مصر في وجدان خامنئي.. ما أعرفه من كواليس خطبة فبراير
26 دقيقة مضت
تقاريـــر
0 زيارة
هل نقرأ نحن المصريين مكانة بلدنا بالعمق نفسه الذي قرأها به قائد يقف على منبر يبعد آلاف الكيلومترات عن القاهرة؟ أم نحتاج، في كلّ مرة، إلى صوت يأتي من بعيد ليذكّرنا بأنّ مصر، حين ترتفع رايتها، يتغيّر معها وجه المنطقة؟
لا تُقاس مكانة الأمم بما تقوله عن نفسها فقط، بل بما تستدعيه في وعي الآخرين حين تنفتح لحظة تاريخية كبرى. وقد لا يكشف تقديرَ أمة خطابٌ دبلوماسي محسوب، بقدر ما تكشفه الطريقة التي يختار بها قائد غير عربي أن يخاطب شعبها بلغته، مستدعياً رموزها وانكساراتها وانتصاراتها، كأنه يقرأ سيرتها من داخلها.
هكذا فعل السيد علي خامنئي في الرابع من شباط/فبراير 2011. لم يوجّه إلى المصريين رسالة تضامن سياسية فحسب، بل استحضر مصر بوصفها حضارةً وقوةً تاريخية، ورأى خلف النظام الذي كان يتداعى أمةً يعرف أنّ نهوضها أو انكفاءها لا يتوقّف أثره عند حدودها.
وبينما كانت شاشات التلفزة تستعيد، في سياق تشييع القائد الشهيد، محطات من حياته وخطاباته، أعادتني تلك الخطبة العربية إلى صباح يومها، وإلى جانب من كواليسها عرفته قبل أن يصعد السيد خامنئي إلى منبر صلاة الجمعة في طهران.
استعدّتُ القاهرة وهي تمشي على حافة الاحتمالات، وميدان التحرير لا يزال ينزف من جراح “موقعة الجمل”. واستعدّتُ معلومة حملتها معي وأنا أعبر سيراً من منزلي القريب من الميدان إلى مبنى التلفزيون في ماسبيرو: أنّ خطاباً سيصدر بعد ساعات من طهران موجّهاً إلى الشعب المصري، وأنّ جزءاً منه ربما يُلقى بالعربية.
كان قد مضى على احتجاجات الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير نحو عشرة أيام. ولم يكن كلّ من احتشد في الميدان ثائراً بالمعنى الفكري أو التنظيمي؛ فقد كانت الكتلة الأكبر من المحتجين تطالب بإصلاحات سياسية واجتماعية، وإنهاء الاستبداد والفساد، واستعادة الكرامة، بينما دفعت قوى ثورية أكثر تنظيماً وارتفاعاً في الصوت نحو تغيير جذري.
وبعد العنف الذي شهدته “موقعة الجمل” في الثاني من شباط/فبراير، بدأ القلق يتسلّل إلى بعض المحتجين. فقد أثبتت الواقعة أنّ أذرع النظام لا تزال قوية وقادرة على الهجوم والمناورة. وفي ذلك التوقيت، كان لصوت سياسي كبير يخاطب المصريين بلغتهم أن يحمل أثراً معنوياً يتجاوز حدود المواقف الدبلوماسية المعتادة.
حديث سبق المنبر
بدأت القصة حين تواصل معي صحافي إيراني سأكتفي بالإشارة إليه باسم “مهدي”. كان يتولّى آنذاك مسؤولية في القسم العربي لإحدى المؤسسات الإعلامية، وحصل على رقم هاتفي من المكتب الإعلامي للمرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله، بعد حوار مهم أجريته معه. وأخبرني بأنه على صلة وثيقة بالمكتب الإعلامي للسيد خامنئي.
ولم أقرأ توجيه السؤال إليّ بوصفه طلباً لتزكية الخطاب، بل محاولةً لاختبار توقيته ولغته لدى كاتب وصحافي مصري يعرف الشارع والإعلام، وله موقف معلن في دعم المقاومة. وبصرف النظر عن المسار الذي اتخذته الفكرة بعد ذلك، فإنّ هذا الاستطلاع كشف حرصاً على أن تصل الرسالة إلى المصريين من مدخل يراعي مزاجهم الوطني وحساسيتهم تجاه أيّ خطاب يأتي من الخارج.
سألني مهدي عن رأيي في فكرة أن يوجّه سماحة السيد جزءاً من خطبته إلى الشعب المصري المحتشد في ميدان التحرير وميادين أخرى في عدد من المدن. استحسنت الفكرة، وقلت إنّ توقيتها مناسب؛ فالمحتجّون كانوا في حاجة إلى كلّ صوت يساند مطالبهم ويعيد الثقة إلى من بدأ الإحباط أو القلق يتسرّب إليهم.
ثم سألني: ماذا لو كان الجزء الموجّه إلى المصريين باللغة العربية؟
لم أتردّد في استحسان الاقتراح. فاللغة في مثل هذه اللحظات ليست مجرّد وسيلة لنقل المعنى، بل تصبح جزءاً منه. وأن يتحدّث قائد إيراني إلى الشعب المصري بالعربية يعني أنّ الرسالة لا تمرّ عبر مترجم أو وسيط، ولا تصل بوصفها بياناً رسمياً بارداً، وإنما خطاباً يريد النفاذ مباشرةً إلى وجدان المصريين.
لا أدّعي أنني كنت صاحب فكرة الخطبة، ولا أنّ رأيي صنع قرارها أو حدّد لغتها؛ فقرارات من هذا النوع لها دوائرها ومساراتها. ما أعرفه أنني كنت مطّلعاً على جانب من التفكير السابق لها، وأنّ رأيي استُطلع في توقيتها وجدوى إلقاء الجزء الموجّه إلى المصريين بالعربية. أما الطريق الذي سلكته الفكرة حتى وصلت إلى المنبر، فلا أملك أن أجزم به.
في صباح يوم الجمعة، وأنا في طريقي إلى ماسبيرو، تحدّثت مع بعض المحتجين في الميدان عن احتمال توجيه السيد خامنئي خطاباً إليهم، فوجدت استحساناً للفكرة. لم يكن ذلك بالضرورة اتفاقاً مع إيران أو مع نظامها السياسي، بل ترحيباً بأيّ موقف يحترم إرادة المصريين وحقّهم في تقرير مستقبلهم.
كنت آنذاك رئيس التحرير العامّ لبرنامج “من القاهرة”، البرنامج اليومي الرئيسي على قناة النيل للأخبار. وما إن وصلت إلى مبنى التلفزيون حتى أبلغت رئيس قطاع الأخبار، الأستاذ عبد اللطيف المناوي، باحتمال صدور الخطاب، ليبدأ الاستعداد لمتابعته والبحث عن ضيوف لقراءة مضامينه.
وعندما أُلقيت الخطبة، استضاف القطاع أكثر من محلّل، وقُدّمت قراءة نقدية لمضامينها. كان ذلك متوقّعاً؛ فالخطاب جاء مسانداً للمحتجّين، بينما كانت الشاشة الرسمية تعمل داخل منظومة السلطة التي يواجهها الشارع. وهكذا نقل التلفزيون خطاباً مؤثّراً موجّهاً إلى المصريين، ثم أخضعه للقراءة والنقاش وتفكيك دلالاته.
بعد الخطبة، عاد مهدي وسألني عن ردود الفعل: كيف استقبلها المحتجّون؟ وكيف تعامل معها الإعلام؟ وهل منحها إلقاؤها بالعربية التأثير المتوقّع؟
لا أستطيع قياس أثر الخطبة في مسار الأحداث أو معنويات الميدان، ولا ينبغي تحميلها ما يتجاوز حجمها؛ فالانتفاضة صنعها المصريون ودفعوا ثمنها. لكنها كانت رسالة تضامن قوية وصلت في توقيت حسّاس، وأكّدت أنّ ما يجري في مصر لم يكن شأناً داخلياً يمكن عزله عن مصير المنطقة.
مصر التي رآها خامنئي
لم تكن خطبة الرابع من شباط/فبراير تأييداً سياسياً للاحتجاجات فحسب. فاللغة التي تحدّث بها السيد خامنئي عن مصر كشفت معرفةً بتاريخها وتقديراً لمكانتها يتجاوزان اللحظة.
قال مخاطباً العالم العربي والإسلامي: “يترقّبون ما سيحدث في مصر الكبرى؛ مصر نوابغ القرن الأخير، مصر محمد عبده والسيد جمال، مصر سعد زغلول وأحمد شوقي، مصر عبد الناصر والشيخ حسن البنا، مصر عام 1967 و1973”.
جمع في مشهد واحد مصلحين دينيين، وزعيماً وطنياً، وشاعراً حمل الوجدان المصري والعربي، وقائداً للمشروع القومي، ومؤسساً لحركة إسلامية. وجمع بين عام الهزيمة وعام العبور، كأنه يقرأ مصر لا بانتصاراتها وحدها، بل بقدرتها على النهوض من الانكسار وتحويل الهزيمة إلى مقاومة، ثم إلى انتصار.
إنها ليست مصر التي يختزلها خطاب أيديولوجي في تيار واحد، ولا التي تُقاس قيمتها بسياسة نظام حاكم؛ إنها حضارة سياسية وثقافية تتعدّد داخلها المدارس والمشاريع، لكنها تظلّ قادرة على إنتاج أفكار وتحوّلات يتجاوز أثرها حدودها.
ووصف السيد خامنئي مصر بأنها “نموذج فريد” في العالم العربي، مستعيداً ريادتها في مواجهة الاستعمار، وتأميم قناة السويس، ودعم فلسطين، واحتضان تيارات الإصلاح والفكر. وخلص إلى أنها “بهذا العمق الثقافي والديني والسياسي قد احتلّت بحقّ مكان الريادة في العالم العربي”.
وقد لا يتفق المرء مع إدراجه ما كان يجري ضمن مفهوم “الصحوة الإسلامية”؛ فالميدان المصري كان أوسع من أيّ تيار، وتجاورت فيه مطالب الإصلاحيين مع أهداف الثوريين، وحضر المسلم والمسيحي، واليساري والناصري والليبرالي والإسلامي، إلى جانب مواطنين لم يسبق لهم الانتماء إلى حزب أو تنظيم.
لكنه حرص، في الوقت نفسه، على القول إنه لا يمكن توقّع تكرار التجربة الإيرانية في مصر أو تونس، وإنّ لكلّ شعب خصوصيته، وإن ظلّت تجارب الشعوب قادرة على إلهام بعضها بعضاً.
كما خصّ الجيش المصري بإشادة واضحة، مستحضراً تاريخه الوطني في مواجهة العدو الصهيوني، ومكانته بوصفه مؤسسة راسخة تضطلع بحماية البلاد وصون وحدتها في اللحظات الفاصلة.
أبعد من السياسة
لم يكن اختيار العربية لإلقاء ذلك الجزء من الخطبة إجراءً شكليّاً. فقد أتقن السيد خامنئي اللغة العربية، وارتبط منذ شبابه بثقافتها وأدبها، وترجم إلى الفارسية أعمالاً لمفكّرين مصريين، منها أجزاء من “في ظلال القرآن”. لكنّ الأهمّ من إتقانه اللغة هو قدرته على الدخول إلى الوجدان العربي من داخل مفرداته ورموزه.
وتكشف سيرته أنّ علاقته بمصر لم تكن محكومة بانحياز أيديولوجي واحد. فعلى الرغم من صلته المبكرة ببعض الكتابات الإسلامية المصرية، كان شديد التأثّر بجمال عبد الناصر، وتألّم حين بلغه نبأ وفاته؛ إذ ارتبط اسم عبد الناصر في وجدانه، وفي وجدان كثير من الإيرانيين، بعزة العرب وصمودهم ومقاومتهم للمشروع الصهيوني، رغم الخلاف مع بعض سياساته وموقفه من الإسلاميين.
لقد عرف خامنئي خلافات مصر، لكنه رأى ما هو أبعد منها. لم تحجبه صلته بفكر إسلامي مصري عن إدراك مكانة قائد قومي كعبد الناصر، ولم تمنعه القطيعة السياسية بين القاهرة وطهران من معرفة أنّ مصر لا تُختزل في نظام أو سياسة أو مرحلة عابرة.
كان يدرك أنّ مصر حين تنهض لا تنهض وحدها، وحين تتراجع لا يتوقّف أثر تراجعها عند حدودها. ولذلك لم يكن حديثه عن “مصر الكبرى” مجاملة خطابية، بل تعبيراً عن قراءة لموقعها في الجغرافيا والتاريخ، ولدورها في صناعة الوعي العربي ومعادلة الصراع مع المشروع الصهيوني.
قد تتباين المواقف من بعض سياسات السيد خامنئي وأفكاره، غير أنّ ذلك لا يحجب عمق تكوينه الثقافي وتنوّع مصادره، ولا قدرته على قراءة مكانة الأشخاص والأمم بعيداً عن الخصومات العابرة. وقد قرأ مصر بوصفها أمةً أكبر من نظامها، وحضارةً أعمق من أزماتها، وقوةً لا يستقيم ميزان المنطقة في غيابها.
بعد خمسة عشر عاماً، أستعيد هذه الكواليس لا لأدّعي دوراً لم يكن لي، ولا لأمنح خطاباً خارجياً فضلاً في انتفاضة صنعها المصريون، بل لأشهد بأنّ رجلاً في طهران كان يعرف، في لحظة مصيرية شديدة الاضطراب، أنّ أنفاس المنطقة كلّها محبوسة في انتظار ما ستفعله مصر.
رحل السيد علي خامنئي، وبقيت كلماته عن “مصر الكبرى” شاهداً على أنّ مكانة الأمم لا تسقط بتراجع أدوارها، وإن غابت أحياناً عن وعي بعض أبنائها. ويبقى السؤال: هل نقرأ نحن المصريين مكانة بلدنا بالعمق نفسه الذي قرأها به قائد يقف على منبر يبعد آلاف الكيلومترات عن القاهرة؟ أم نحتاج، في كلّ مرة، إلى صوت يأتي من بعيد ليذكّرنا بأنّ مصر، حين ترتفع رايتها، يتغيّر معها وجه المنطقة؟
أقرأ المزيد


