حين تتقاطع لغة الردع الإيرانية مع التهديدات الأميركية، يصبح السؤال الأخطر ليس كيف تبدأ الحرب، بل كيف يمكن إيقافها قبل أن تتجاوز حدود السيطرة.
لم يعد التصعيد بين واشنطن وطهران مجرد تبادل للتهديدات السياسية أو استعراض للقوة العسكرية. فالمنطقة تقف أمام معادلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها حسابات الردع مع أمن “إسرائيل”، ومصالح الولايات المتحدة، وأمن دول الخليج، ومستقبل الملاحة في مضيق هرمز، فضلًا عن توازنات القوى الدولية. وفي هذا السياق، جاء التصريح الأخير لرئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، إبراهيم عزيزي، ليضيف مستوى جديدًا من التهديد إلى مشهد بالغ الخطورة.
فقد أعلن عزيزي، في ٢٤ تشرين الأول ٢٠٢٦، أن أي إجراء يستهدف أمن إيران ومصالحها الوطنية سيجعل إخلاء الأراضي المحتلة من سكانها يستغرق أقل من ساعة، في إشارة إلى “إسرائيل”. ويأتي ذلك بعد تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب في ٢٣ تشرين الأول، تحدث فيها عن احتمال تنفيذ عملية عسكرية أميركية جديدة ضد إيران، في وقت تتزايد فيه التحذيرات الدولية من أن استئناف الضربات قد يوسِّع دائرة الحرب ويضاعف تكاليفها الإقليمية والدولية.
لكن ما الذي تعنيه هذه الرسائل عمليًا؟ وهل نحن أمام تهديد يراد به منع الحرب، أم أمام تمهيد لمرحلة أكثر اتساعًا منها؟
أولًا: ماذا تعني مهلة الساعة في الحسابات العسكرية الإيرانية؟
ينبغي التعامل مع تصريح عزيزي بوصفه إعلانًا حرفيًا عن قدرة مؤكدة على إخلاء “إسرائيل” خلال ستين دقيقة، واعتباره رسالة ردع سياسية وعسكرية موجهة إلى “إسرائيل” والولايات المتحدة معًا.
فالمعنى الأساسي للتهديد هو أن أي هجوم جديد على إيران لن يبقى، وفق الرسالة الإيرانية، محصورًا في الأراضي الإيرانية، وأن “إسرائيل” قد تتحول إلى ساحة رئيسية للرد، بما يفرض على الجبهة الداخلية “الإسرائيلية” تحمُّل كلفة مباشرة وسريعة.
وتكمن أهمية التصريح في أنه يربط بين أمن إيران وأمن “إسرائيل” ربطًا صريحًا: أي إن طهران تريد إفهام خصومها أن الضربة التي تستهدف منشآتها العسكرية أو النووية أو مراكز قيادتها لن تكون عملية محدودة النتائج، بل قد تفتح مواجهة تتجاوز حدود العملية الأميركية الأولى.
عسكريًا، يجب التمييز بين ثلاثة أمور: قدرة إيران على إطلاق موجات من الصواريخ والطائرات المسيرة، وقدرتها على إحداث أضرار مؤثرة في العمق “الإسرائيلي”، وقدرتها على تحقيق هدف شامل مثل إخلاء الأراضي المحتلة خلال ساعة.
فإن الرسالة لا تفقد أهميتها بسبب هذا التمييز. فحتى من دون تحقيق الإخلاء الكامل، يمكن لهجمات مكثفة أن تدفع السكان إلى الملاجئ، وتربك حركة الطيران والمواصلات، وتضغط على منظومات الدفاع الجوي، وتفرض استنفارًا اقتصاديًا وأمنيًا واسعًا.
إن القيمة الردعية للتهديد لا تتوقف على تنفيذه حرفيًا، بل على مقدار الخطر الذي يعتقد الخصم أنه قد يتحقق إذا قرر اختبار الإرادة الإيرانية.
ثانيًا: هل ينفذ ترامب تهديداته العسكرية؟
الاحتمال قائم، ولا يجوز استبعاده، لكنه لا يصبح حتميًا لمجرد تكرار التهديدات.
فترامب يستخدم الضغط العسكري والاقتصادي والسياسي ضمن سياسة تقوم على إبقاء الخصم أمام احتمال التصعيد، ودفعه إلى تقديم تنازلات قبل الوصول إلى مواجهة أشمل. غير أن هذه السياسة تنطوي على مفارقة: كلما ارتفع سقف التهديد، ازدادت الحاجة إلى إظهار المصداقية، وأصبح التراجع من دون مقابل أكثر كلفة على صورة الإدارة الأميركية.
في ٢٣ تشرين الأول، تحدث ترامب عن إمكانية تنفيذ عملية عسكرية جديدة ضد إيران. وفي اليوم نفسه، حذَّر وزراء خارجية ثماني دول أوروبية وإقليمية، اجتمعوا في إسطنبول، من أن تجدد الهجمات لن يحل الأزمة، بل سيؤدي إلى توسيعها ورفع تكاليف الطاقة. كما أشار المبعوث الأميركي توم براك إلى أن توجيه ضربة جديدة يظل خيارًا مطروحًا.
هذه التطورات تعني أن التهديد العسكري ليس مجرد احتمال نظري، لكنها لا تثبت أن قرارًا نهائيًا اتُّخذ، أو أن موعد الهجوم وأهدافه قد حُدّدا.
وتتوقف حسابات واشنطن على مجموعة من العوامل:
أولها، تقدير الإدارة الأميركية لما إذا كانت ضربة جديدة تستطيع تحقيق أهداف محددة، مثل إضعاف القدرات الصاروخية الإيرانية أو استهداف منشآت عسكرية، أم أنها ستؤدي إلى رد واسع يبدد مكاسب العملية الأولى.
وثانيها، قدرة الولايات المتحدة على حماية قواعدها وقواتها وسفنها في المنطقة من الرد الإيراني، في ظل اتساع مسرح العمليات واحتمال استهداف البنية اللوجستية التي تعتمد عليها القوات الأميركية والنقص الحاصل في صواريخ منظومات الدفاع الجوي لدى أميركا وحلفائها في المنطقة.
وثالثها، الموقف “الإسرائيلي”. فـ”إسرائيل” قد ترى في إضعاف القدرات الإيرانية فرصة لتغيير ميزان القوى، لكنها ستواجه في المقابل تعرُّض جبهتها الداخلية لهجمات متكررة مدمرة، واستنزاف مخزونها الدفاعي، واضطراب اقتصادها.
أما العامل الرابع، فيتمثل في الكلفة السياسية والاقتصادية داخل الولايات المتحدة، ولا سيما مع ارتفاع أسعار الطاقة واقتراب الانتخابات النصفية في الثالث من تشرين الثاني ٢٠٢٦.
ومن هنا، فإن السؤال ليس ما إذا كان ترامب قادرًا على إصدار أمر بالهجوم، فهذا قرار تملكه السلطة الأميركية ضمن منظومتها الدستورية والعسكرية. السؤال هو ما إذا كانت الإدارة تستطيع التحكم في نتائج الهجوم بعد إطلاقه، وضمان ألا يتحول إلى حرب طويلة تتجاوز أهدافها المعلنة.
ثالثًا: كيف يمكن أن يكون الرد الإيراني؟
إذا تعرضت إيران لضربة أميركية جديدة، فمن المرجح أن تواجه قيادتها معضلة مزدوجة: ضرورة الرد بما يحفظ الردع ويمنع تكرار الهجمات، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة تستنزف قدراتها وتعرض بنيتها التحتية لمزيد من الدمار.
ولا يمكن الجزم مسبقًا بشكل الرد أو حجمه، لكن يمكن تصور عدة مسارات غير متعارضة.
المسار الأول: الرد المباشر على “إسرائيل”
قد يشمل إطلاق صواريخ باليستية وصواريخ أخرى وطائرات مسيرة، ضمن موجات تهدف إلى إرباك الدفاعات الجوية وإلحاق أضرار بأهداف عسكرية أو بنى استراتيجية. وقد تسعى إيران إلى إظهار أنها لا تزال قادرة على الرد رغم الضربات التي تتعرض لها.
وفي هذه الحالة، لن تكون النتيجة مرتبطة بعدد الصواريخ التي تصل إلى أهدافها فحسب، بل أيضًا بمدى استمرار الهجمات، وحجم الأضرار، وتأثيرها في الحياة اليومية والاقتصاد “الإسرائيلي”، وقدرة منظومات الاعتراض على العمل تحت ضغط متواصل.
المسار الثاني: استهداف الوجود العسكري الأميركي في المنطقة
قد ترى طهران أن الاقتصار على ضرب “إسرائيل” لا يكفي إذا كانت الولايات المتحدة هي التي بادرت بالهجوم. وعندئذ قد يصبح الوجود العسكري الأميركي في المنطقة جزءًا من معادلة الرد، بما في ذلك القواعد والمنشآت اللوجستية والأصول البحرية التي تستخدمها القوات الأميركية في كل المنطقة التي من الممكن أن تتوسع إلى قواعد أميركية خارج المنطقة أيضًا.
وهنا تكمن إحدى أخطر حلقات التصعيد: فالهجوم على قاعدة أميركية قد يؤدي إلى سقوط قتلى أميركيين، الأمر الذي يخلق ضغطًا داخليًا على البيت الأبيض للرد بصورة أوسع، فترد إيران مجددًا، وتتسع دائرة المواجهة.
المسار الثالث: توسيع الضغط الاقتصادي والبحري.
يمثل مضيق هرمز أحد أهم عناصر الضغط الاستراتيجي الإيراني. فأي اضطراب كبير في الملاحة عبره يمكن أن يؤثر في صادرات الطاقة وأسعار النفط والغاز وتكاليف النقل والتأمين، وأن ينعكس على الاقتصادات الأوروبية والآسيوية، لا على دول الخليج وحدها والذي يمكن أن يشمل باب المندب أيضًا وقطع كابلات الإنترنت تحت الماء.
لكن هذا الخيار ليس بلا كلفة على إيران نفسها، التي تعتمد بدورها على حركة التجارة والطاقة. كما أن تهديد الملاحة قد يدفع دولًا كانت تفضِّل الحياد إلى الانخراط في عمليات حماية السفن أو تأمين الممرات البحرية.
لذلك، فإن استخدام هذا العامل لا يعني بالضرورة إغلاق المضيقين بصورة كاملة، بل قد يأخذ أشكالًا متعددة من الضغط والتهديد والاحتكاك البحري، تتفاوت في نتائجها ومخاطرها.
المسار الرابع: توسيع الجبهات الإقليمية
قد تتداخل المواجهة مع ساحات أخرى إذا قررت أطراف إقليمية متحالفة مع إيران التدخل، أو إذا تعرضت هذه الأطراف لهجمات مباشرة. لكن حجم هذا التدخل وتوقيته وطبيعته لا يمكن افتراضها مسبقًا، فلكل طرف حساباته المحلية والسياسية والعسكرية.
والنتيجة الأهم أن الرد الإيراني قد لا يكون ضربة واحدة تنتهي بعدها المواجهة، بل سلسلة من العمليات والردود المتبادلة، يصعب التنبؤ بنقطة توقفها.
رابعًا: من الحرب الأميركية ـ الإيرانية إلى الحرب الإقليمية
إن أخطر ما في أي مواجهة جديدة هو احتمال اتساعها جغرافيًا، لا مجرد ارتفاع كثافة الضربات.
ففي الحرب المحدودة، يحاول كل طرف إبقاء الأهداف والوسائل ضمن سقف يمكن احتواؤه. أما الحرب الإقليمية، فتبدأ عندما تؤدي الضربات والردود إلى إدخال أطراف جديدة، أو استهداف أراضي دول لم تكن راغبة في المشاركة، أو تعطيل ممرات حيوية، أو تحويل القواعد العسكرية إلى أهداف متبادلة.
وفي هذه الحالة، يمكن رسم خريطة للمخاطر المحتملة:
“إسرائيل”: ستكون في قلب المواجهة المباشرة، مع تعرض العمق “الإسرائيلي” لهجمات متكررة بشكل مؤكد، وتوسُّع الأضرار الاقتصادية والأمنية.
دول الخليج: ستواجه معادلة صعبة بين استضافة الوجود العسكري الأميركي وحماية أراضيها ومنشآتها الحيوية من الردود المحتملة. ولا يعني ذلك أن هذه الدول ستشارك تلقائيًا في الحرب، فقد تسعى إلى منع استخدام أراضيها أو أجوائها في عمليات هجومية، مع تعزيز دفاعاتها وحماية منشآتها، هذا إذا التزمت أميركا بذلك.
العراق: قد يتعرض لضغوط متزايدة نتيجة وجود القوات الأميركية على أراضيه، وتداخل المصالح الأمنية المحلية والإقليمية. وقد يجد نفسه أمام خطر انتقال المواجهة إلى أراضيه حتى إذا حاولت حكومته تجنب الانخراط المباشر.
لبنان: يبقى احتمال اتساع المواجهة إلى الجبهة اللبنانية من أبرز مصادر القلق، خصوصًا إذا تزامن الهجوم على إيران مع تصعيد “إسرائيلي” ضد لبنان. لكن هذا المسار ليس نتيجة حتمية، إذ يتوقف على طبيعة الهجوم الإيراني، والقرار “الإسرائيلي”، وحسابات الأطراف اللبنانية، والجهود الدبلوماسية الرامية إلى منع توسع الحرب.
اليمن والبحر الأحمر: يمكن أن تصبح الملاحة والتجارة البحرية أكثر عرضة للاضطراب إذا اتسعت المواجهة أو دخلت أطراف جديدة فيها. وقد يؤدي ذلك إلى زيادة الضغوط الدولية لتأمين الممرات البحرية، وإلى توسيع الانتشار العسكري البحري.
ولا تعني هذه الاحتمالات أن جميع الساحات ستشتعل في وقت واحد، بل إن الخطر يكمن في ترابطها: فالتصعيد في ساحة واحدة قد يستدعي ردًا في أخرى، ثم يفرض على الأطراف المتضررة خيارات لم تكن تريدها في البداية.
وهكذا قد تتحول الحرب من مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى شبكة من الصراعات المتزامنة، لكل منها أسبابها المباشرة، لكنها تتأثر جميعًا بالمواجهة الأصلية.
خامسًا: هل تدخل دول جديدة الحرب؟
إن اتساع الحرب لا يعني بالضرورة تشكُّل تحالفات قتالية متماسكة تضم جميع الدول التي تربطها علاقات أمنية بالولايات المتحدة. فهناك فرق جوهري بين تقديم الدعم اللوجستي، والسماح باستخدام القواعد والأجواء، والمشاركة في اعتراض الصواريخ، وإرسال قوات إلى العمليات الهجومية.
قد تختار بعض الدول تقديم دعم دفاعي أو استخباراتي لواشنطن، فيما ترفض المشاركة في ضرب إيران. وقد تسمح دول أخرى باستخدام منشآت معينة لأغراض الحماية والإمداد، لكنها تمنع استخدامها في عمليات هجومية. وقد تختار دول إقليمية الوساطة، أو حماية الملاحة، أو تعزيز دفاعاتها الجوية من دون الانضمام إلى الحرب.
وهذا التباين ليس تفصيلًا ثانويًا، بل قد يصبح أحد العوامل المحددة لمسار المواجهة.
فكلما ازداد عدد الدول التي تشارك في حماية القوات الأميركية أو “إسرائيل”، ازدادت قدرة هذه الأطراف على تقاسم الأعباء العسكرية، لكن ازدادت أيضًا احتمالات تعرضها للاستهداف أو التورط في ردود متبادلة.
وفي المقابل، قد يؤدي رفض بعض الدول توفير قواعدها أو أجوائها إلى تقييد خيارات واشنطن العملياتية، وزيادة الاعتماد على منشآت بعيدة أو خطوط إمداد أطول، مع ما يرافق ذلك من أعباء إضافية.
ومن المهم هنا ألا نخلط بين التضامن السياسي مع طرف ما وبين الالتزام بخوض الحرب إلى جانبه. فالدول لا تتخذ قراراتها على أساس التحالفات المعلنة وحدها، بل وفق تقديراتها للمصالح والمخاطر الداخلية والإقليمية.
سادسًا: حلف الناتو أمام اختبار الانقسام
يمثل حلف شمال الأطلسي أحد أكثر الملفات حساسية في أي تصعيد أميركي ـ إيراني جديد. لكن فهم دوره يتطلب التمييز بين الحلف بوصفه منظومة دفاع جماعي، وبين الدول الأعضاء التي قد تتخذ قرارات وطنية منفصلة بشأن الحرب.
فالمادة الخامسة من معاهدة واشنطن تتعلق بالدفاع الجماعي عندما يتعرض أحد الأعضاء لهجوم مسلح، ولا تعني أن أي عملية عسكرية تنفذها الولايات المتحدة خارج أراضي الحلف تُلزم بقية الأعضاء بالمشاركة فيها.
كما أن الناتو ليس طرفًا تلقائيًا في أي حرب تختار واشنطن خوضها. وقد أظهرت المواجهة مع إيران خلال عام ٢٠٢٦ تباينات بين الإدارة الأميركية وبعض حلفائها الأوروبيين بشأن حدود الدعم المطلوب، واستخدام القواعد، والمشاركة في تأمين الملاحة.
وتشير تقارير سابقة إلى أن الخلافات بين ترامب وعدد من الحلفاء بشأن الحرب أدت إلى توترات داخل العلاقة عبر الأطلسي، في وقت بقي فيه الحلف، بوصفه مؤسسة، خارج الحرب المباشرة.
لكن ماذا لو استهدفت إيران منشأة عسكرية أميركية داخل دولة أوروبية، أو امتد التهديد إلى قواعد تستخدمها القوات الأميركية في دول أعضاء في الناتو؟
ستكون الإجابة مرتبطة بطبيعة الهجوم ومكانه، وبما إذا كان قد استهدف قوات أو أراضي دولة عضو، وبالتقدير السياسي والقانوني للحادثة. ولا يؤدي استهداف منشأة أميركية خارج أراضي دولة عضو، بحد ذاته، إلى تفعيل المادة الخامسة تلقائيًا. أما الهجوم المسلح على دولة عضو، فيمكن أن يفتح باب المشاورات واتخاذ إجراءات جماعية وفق المعاهدة وقرارات الحلفاء.
وقد تكون الاستجابة دفاعية، مثل تعزيز الدفاع الجوي والصاروخي، وحماية البنية التحتية، ورفع الجاهزية، بدلًا من الانضمام إلى حملة هجومية ضد إيران.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الناتو سيدخل الحرب بصورة موحدة، بل ما إذا كانت الدول الأعضاء ستتفق على تعريف التهديد، وعلى نوع الاستجابة المطلوبة، وعلى حدودها الجغرافية والعسكرية.
سابعًا: المظاهرات والضغوط الشعبية في العواصم الغربية
لا يمكن فصل الحسابات العسكرية عن البيئة السياسية الداخلية في الدول الغربية. فالحكومات التي تواجه احتجاجات واسعة، وضغوطًا اقتصادية، وارتفاعًا في تكاليف الطاقة والمعيشة نتيجة أزمة مضيق هرمز، قد تجد صعوبة أكبر في تبرير حرب طويلة لا تظهر لها نهاية واضحة.
وقد شهدت دول أوروبية عدة احتجاجات واضطرابات مرتبطة بأوضاع اقتصادية واجتماعية وسياسية مختلفة. لكن من الضروري عدم افتراض أن جميع هذه الاحتجاجات موجهة ضد الحرب، أو أنها تحمل الموقف نفسه من الولايات المتحدة وإيران، فلكل حركة مطالبها وسياقها الخاص والتي تصب بمعظمها بغلاء المعيشة الناتج عن أزمة الطاقة التي بدورها نتجت عن إغلاق مضيق هرمز.
ومع ذلك، فإن أي حرب جديدة قد تزيد الضغط على الحكومات الأوروبية عبر ثلاثة مسارات.
أولًا، ارتفاع أسعار الطاقة والنقل والتأمين، وما يترتب عليه من زيادة تكاليف المعيشة والإنتاج.
ثانيًا، اتساع الانقسام السياسي بين من يدعو إلى دعم واشنطن، ومن يرى أن المشاركة في الحرب قد تعرض المصالح الأوروبية للخطر من دون أن تمنح أوروبا قدرة فعلية على التأثير في قرار التصعيد.
ثالثًا، تراجع الاستعداد الشعبي لتحمل أعباء مالية وعسكرية إضافية، في وقت تواجه فيه الحكومات مطالب داخلية تتعلق بالخدمات العامة والأمن والاقتصاد.
وقد لا تؤدي هذه الضغوط إلى منع أي مشاركة عسكرية، لكنها يمكن أن تدفع الحكومات إلى وضع شروط أكثر صرامة على استخدام قواعدها، أو رفض الانخراط في عمليات هجومية، أو المطالبة بتفويض سياسي وقانوني أوضح.
وفي المقابل، إذا تعرضت دولة أوروبية أو قواتها لهجوم مباشر، فقد يتغير النقاش الداخلي، ويزداد التأييد لإجراءات دفاعية. لذلك، فإن المظاهرات ليست عاملًا باتجاه واحد، إذ يمكنها أن تحد من المشاركة في الحرب، لكنها لا تمنع بالضرورة استجابة دفاعية إذا شعر الرأي العام بأن بلاده أصبحت مستهدفة.
وهنا تظهر مفارقة مهمة: قد ترغب واشنطن في توسيع الدعم الدولي لعملياتها، بينما تسعى عواصم أوروبية إلى منع انزلاق المنطقة إلى حرب أوسع، خشية انعكاساتها الأمنية والاقتصادية والسياسية.
ثامنًا: كيف ستتغير التحالفات إذا اتسعت الحرب؟
لا يبدو أن المشهد الدولي سيتحول بالضرورة إلى معسكرين متجانسين، أحدهما مع إيران والآخر مع الولايات المتحدة. الأرجح أن تتشكل ترتيبات متفاوتة، تتقاطع فيها المصالح في ملف وتختلف في ملف آخر.
فقد تتعاون دول أوروبية مع واشنطن في حماية الملاحة أو الدفاع الجوي، لكنها ترفض المشاركة في قصف الأراضي الإيرانية. وقد تحافظ دول الخليج على علاقاتها الأمنية بالولايات المتحدة، مع تكثيف اتصالاتها بطهران لمنع استهداف أراضيها. وقد تعمل تركيا، بحكم موقعها وعلاقاتها المتعددة، على احتواء التصعيد، مع إعطاء الأولوية لأمنها القومي ومصالحها الإقليمية.
أما روسيا والصين، فقد تستفيدان سياسيًا من تراجع الثقة بين واشنطن وبعض حلفائها، وتعملان على تعزيز علاقاتهما الاقتصادية والدبلوماسية مع الدول التي تبحث عن تنويع شراكاتها. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنهما ستدخلان الحرب عسكريًا إلى جانب إيران، فالدعم السياسي أو الاقتصادي لا يساوي التزامًا مباشرًا بالمواجهة.
وفي هذا السياق، قد يكون التغيير الأعمق هو انتقال عدد من الدول من الاعتماد شبه الكامل على مظلة أمنية واحدة إلى سياسة تنويع الشراكات، والبحث عن ترتيبات إقليمية تقلل احتمالات التعرض للضربات أو استخدام أراضيها في صراعات الآخرين.
ومن شأن استمرار الحرب أن يعزز النقاش حول أمن إقليمي تشارك فيه دول المنطقة، بدلًا من بقاء الاستقرار رهنًا بالتوازن بين القوة الأميركية والإيرانية وحدهما. لكن بناء مثل هذه المنظومة يحتاج إلى تفاهمات بشأن السيادة، وعدم الاعتداء، وأمن الملاحة، والصواريخ، والتدخلات الإقليمية، وهي قضايا لا يمكن حلها بمجرد إعلان النوايا.
تاسعًا: ثلاثة سيناريوهات لمآلات المواجهة
يمكن تلخيص المسارات المحتملة في ثلاثة سيناريوهات رئيسية، من دون افتراض أن أحدها حتمي.
السيناريو الأول: الردع المتبادل والعودة إلى التفاوض
قد تدفع مخاطر التصعيد الطرفين إلى تجنب هجوم واسع، أو إلى وقف الضربات بعد مواجهة محدودة، ثم العودة إلى وساطات إقليمية ودولية. ويحتاج هذا المسار إلى ضمانات أو تفاهمات تتيح لكل طرف الادعاء أنه حقق قدرًا من أهدافه، من دون أن يضطر إلى مواصلة الحرب.
السيناريو الثاني: حرب استنزاف طويلة.
قد تتبادل الأطراف الضربات بصورة متقطعة، مع استهداف القدرات العسكرية والبنية اللوجستية، واستمرار الضغط الاقتصادي والعقوبات والتهديدات البحرية. وفي هذا السيناريو، لا يحقق أي طرف نصرًا حاسمًا بالضرورة، لكن الجميع يتحمل تكاليف متزايدة، وتتسع الضغوط الداخلية على الحكومات.
السيناريو الثالث: الانفجار الإقليمي
قد تبدأ هذه المرحلة بضربة كبيرة توقع خسائر بشرية واسعة، أو باستهداف منشأة حيوية، أو بهجوم يقتل عددًا من الجنود الأميركيين، ثم تتوالى الردود لتشمل “إسرائيل” وقواعد أميركية ودولًا إقليمية وممرات بحرية. وقد تجد أطراف كانت تسعى إلى الحياد نفسها مضطرة إلى اتخاذ إجراءات دفاعية أو السماح باستخدام منشآتها العسكرية.
ويمثل هذا السيناريو الأخطر، ليس لأن اتساع الحرب مضمون، بل لأن تعدد الأطراف وتداخل أهدافها يجعل التحكم في التصعيد أكثر صعوبة. فقد يستطيع طرف بدء المواجهة، لكنه لا يستطيع ضمان أن يتوقف خصومه عند المستوى الذي يريده.
من يضغط على الزناد لا يملك وحده قرار نهاية الحرب
إن تصريح إبراهيم عزيزي عن إخلاء الأراضي المحتلة خلال أقل من ساعة، في حال استهداف أمن إيران ومصالحها، يعكس محاولة لرفع كلفة أي هجوم جديد، وإفهام واشنطن و”تل أبيب” أن الرد لن يكون بالضرورة محدودًا أو متناسبًا مع الضربة الأولى وفق حساباتهما.
لكن الردع لا ينجح بمجرد إطلاق التهديدات، كما أن القوة العسكرية لا تضمن تحقيق الأهداف السياسية. فالاختبار الحقيقي يكمن في قدرة الأطراف على إقناع خصومها بأن كلفة الحرب أعلى من مكاسبها، من دون دفعهم إلى الاعتقاد بأن الضربة الاستباقية أصبحت خيارهم الوحيد.
أما ترامب، فيواجه معادلة تتجاوز قرار شن عملية عسكرية جديدة: كيف يحقق أهدافه من دون أن يفتح حربًا إقليمية طويلة؟ وكيف يحافظ على دعم حلفائه إذا اختلفوا معه في شرعية العملية أو جدواها؟ وكيف يتعامل مع رد إيراني قد يمتد إلى “إسرائيل” والقواعد الأميركية والملاحة الدولية؟
وتواجه إيران بدورها معادلة لا تقل صعوبة: كيف تجعل تهديداتها قابلة للتصديق من دون أن تدفع خصومها إلى توسيع الحرب؟ وكيف ترد على أي هجوم مع تقليل احتمال تحول المواجهة إلى استنزاف مفتوح يطال اقتصادها وبنيتها التحتية وأمنها الإقليمي؟
وفي أوروبا، قد تؤثر الاحتجاجات والضغوط الاقتصادية في استعداد الحكومات للمشاركة، لكنها لن تحسم وحدها موقف الناتو أو الدول الأعضاء، فذلك سيتوقف على طبيعة الهجوم، وحدود الالتزامات الدفاعية، وتوازن المصالح والمخاطر.
إن المنطقة تقف أمام لحظة قد تتجاوز فيها الحرب حدودها التقليدية، لا لأن جميع الأطراف تريد حربًا شاملة، بل لأن كل طرف قد يعتقد أن عليه توسيع الرد كي يمنع خصمه من تكرار الهجوم. وهنا تكمن المفارقة الاستراتيجية الكبرى: قد تبدأ الحرب بهدف استعادة الردع، ثم تتحول إلى مواجهة تقوض أمن الجميع.
فالسؤال الذي ينبغي أن يشغل العواصم المعنية ليس فقط ما إذا كان ترامب سينفذ تهديده، أو كيف سترد إيران، بل ما إذا كان أي طرف يمتلك ضمانة حقيقية بأن الرد التالي سيكون الأخير.