کتاب المحجة البيضاء 12

لتعلّم علم الأحكام إلّا ما لا بدّ منه، و عالم بأمر اللّه غير عالم باللّه فهو الّذي عرف الحلال و الحرام و دقائق الأحكام لكنّه لا يعرف أسرار جلال اللّه تعالى، و عالم باللّه و بأمر اللّه فهو جالس على الحدّ المشترك بين عالم المعقولات، و عالم المحسوسات، فهو تارة مع اللّه بالحبّ له، و تارة مع الخلق بالشفقة و الرحمة، فإذا رجع من ربّه إلى الخلق صار معهم كواحد منهم كأنّه لا يعرف اللّه تعالى، و إذا خلا بربّه مشتغلا بذكره و خدمته فكأنّه لا يعرف الخلق، فهذا سبيل المرسلين و الصدّيقين، و هو المراد بقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «سائل العلماء، و خالط الحكماء، و جالس الكبراء».

فالمراد بقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «سائل العلماء» العلماء بأمر اللّه غير العالمين باللّه، فأمر بمساءلتهم عند الحاجة إلى الاستفتاء، و أمّا الحكماء فهم العالمون باللّه الّذين لا يعلمون أوامر اللّه فأمر بمخالطتهم، و أمّا الكبراء فهم العالمون بهما [1]، فأمر بمجالستهم لأنّ في مجالستهم خير الدنيا و الآخرة.

و لكلّ واحد من الثلاثة ثلاث علامات فللعالم بأمر اللّه الذّكر باللّسان دون القلب، و الخوف من الخلق دون الربّ، و الاستحياء من الناس في الظاهر، و لا يستحيي من اللّه تعالى في السرّ، و العالم باللّه تعالى ذاكر خائف مستحي، أمّا الذكر فذكر القلب لا اللّسان، و الخوف خوف الرّجاء لا المعصية، و الحياء حياء ما يخطر على القلب لاحياء الظاهر، و العالم باللّه و بأمره له ستّة أشياء الثلاثة المذكورة للعالم باللّه فقط مع ثلاثة أخرى:

كونه جالسا على الحدّ المشترك بين عالم الغيب و عالم الشهادة، و كونه معلّما للقسمين، و كونه بحيث يحتاج الفريقان الأوّلان إليه و هو مستغن عنهما، فمثل العالم باللّه و بأمر اللّه تعالى كمثل الشمس لا تزيد و لا تنقص، و مثل العالم باللّه تعالى فقط كمثل القمر يكمل تارة و ينقص أخرى، و مثل العالم بأمر اللّه كمثل السراج يحرق نفسه و يضي‌ء لغيره.

(فصل) [الشواهد العقلية التي ذكرها أبو حامد في فضل العلم‌]

قال أبو حامد- رحمه اللّه-: «و أمّا الشواهد العقليّة: اعلم أنّ المقصود من هذا الباب معرفة فضيلة العلم و نفاسته و ما لم تفهم الفضيلة في نفسها و لم يتحقّق المراد منها لم يمكن‌

[1] اى باللّه و بأحكامه.
أن يعلم وجودها صفة للعلم أو لغيره من الخصال، و لقد ضلّ عن الطريق من طمع أن يعرف أنّ زيدا حكيم أم لا، و هو بعد لم يفهم معنى الحكمة و حقيقتها، فالفضيلة مأخوذة من الفضل و هو الزيادة فإذا تشارك شيئان في أمر و اختصّ أحدهما بمزيد يقال: فضله و له الفضل عليه مهما كانت زيادته فيما هو كمال ذلك الشي‌ء كما يقال: الفرس أفضل من الحمار بمعنى أنّه يشاركه في قوّة الحمل و يزيد عليه بقوّة الكرّ و الفرّ و شدّة العدو و حسن الصورة، فلو فرض حمار اختصّ بسلعة زائدة[1]لم نقل: إنّه أفضل من الفرس لأنّ تلك زيادة في الجسم و نقصان في المعنى، و ليس من الكمال في شي‌ء و الحيوان مطلوب لمعناه و صفاته لا بجسمه، و إذا فهمت هذا لم يخف عليك أنّ للعلم فضيلة في ذاته، إن أخذته بالإضافة إلى سائر الأوصاف كما أنّ للفرس فضيلة إن أخذته بالإضافة إلى سائر الحيوانات، بل شدّة العدو فضيلة في الفرس و ليست فضيلة على الإطلاق، و العلم فضيلة في ذاته و على الإطلاق من غير إضافة، فإنّه وصف كمال اللّه سبحانه و به شرّف الملائكة و الأنبياء، بل الكيّس من الفرس خير من البليد فهي فضيلة على الإطلاق من غير إضافة.

و اعلم أنّ الشي‌ء النفيس المرغوب فيه ينقسم إلى ما يطلب لذاته، و إلى ما يطلب لغيره، و إلى ما يطلب لذاته و لغيره، و ما يطلب لذاته أشرف و أفضل ممّا يطلب لغيره، و ما يطلب لذاته و لغيره أشرف ممّا يطلب لذاته فحسب، و المطلوب لغيره كالدراهم و الدنانير فإنّهما حجران لا منفعة فيهما و لو لا أنّ اللّه عزّ و جلّ يسّر قضاء الحاجات بهما لكانا و الحصى بمنزلة واحدة، و أمّا الّذي يطلب لذاته فالسعادة في الآخرة، و الّذي يطلب لذاته و لغيره فكسلامة البدن فإنّ سلامة الرجل مثلا مطلوبة من حيث إنّه سلامة عن الألم، و مطلوبة للمشي بها، و التوصّل إلى المآرب و الحاجات، و بهذا الاعتبار إذا نظرت إلى العلم رأيته لذيذا في نفسه فيكون مطلوبا لذاته و وجدته وسيلة إلى دار الآخرة و سعادتها، و ذريعة إلى القرب من اللّه تعالى، و لا يتوصّل إليه إلّا به، و أعظم الأشياء رتبة في حقّ الآدميّ السعادة الأبديّة، و أفضل الأشياء ما هو وسيلة إليها، و لا يتوصّل إليها إلّا بالعلم و العمل، و لا يتوصّل إلى العمل أيضا إلّا بالعلم‌

[1] السلعة- بالكسر- خراج في البدن كالغدة أو زيادة فيه.
بكيفيّة العمل، فأصل السعادة في الدنيا و الآخرة هو العلم فهو إذن أفضل الأعمال و كيف لا؟ و قد تعرف فضيلة الشي‌ء بشرف ثمرته، و قد عرفت أنّ ثمرة العلم القرب من ربّ العالمين، و الالتحاق بأفق الملائكة و مقارنة الملإ الأعلى، هذا في الآخرة، و أمّا في الدّنيا فالعزّ و الوقار، و نفوذ الحكم على الملوك، و لزوم الاحترام في الطباع حتّى أنّ أغبياء الترك[1]و أجلاف العرب يصادفون طباعهم مجبولة على التوقير لشيوخهم لاختصاصهم بمزيّة علم مستفاد من التجربة، بل البهيمة بطبعها توقّر الإنسان بشعورها بتمييز الإنسان بكمال مجاوز لدرجتها، هذه فضيلة العلم مطلقا.

ثمّ تختلف العلوم كما سيأتي بيانه و تتفاوت لا محالة فضائلها بتفاوتها أمّا فضيلة التعليم و التعلّم فظاهرة ممّا ذكرناه، فإنّ العلم إذا كان أفضل الأمور كان تعلّمه طلبا للأفضل و كان تعليمه إفادة للأفضل، و بيانه أنّ مقاصد الخلق مجموعة في الدّين و الدّنيا و لا نظام للدّين إلّا بنظام الدنيا فإنّ الدنيا مزرعة الآخرة و هي الآلة الموصلة إلى اللّه عزّ و جلّ لمن اتّخذها آلة، و منزلا لا لمن اتّخذها مستقرّا و وطنا، و ليس ينتظم أمر الدّنيا إلّا بأعمال الآدميّين، و أعمالهم و حرفهم و صناعاتهم تنحصر في ثلاثة أقسام:

أحدها أصول لا قوام للعالم دونها، و هي أربعة: الزراعة و هي للمطعم، و الحياكة و هي للملبس، و البناء و هي للمسكن، و السياسة و هي للتأليف و الاجتماع و التعاون على أسباب المعيشة و ضبطها.

الثاني ما هي مهيّئة لهذه الصناعات و خادمة لها كالحدادة فإنّها تخدم الزراعة و جملة من الصناعات باعداد آلاتها و كالحلاجة و الغزل فإنّها تخدم الحياكة باعداد محلّها.

الثالث ما هو متمّمة للاصول و مزيّنة لها كالطحن و الخبز للزراعة و كالقصارة و الخياطة للحياكة و ذلك بالإضافة إلى قوام أمر العالم الأرضي مثل أجزاء الشخص بالإضافة إليه فإنّها ثلاثة أضرب: إمّا أصول كالقلب و الكبد و الدماغ، و إمّا خادمة لها كالمعدة و العروق و الشرائين و الأعصاب و الأوردة، و إمّا مكمّلة لها و مزيّنة كالأظفار و الأصابع و الحاجبين، و أشرف هذه الصناعات أصولها، و أشرف أصولها

[1] الغبي: القليل الفطنة، الجاهل.

شاهد أيضاً

الإقبال بالأعمال الحسنة – من فوائد شهر رمضان‌

و وجدت تصنيفا للشيخ محمد بن علي الكراجكي يقتضي انّه قد كان في أول أمره …