عانوه. يقول أحدهم: لم يكن لي إلا زورق واحد أخرج به إلى البحر. وما كنت أصطاده وأبيعه كان لا يكاد يكفي لإطعام أسرتي. حين قصفت إسرائيل الميناء، كان زورقي بين الزوارق المحطّمة. في ذلك اليوم دمّرت 16 زورق صيد”. يضيف شاهد آخر: “في السوق القديم، هنا قرب المرفأ، كان 10 أشخاص جالسين. انفجرت قذيفة إسرائيلية بينهم، فقتلت 7 منهم”. ويشاركنا ثالث ذكرياته قائلاً: “مكثنا أياماً في الملجأ، خوفاً من الخروج إلى الشارع. افتقرنا إلى الطعام، وأحياناً إلى الماء. كان الإسرائيليون يقصفون المدينة والمرفأ بلا رحمة. كنا لا نسمح لأنفسنا بالخروج إلا ليلاً لنلتقط أنفاساً من الهواء الطلق”.
ينطلق فولنوف إلى مقر إحدى فصائل المقاومة التابعة للحركة الوطنية التي تدافع عن المدينة. يقول: “جميع الشوارع التي نسلكها خالية، لكن على التقاطعات الرئيسة تنتشر نقاط حراسة مسلحة للحركة الوطنية والفلسطينيين، تتولى معاً حماية مداخل المدينة. نصل أخيراً إلى هدفنا. المقر في الطابق الأرضي من مبنى كان على الأرجح مدرسة. نسير في الممرات، وإلى جانب الجدران يستريح المقاتلون على أسرّة معدنية وعلى نقالات إسعاف. تبدو عليهم علامات الإرهاق، فقد قضوا الليل كله في الجبهة التي تبعد بضعة كيلومترات عن المدينة. ندخل غرفة صغيرة حيث قائد المجموعة. يجلس منحنياً على طاولة تحت ضوء مصباح غاز، يعبث بقلق بشعره المجعّد. أمامه على الطاولة خريطة صغيرة للمنطقة. يقول مشيراً إلى الخريطة: من هنا بدأ العدو الإسرائيلي هجومه مستخدماً كلّ أنواع الأسلحة. من البر قصفت المدفعية، ومن البحر قصفت السفن والزوارق. وبعد الإعداد الناري، تقدّمت الدبابات. وعلى الرغم من التفوّق الكبير للعدو في القوى، تمكّنا من إيقافه. ودمّرنا دباباته واحدة تلو الأخرى، بقنابل مضادة للدبابات”.
“نمرّ بعدة قرى مدمّرة، هجرها سكانها. حدائقها مهملة، وقد تساقطت ثمارها الناضجة فغطت الأرض بسجادة برتقالية زاهية. في الشوارع تتناثر الصناديق المحطّمة والعربات المقلوبة وجيف الخيول غير المدفونة”.
كانت هذه المعركة على المداخل الجنوبية للمدينة. وفي الشمال الشرقي، حاول العدو في الوقت نفسه القيام بإنزال بحري، خصوصاً وأنّ الشاطئ هناك رملي، ومناسب لرسو الزوارق ولتقدّم القوات. كان هدف الغارات قطع الطريق المؤدّي إلى المدينة، لكنّ العدو لم يفلح. إذ صادفت قواته نيراناً كثيفة من الرشاشات والبنادق الآلية، فاضطرت إلى التراجع”.
اغتنم الفريق الصحافي فترة الهدوء، فتوجّه إلى مخيم الرشيدية للاجئين الفلسطينيين بالقرب من صور. يقول فولنوف: “الطريق وعرة. وسرعان ما ترى العين مخيماً خاوياً بالكامل. المنازل خالية من سكانها، وحول بعضها تخضّر أشجار وتمتد كروم. بوابات المنازل مشرّعة. من بين 12 ألف لاجئ كانوا يسكنون المخيم، لم نرَ سوى 3 فقط. هنا رجل مسن بملابس عربية نموذجية، واقفاً قرب مسجد صغير، وهناك امرأة عجوز وطفل قرب أحد المنازل. قرّر الشيخ والعجوز، على الرغم من كلّ شيء، قضاء ما تبقّى من عمرهما هنا. يدعونا أحمد، الذي يتقدّمنا مع مجموعة من المقاتلين، للدخول إلى فناء منزل صغير. هنا، عند جدار حجري منخفض، تلمع في الشمس هياكل معدنية لصواريخ ضخمة ألقاها سلاح الجو الإسرائيلي، لكنها لم تنفجر لسبب ما. وما زالت النقوش عليها ظاهرة، تفيد بأنها صُنعت في الولايات المتحدة عام 1973. وقد استُخدمت هذه الصواريخ ضدّ المدنيين في المدن والقرى ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين”.
إلى النبطية
من الرشيدية يتوجّه الكاتب إلى مدينة النبطية متجنّباً الأراضي المحتلة، عبر طريق إسفلتي يتعرّج عبر تلال جبل عامل، يصفه: “يصعد بنا تدريجياً. نتجه شرقاً شمال نهر الليطاني. يبدو النهر صغيراً، لا يتجاوز عرضه في الشتاء 20 متراً. ويجفّ كثيراً في الصيف، أما الآن، في الربيع، فهو يجري بهدوء نحو البحر. عندنا في روسيا أنهار كثيرة كهذا، ولا نلتفت إليها غالباً. لكن هنا، حيث كلّ قطرة ماء تساوي وزنها ذهباً، لا يمكننا المرور إلى جانبه بلا مبالاة”.
يتذكّر فولنوف رحلات له إلى الحدود قبل الاجتياح، حيث “في بعض الأماكن، تكاد القرى اللبنانية الواقعة على الحدود تتلاصق مع المستعمرات الإسرائيلية. في أيار/مايو عام 1970، شن الإسرائيليون هجوماً عسكرياً في منطقة العرقوب، تمكّنت الحركة الوطنية والفلسطينيون، بتضحيات كبيرة، من إيقاف الهجوم. وفي 1972 تكرر الهجوم وتحول إلى عدوان واسع النطاق بمشاركة عدة آلاف من الجنود… كان هدفه إخلاء الجنوب، والتمهيد لاحتلاله. في إحدى القرى التي مررت بها بعد ذلك العدوان، رأيت دبابة لبنانية معطّلة، كان طاقمها قد أطلق كل ذخيرته في محاولة لإيقاف تقدّم المدرّعات الإسرائيلية. دمّرت الدبابة اللبنانية عدة ناقلات جند معادية… وخلال هذه المعارك شعر الجنود اللبنانيون أنهم قادرون على مواجهة العدوان. عندما بدأنا رحلة العودة، كان الغسق قد حل، وكان يجب أن نلحق بالطريق الرئيس قبل حلول الظلام، والأهم من ذلك، الخروج من هذه المنطقة، لأنّ المساء كان يشهد قصفاً مدفعياً منهجياً للطرق والبلدات. ولم يخب ظننا: فبينما كنا نقترب من الطريق المؤدي إلى مدينة النبطية، سمعنا خلفنا أولى انفجارات القصف. وظل صدى هذه الانفجارات يلازمنا طويلاً”.
“كان وابل القنابل والقذائف يسوّي بالأرض كلّ ما يعترض طريقه، وتشتعل منازل المدنيين بنيران النابالم. لكنّ الجبال صمدت منيعة. وتحت غطائها، كان مقاتلو الحركة الوطنية والفدائيون الفلسطينيون يطلقون نيراناً كثيفة على العدو. علقت وحدات المدرّعات الإسرائيلية في الجبال، فبدلاً من اندفاعها بشكل خاطف، تحوّل مسيرها إلى زحف دامٍ”.
الولاية الاخبارية موقع اخباري وثقافي لمن يسلك الطريق الی الله



