الرئيسية / اخبار اسلامية / شرح رسالة الحقوق للإمام علي بن الحسين زين العابدين3
9bfe09cb-7342-488f-b9b9-33b2e3dc1a6e

شرح رسالة الحقوق للإمام علي بن الحسين زين العابدين3

حق الله
قوله عليه السلام : ( فأما حق الله الأكبر عليك ، فأن تعبده لا تشرك
به شيئا ، فإذا فعلت ذلك بإخلاص جعل الله لك على نفسه
أن يكفيك أمر الدنيا والآخرة ، ويحفظ لك ما تحب
منهما ) .

* * *
مبحث طالما أشفقت أن أتحدث عنه ، إن حسي ليفعم بمشاعر ومعاني
لا أجد لها كفاء من العبارات ، ولكن لا بد من تقريب المشاعر والمعاني
بالعبارات .

هذه الظاهرة الخالدة التي رسمها الإمام عليه السلام ووضع خطوطها ، ظاهرة
نجد فيها لمسات وجدانية متتابعة ، تنتهي كلها إلى هدف واحد : إشعار النفس
البشرية بتوحيد الله وصدق الرسول ، ويقين اليوم الآخر والقسط في الجزاء .
لمسات تأخذ النفس من أقطارها ، وتأخذ بها إلى أقطار الكون في جولة
واسعة شاملة ، جولة من الأرض إلى السماء ، ومن آفاق الكون إلى آفاق
النفس ، ومن ماضي القرون إلى حاضر البشر ، ومن الدنيا إلى الآخرة . .
إنها حملة من اللمسات العميقة الصادقة ، لا تملك نفس سليمة التلقي ،
صحيحة الاستجابة ، إلا تستجيب لها ، وإلا تتذاوب الحواجز والموانع فيها
تحمل هذه اللمسات من المؤثرات النفسية والعقلية ما لا يحمله أسطول
من مدمرات الشرك والانحراف والفسوق !

وقد استهل الإمام ( روحي فداه ) رسالته بحق الله تعالى إذ هو أعظم
الحقوق وأجلها ، فلذلك يجب أن يؤدى كاملا ، بأن يعبد وحده دون سواه .
يعبد وحده بلا شريك ، لأنه وحده المستحق أن يعبد دون غيره .

ومثل هذه العبادة تهيمن على الشعور والسلوك ، فهي منهج كامل للحياة
يشمل تصور الإنسان لحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية ، ولحقيقة الصلة بين الخلق
والخالق ، ولحقيقة القوى والقيم في الكون وفي حياة الناس . . ومن ثم
ينبثق نظام للحياة البشرية قائم على ذلك التصور ، فيقوم منهج للحياة خاص .
منهج رباني مرجعه إلى حقيقة الصلة بين العبودية والألوهية ، وإلى القيم التي
يقررها الله للأحياء والأشياء .

وفي هذا الخط العريض نرى الإمام عليه السلام يدعو إلى العبادة التي تتخلص
فيها الديانة السماوية على الإطلاق . يدعو إلى العبادة بإخلاص ، فقد تكون
العبادة ولا يكون معها الإخلاص ، وهذا اللون من العبادة غير نافع ، إنما
الإخلاص والعزم والجسد والمثابرة – هذا كله – هو المدار في كل الأعمال
والعبادات وغيرها من الأمور .

ودعوة الإمام هذه إلى العبادة هي نفسها محض الإخلاص ، تبتغي وجه الله
وترجو فضله . وهي في الواقع مستمدة من المنبع المعين الذي لا يغيض ،
مستمدة من القرآن الكريم . فالقرآن تكاد تغلب عليه صبغة الدعوة المخلصة
إلى الله تعالى وعبادته ، والإيمان به وحده دون من عداه .

القرآن يدعو الناس ويلح في دعوته إلى أن يعملوا من أجل التوصل إلى
العبادة بإخلاص . وأن يضربوا في الأرض إن كان التوصل إلى العبادة متوقفا
على هذا الضرب في الأرض .

القرآن يكثر التأكيد على أن الذين يترددون في إيمانهم فهم غير رابحين
وإن الذين يشركون مع الله إلها آخرا فليسوا مفلحين . بينما يؤكد في نفس
الوقت على أن الذين آمنوا لله ودخل الإيمان قلوبهم وأسلموا وأنابوا فأولئك
يغفر الله لهم ويتجاوز عنهم ويبدل سيئآتهم حسنات ، ويجعل لهم عنده مقاما
محمودا ومنزلة عليا تجاه ما أتوه من عمل ، وما قدموه بين أيديهم من معروف .
* * *

إن حقيقة العبادة تتمثل في أمرين رئيسيين :
الأول : هو استقرار معنى العبودية لله في النفس ، أي استقرار الشعور
على أن هناك عبدا ، وربا . عبدا يعبد . وربا يعبد . وأن ليس وراء ذلك
شئ ، وأن ليس هناك إلا هذا الوضع وهذا الاعتبار . ليس في هذا الوجود إلا
عابد ومعبود ، وإلا رب واحد والكل له عبيد .

والثاني : هو التوجه إلى الله بكل حركة في الضمير ، وكل حركة في
الجوارح ، وكل حركة في الحياة . التوجه بها إلى الله خالصة ، والتجرد من
كل شعور آخر ، ومن كل معنى غير معنى التعبد لله .
والعبادة ليست طاعة القهر والسخط ، ولكنها طاعة الرضا والحب .
وليست طاعة الجهل والغفلة ، ولكنها طاعة المعرفة والحصافة !
قد تصدر الحكومة أمرا بتسعير البضائع ، فيقبل التجار كارهين . أو
أمرا بخفض الرواتب ، فيقبل الموظفون ساخطين .

وقد تشير إلى البهيمة العجماء فتنقاد إليك لا تدري إلى مرتعها أم إلى
مصرعها . تلك أنواع من الطاعات بعيدة عن معنى العبادة التي شرع الله للناس
فالعبادة التي أجراها الله على الألسنة في الآية الكريمة ( إياك نعبد وإياك نستعين ) ،
والتي جعلها حكمة الوجود وغاية الأحياء في قوله : ( ما خلقت الجن والإنس
إلا ليعبدون ) تعني الخضوع المقرون بالمعرفة والمحبة . أي الناشئ عن
الاعجاب بالعظمة والعرفان للجميل . . .
إن العبادة شعور مكتمل العناصر ، يبدأ بالمعرفة العقلية ، ثم بالانفعال
الوجداني ، ثم بالنزوع السلوكي .
فالصورة الأخيرة ثمرة ما قبلها .

وهذا هو الوضع الصحيح لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، وإحسان الخلق
وقول الحق . وسائر العبادات الأخرى .
إن العبادة الأولى في الإسلام ، هي معرفة الله معرفة صحيحة ، والعقل
المستنير بهذه المعرفة ، هو القائد الواعي لكل سلوك صحيح ، والأساس المكين
لكل معاملة متقبلة .
ويوم تتلاشى هذه المعرفة من لب الإنسان ، فلن يصح له دين ، ولن
تقوم له فضيلة .

المعرفة الصحيحة لله تهون من قيمة الأخطاء التي يتورط فيها المرء ،
أخطاء عارضة ، أو خدوش سخطية .
أما الجهل بالله ، فهو الخطيئة التي لا تغتفر ، ولا يصلح معها عمل . ومن
ثم يقول الله تعالى في كتابه : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون
ذلك لمن يشاء ، ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا ) . ذلك أن الشرك دلالة
جهل غليظ بالله عز وجل .
وقد أطردت آيات القرآن تبني سلوك الناس على المعرفة بالله ، وتريهم
صحائف مشرقة من خلقه البديع وفضله الجزيل . تمزق ما نسجته الغفلة على
الأعين من جهالة وجحود .

 

https://t.me/wilayahinfo

شاهد أيضاً

846771_0

بعد هجوم أرامكو .. السعودية تنظم عرضا عسكريا نادرا من نوعه بمناسبة اليوم الوطني

مع تطلع المملكة المحافظة للانفتاح توسعت الاحتفالات السنوية لتتضمن مزيدا من الأعمال الموسيقية والعروض الفنية ...