الرئيسية / مقالات اسلامية / الاسلام والحياة / حول حديث المنزلة – سلطان الوعظين
jpg.82

حول حديث المنزلة – سلطان الوعظين

وراجعت كتبنا فرأيته كما ذكرتم أنه من الأحاديث الصحيحة المتواترة بإجماع علمائنا وأهل الحديث الموثقين عندنا ..

ولكنه لا يدل على خلافة سيدنا علي كرم الله وجهه بعد وفاة النبي (ص) مباشرة من غير فاصل كما تقولون ، بل صدر حديث المنزلة عند خروج النبي (ص) من المدينة إلى غزوة تبوك وخلّف عليا في المدينة .

فهو يدل على خلافة سيدنا علي رضي الله عنه لرسول الله (ص) في ذلك المورد فحسب ، وذلك في حياة النبي (ص) ، فلا يتعدى إلى موارد أخرى ، وخاصة بعد وفاة رسول الله (ص) !

قلت : لو كان أحد الحاضرين من غير العلماء يطرح هذا الإشكال ما كنت أتعجب ، ولكن هذا البيان من رجل فاضل يعلم قواعد اللغة العربية .. مثلكم غريب !

لأن الاستثناء الذي جاء في آخر حديث المنزلة يفيد العموم، وهو:” إلا أنه لا نبي بعدي” .

ثم هناك أصل مقبول عند أشهر علماء اللغة العربية وهو : إن اسم الجنس إذ ذكر في الكلام وكان مضافا إلى اسم علم فهو يفيد العموم وكلمة “المنزلة” التي أضيفت إلى اسم “هارون” يفهم منها معناها العام .

وجملة ” لا نبي بعدي ” يؤول على المصدر ، أي : ” لا نبوة بعدي ” وهو أيضا على القاعدة المشهورة بين اللغويين العرب .

الحافظ : إذا ننظر إلى جملة : “لا نبي بعدي” بنظر الدقة ، لوجدناها جملة إخبارية ، فلا يمكن استثناؤها من منازل هارون ومراتبه ، ثم ما الداعي لنصرف ظاهر الكلمة على المصدر ؟!

قلت : إنك تعرف الحق وتحرفه جدلا ! لأن كلامي غير شاذ ، بل هو على القواعد المسلمة عند علماء اللغويين والأصوليين ، وهناك كثير من علمائكم قالوا به وصرحوا بما فهمناه من حديث المنزلة .

وعندنا دليل أقوى من كل ذلك ، وهو أن النبي (ص) صرح أيضا بهذا المعنى كما في بعض الروايات الصحيحة المعتبرة عند علمائكم ، منهم :

1ـ محمد بن يوسف الكنجي الشافعي ، في كتابه ” كفاية الطالب في مناقب مولانا علي بن أبي طالب ” الباب السبعين .

2ـ الشيخ سليمان الحنفي القندوزي ، في كتابه ” ينابيع المودة ” بسنده عن عامر بن سعد ، عن أبيه .

ومن طريق آخر بسنده عن مصعب بن سعد ، عن أبيه ، عن النبي (ص) قال لعلي عليه السلام : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي ؟!

قال القندوزي في الباب السادس من كتابه : هذا حديث متفق على صحته ، ورواه الأئمة الحفاظ كأبي عبدالله البخاري ومسلم بن الحجاج في صحيحيهما .

3ـ ابن كثير ، في تاريخه ، عن عائشة بنت سعد عن أبيها عن النبي (ص) .

4ـ سبط ابن الجوزي ، في ” تذكرة الخواص ” : 12 ، نقلا عن مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم .

5ـ الإمام أحمد ، في المناقب .

6ـ أحمد بن شعيب النسائي ، في كتابه ” خصائص علي بن أبي طالب” بسنده عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله (ص) .

7ـ الخطيب الخوارزمي ، في المناقب ، عن جابر بن عبدالله الأنصاري .

هؤلاء وغيرهم رووا عن رسول الله (ص) قال لعلي بن أبي طالب عليه السلام : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة ؟!

8ـ المير سيد علي الهمداني ، في كتابه ” مودة القربى” ـ المودة السادسة ، عن أنس بن مالك ـ وقد نقلت لكم الحديث في الليلة الماضية ـ يقول في آخره : ولو كان بعدي نبيا لكان علي نبيا ولكن لا نبوة بعدي .

فثبت بحديث المنزلة ، أن موسى بن عمران (ع) كما خلف أخاه هارون (ع) مكانه حينما ذهب لميقات ربه سبحانه ، وفوض أمر النبوة إليه ، لأنه كان أفضل أمته وأحفظهم للدين ، فجعله يقوم مقامه ، كي لا يضيع شرعه وتذهب أتعابه سدى كذلك خاتم النبيين (ص) ، وشريعته المقدسة أفضل الشرائع السماوية ، ودينه المبين أكمل الأديان الإلهية .

فمن الأولى أن لا يترك أمته من غير خليفة ، ولا بد له أن يعين من يقوم مقامه في أمر النبوة ، كي لا تختلف أمته في أحكام الدين ، ولا يضيع شرعه المقدس بين الجاهلين والمغرضين ، فيتحكمون فيه ويفتون بالرأي والقياس ، وما استحسنته عقولهم المتحجرة ، فيذهبون إلى الدروشة والتصوف .. وما إلى ذلك .

حتى انقسمت الأمة الإسلامية الواحدة التي قال تعالى في وصفها : ( وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون )(1) . فتفرقت إلى ثلاث وسبعين فرقة ، واحدة ناجية والباقون في النار ، لأنهم ضالون ومضلون .

فأعلن النبي (ص) أن عليا منه بمنزلة هارون من موسى ، وبقي على المسلمين أن يفهموا من الحديث الشريف ، بأن جميع منازل هارون تكون لعلي عليه السلام ، ومنها تفضيله على الآخرين ، وخلافته للنبي (ص) في حياته وبعدها .

الحافظ : كل ما بينتموه حول حديث المنزلة نقبله ، إلا هذا الموضوع الأخير . فإن كل منازل ومراتب هارون تكون لعلي كرم الله وجهه في حياة النبي (ص) ، وأما بعد حياته فلا !

لأنه (ص) عين عليا خليفته في المدينة حينما أراد الخروج لغزوة تبوك ـ وهي قضية في واقعة ـ فلما رجع (ص) من الغزو تسلم الأمر من علي كرم الله وجهه ، وانتهى التعيين لأنه كان خاصا بذلك الزمان .

فلا نفهم من حديث المنزلة خلافة سيدنا علي رضي الله لسيدنا محمد المصطفى (ص) ما بعد وفاته (ص) ، وهذا الأمر يحتاج إلى دليل آخر .

قلت : لم ينحصر صدور حديث المنزلة في غزوة تبوك فقط ، بل نجد في الأخبار المعتبرة والروايات الصحيحة أن النبي (ص) أعلن حديث المنزلة في مناسبات أخر .

منها : حينما آخى بين أصحابه في مكة وأخرى في المدينة واتخذ عليا عليه السلام أخا لنفسه ، فقال (ص) له : أنت مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي .

الحافظ : هذا خبر غريب ! لأني كل ما سمعت وقرأت عن حديث المنزلة ، أنه صدر من النبي (ص) حين ذهابه إلى تبوك ، وذلك لما خلّف عليا رضي الله عنه في المدينة ، فحزن علي لعدم مشاركته في الحرب والجهاد ، فقال له رسول الله (ص) : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى …؟ إلى آخره .

لذلك فإني أظن أن سماحة السيد قد وهم في كلامه ، واشتبه الأمر عليه .

قلت : إني لست متوهما ، بل على يقين من كلامي ، وهو قول جميع علماء الشيعة وكثير من علمائكم أيضا ، منهم :

1ـ المسعودي ، في مروج الذهب 2/ 49 .

2ـ السيرة الحلبية 2/ 26 و120 .

3ـ الإمام النسائي ، في خصائص علي بن أبي طالب :19 .

4ـ سبط ابن الجوزي ، في التذكرة : 13 و14 .

5ـ الشيخ سليمان الحنفي القندوزي ، في ” ينابيع المودة ” الباب التاسع والسابع عشر ، نقلا عن مسند أحمد ، وعن زوائد المسند لعبدالله بن أحمد ، وعن مناقب الخوارزمي .

كل هؤلاء ذكروا حديث المنزلة ضمن خبر المؤاخاة ، والمستفاد من الأخبار والروايات ، أن النبي (ص) كرر حديث المنزلة في حضور أصحابه وفي مناسبات كثيرة منها : عند المؤاخاة ، وعند استخلافه (ص) عليا على المدينة حين خروجه (ص) منها إلى تبوك وغيرها .

فكان النبي (ص) كان يريد إعلان خلافة أخيه وابن عمه الإمام علي عليه السلام في كل وقت ومكان ، لا في زمان ومكان معين .

الحافظ : كيف تفهمون من حديث المنزلة هذا الموضوع المهم ، ولم يفهمه الصحابة الكرام ما فهمتموه ؟!

أم تقولون إنهم فهموا من حديث المنزلة ما فهمتموه ومع ذلك خالفوا نبيهم وبايعوا غير سيدنا علي رضي الله عنه ؟!

قلت : في جواب سؤالك الثاني ، الذي هو قولنا ، عندي قضايا مشابهة كثيرة ، ولكن أكتفي بنقل قضية واحدة وهي قضية هارون الذي نحن في ذكره والكلام يدور حوله .

وعلي عليه السلام في الإسلام يشبه هارون في بني إسرائيل ، والقضية كما ذكرها المفسرون عند تفسير قوله تعالى : ( وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين )(2).

قال المفسرون : إن موسى بن عمران لما أراد أن يذهب إلى ميقات ربه تعالى ، جمع بني إسرائيل ـ والحاضرون على بعض الروايات سبعون ألف نفر ، فأكد عليهم أن يطيعوا أمر هارون ولا يخالفوه في شيء ، فإنه خليفته فيهم .

ثم لما ذهب إلى الميقات وطال مكثه ، انقلب بنو إسرائيل على هارون فخالفوه وأطاعوا السامري ، وسجدوا للعجل الذي صنعه السامري من حليهم وذهبهم !

ولما منعهم هارون ونهاهم من ذلك ودعاهم لعبادة الله سبحانه تألبوا عليه وكادوا يقتلونه ، كما حكى الله تعالى عن قول هارون : ( إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني )(3).

بالله عليكم ، أيها الحاضرون ، أنصفوا !! هل إن اجتماع أمة موسى حول السامري و عجلهم ، وتركهم هارون خليفة موسى بن عمران ، المؤيد من عند الله ، والمنصوص عليه بالخلافة ، دليل على أحقية السامري وبطلان خلافة هارون ؟!

هل إن عمل بني إسرائيل صحيح عند الله سبحانه وتعالى ؟!

هل لعاقل أن يقول : إن بني إسرائيل إذا كانوا يسمعون من لسان نبيهم نصا في خلافة هارون ما كانوا يتركوه ، ويجتمعون حول السامري وعجله ؟!

وهل إن اجتماعهم حول السامري وعجله ، دليل على أنهم ما سمعوا نصا من موسى بن عمران في خلافة أخيه هارون ؟!

كلنا يعلم أن هذا كلام تافه وواه .، لأن القرآن الكريم يصرح بأن موسى (ع) نصب هارون في مقامه ، وعينه خليفته في قومه ، ثم ذهب إلى ميقات ربه ، ولكن بني إسرائيل مع ذلك ضلوا عن الحق ، بإغواء السامري وتدليس إبليس لعنه الله .

فهم مع علمهم بخلافة هارون ووجوب إطاعتهم أمره، خالفوه وكادوا يقتلونه ، بل أطاعوا السامري وسجدوا لعجله وعبدوه !!

كذلك بعد وفاة النبي (ص) ، إن أولئك الذين سمعوا من فم رسول الله (ص) كرارا ومرارا، بالصراحة والكناية ، يقول : إن علي بن أبي طالب خليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا ، فكما أن أمة موسى تركوا هارون ، كذلك أمة محمد (ص) تركوا عليا ، وتبعوا أهواءهم .

بعضهم للرئاسة والدنيا كما قال أمير المؤمنين علي عليه السلام : حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها (4).

وبعضهم للحقد الذي كان مكنونا في صدورهم ، لأن عليا عليه السلام قتل أبطالهم وجندل ذؤبانهم ، وضربهم بسيفه حتى استسلموا وقالوا : لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، بألسنتهم ولما يدخل الإيمان في قلوبهم ، فكانوا يتحينون الفرصة لإظهار بغضهم الدفين ، فلما أتيحت لهم الفرصة بوفاة رسول الله (ص) انقلبوا على أعقابهم ، وفعلوا ما فعلوا ظلما وعناد .

وبعضهم للحسد والكبرياء ، لأنهم كانوا أسن من الإمام علي (ع) ، وهو يوم ذاك لم يبلغ الأربعين من العمر ، فثقل عليهم أن يخضعوا له ويطيعوا أمره !

لهذه الأسباب ونحوها تركوا خليفة نبيهم وخذلوه وكادوا يقتلوه ، كما كاد بنو إسرائيل أن يقتلوا هارون !!

لذلك روى ابن قتيبة وهو من كبار علمائكم ، في كتابه الإمامة والسياسة صفحة 13 ـ 14 / ط مطبعة الأمة بمصر تحت عنوان : ” كيف كانت بيعة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ” .

قال : وإن أبا بكر (رض) تفقد قوما تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه ، فبعث إليهم عمر ، فجاء وناداهم وهم في دار علي ، فأبوا أن يخرجوا ، فدعا بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقها على من فيها !

فقيل له : يا أبا حفص ، إن فيها فاطمة !

فقال : وإن !!

فخرجوا وبايعوا إلا عليا … فأخرجوا عليا ، فمضوا به إلى أبي بكر ، فقالوا له : بايع .

فقال : إن أنا لم أفعل فمه ؟!

قالوا : إذا والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك !!

قال : إذا تقتلون عبدالله وأخا رسوله .

قال : عمر أما عبدالله فنعم ، وأما أخو رسوله فلا !

وأبو بكر ساكت لا يتكلم ، فقال له عمر : ألا تأمر فيه بأمرك ؟!!

فقال : لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه .

فلحق علي بقبر رسول الله (ص) يصيح ويبكي وينادي : ( يابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني )(5).

ونقل أكثر المؤرخين الموثقين عندكم أن الإمام عليا (ع) تلا هذه الآية عند قبر رسول الله (ص) في تلك الحالة العصيبة ، وهي حكاية قول هارون عند أخيه موسى بن عمران حينما رجع من ميقات ربه ، فشكى إليه قومه بني إسرائيل ، وكيف استضعفوه وصاروا ضده .

وإني أعتقد أن رسول الله (ص) كان يعلم بأنه سيجري من قومه على وصيه وخليفته من بعده ، ما جرى على هارون من أمة موسى في غيبته ، ولذلك شبه عليا (ع) بهارون .

والإمام علي (ع) لإثبات هذا المعنى خاطب النبي (ص) عند قبره فقال له ما قال هارون لأخيه موسى ، قوله تعالى : (إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني )(6).

فلما وصل حديثنا إلى هذه النقطة ، سكت الحافظ وبهت الحاضرون ، وبدا ينظر بعضهم إلى بعض ، في حالة من التفكر والتعجب .

فرفع النواب رأسه وقال : إذا كانت الخلافة حق الإمام علي (ع) بعد النبي (ص) مباشرة من غير تأخر وذلك بأمر الله تعالى كما تقولون ، فلماذا لم يصرح به رسول الله (ص) أمام أصحابه والذين آمنوا به ؟!

فلو كان النبي (ص) يقول بالصراحة : يا قوم ! إن علي بن أبي طالب خليفتي فيكم وهو بعدي أميركم والحاكم عليكم ، فلم يكن حينئذ عذر للأمة في تركه ومبايعة غيره ومتابعة الآخرين !

قلت :

أولا : المشهورين بين أهل اللغة والأدب بأن : ” الكناية أبلغ من التصريح ” فتوجد في الكناية نكات دقيقة ولطائف رقيقة لا توجد في التصريح أبدا .

مثلا … المعاني الجمة التي تستخرج من كلمة ” المنزلة ” فيما نحن فيه من البحث حول حديث المنزلة ، تكون أعم وأشمل من كلمة ” الخليفة ” لأن الخلافة تكون جزءا وفرعا لمنزلة هارون من موسى .

ثانيا : توجد تصريحات من النبي (ص) في خلافة الإمام علي (ع) .

النواب : هل يمكن أن تبينوا لنا تلك التصريحات وأعتذر أنا من هذا السؤال ، لأن علماؤنا يقولون لنا : لا يوجد حديث صريح من رسول الله (ص) في خلافة علي كرم الله وجهه ، وإنما الشيعة يؤولون بعض الأحاديث النبوية الشريفة في خلافة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه !

قلت : إن الذين قالوا لكم هذا الكلام ، إما هم جهال في زي أهل العلم ، أو علماء

يتجاهلون ! لأن الأحاديث الصريحة في خلافة الإمام علي (ع) وتعيينه دون غيره كثيرة ، وقد ذكرها علماؤكم الأعلام في الكتب المعتبرة ، وأنا الآن أبين لكم بعض ما يحضرني ، حسب ما يسمح به الوقت

يوم الإنذار:

أول مناسبة صرح فيها رسول الله (ص) بخلافة الإمام علي في أوان رسالته والإسلام بعد لم ينتشر ، بل كان لا يزال في مهده ولم يخرج من مكة المكرمة ، لما نزلت الآية الكريمة : ( وأنذر عشيرتك الأقربين … )(7).

روى الإمام أحمد ، في مسنده 1/111 و 159 و333 .

والثعلبي في تفسيره عند آية الإنذار .

والعلامة الكنجي الشافعي ، في ” كفاية الطالب ” أفرد لها الباب الحادي و الخمسين .

والخطيب موفق بن أحمد الخوارزمي ، في المناقب .

ومحمد بن جرير الطبري ، في تفسيره عند آية الإنذار ، وفي تاريخه 2/217 بطرق كثيرة.

وابن أبي الحديد ، في شرح ” نهج البلاغة ” .

وابن الأثير ، في تاريخه ، الكامل 2/22 .

والحافظ أبو نعيم ، في ” حلية الأولياء ” .

والحميدي ، في ” الجمع بين الصحيحين ” .

والبيهقي ، في ” السنن والدلائل ” .

وأبو الفداء ، في تاريخه 1/116 .

والحلبي ، في السيرة 1/381 .

والإمام النسائي ، في الخصائص ، حديث رقم 65 .

والحاكم في المستدرك 3/132 .

والشيخ سليمان الحنفي ، في الينابيع ، أفرد لها الباب الحادي والثلاثين .

وغيرهم من كبار علمائكم ومحدثيكم ومفسريكم ، رووا ـ مع اختلاف يسير في العبارات ـ :

إنه لما نزلت الآية الشريفة : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) جمع رسول الله (ص) بني عبد المطلب ، وكانوا أربعين رجلا ، منهم من يأكل الجذعة(8) ويشرب العس(9) .، فصنع لهم مدا من طعام ، فأكلوا حتى شبعوا ، وبقي كما هو !

ثم دعا بعس ، فشربوا حتى رووا ، وبقي كأنه لم يُشرب !

ثم خاطبهم رسول الله (ص) قائلا :

يا بني عبد المطلب ! إن الله بعثني للخلق كافة وإليكم خاصة ، وقد رأيتم ما رأيتم ، وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان وثقيلتين في الميزان ، تملكون بها العرب والعجم ، وتنقاد لكم الأمم ، وتدخلون بهما الجنة ، وتنجون بهما من النار ، وهما شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله .

فمن منكم يجبني إلى هذا الأمر ويؤازرني على القيام به يكن أخي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي ؟

وفي بعض الأخبار : يكون أخي وصاحبي في الجنة . وفي بعض الأخبار : يكون خليفتي في أهلي .

فلم يجبه أحد إلا علي بن أبي طالب ، وهو أصغر القوم .

فقال له النبي (ص) : اجلس ، وكرر النبي (ص) مقالته ثلاث مرات ولم يجبه أحد ، إلا علي بن أبي طالب (ع) .

وفي المرة الثالثة ، أخذ بيده وقال للقوم : إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا .

هذا الخبر الهام الذي اتفق على صحته علماء الفريقين من الشيعة والسنة .

تصريحات أخرى في خلافة علي (ع):

وهناك تصريحات أخرى من رسول الله (ص) في شأن خلافة الإمام علي (ع) ، ذكرها علماؤكم ومحدثوكم الموثقون لديكم في كتبهم المعتبرة ، منهم :

1ـ الإمام أحمد في ” المسند ” والمير السيد علي الهمداني الشافعي في كتابه ” مودة القربى ” في آخر المودة الرابعة ، عن النبي (ص) قال : يا علي ! أنت تبرئ ذمتي ، وأنت خليفتي على أمتي .

2ـ الإمام أحمد في ” المسند ” بطرق شتى ، وابن المغازلي الشافعي في المناقب ، والثعلبي في تفسيره ، عن النبي (ص) أنه قال لعلي (ع) : أنت أخي ، ووصيي ، وخليفتي ، وقاضي ديني .

3ـ العلامة الراغب الأصبهاني ، في كتابه محاضرات الأدباء 2/213 ط . المطبعة الشرفية سنة 1326 هجرية ، عن أنس بن مالك ، عن النبي (ص) أنه قال : إن خليلي ووزيري وخليفتي وخير من أترك بعدي ، يقضي ديني ، وينجز موعدي ، علي بن أبي طالب .

4ـ المير السيد علي الهمداني الشافعي في كتابه ” مودة القربى ” في أوائل المودة السادسة ، روى عن عمر بن الخطاب ، قال : إن رسول الله (ص) لما آخى بين أصحابه قال (ص) : هذا علي أخي في الدنيا والآخرة ، وخليفتي في أهلي ، ووصيي في أمتي ، ووارث علمي ، وقاضي ديني ، ماله مني مالي منه ، نفعه نفعي ، وضره ضري ، من أحبه فقد أحبني ، ومن أبغضه فقد أبغضني .

وفي رواية أخرى ـ في المودة السادسة ـ قال (ص) مشيرا لعلي (ع) : وهو خليفتي ووزيري .

5ـ العلامة محمد بن يوسف الكنجي الشافعي ، في كتابه ” كفاية الطالب ” في الباب الرابع والأربعين ، روى بسنده عن ابن عباس ، قال :

ستكون فتنة ، فمن أدركها منكم فعليه بخصلة من كتاب الله تعالى وعلي بن أبي طالب (ع) .

فإني سمعت رسول الله (ص) وهو يقول : هذا أول من آمن بي ، وأول من يصافحني ، وهو فاروق هذه الأمة ، يفرق بين الحق والباطل ، وهو يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب الظلمة ، وهو الصديق الأكبر ، وهو بابي الذي أوتي منه ، وهو خليفتي من بعدي .

قال العلامة الكنجي : هكذا أخرجه محدث الشام في فضائل علي (ع) ، في الجزء التاسع والأربعين بعد الثلاثمائة من كتابه بطرق شتى .

6ـ أخرج البيهقي والخطيب الخوارزمي وابن المغازلي الشافعي في ” المناقب ” :

عن النبي (ص) أنه قال (ص) لعلي (ع) : إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي ، وأنت أولى بالمؤمنين من بعدي .

7ـ الإمام النسائي ، وهو أحد أئمة الحديث وصاحب أحد الصحاح الستة عندكم ، أخرج في كتابه ( الخصائص ) في ضمن الحديث 23 :

عن ابن عباس ، أن النبي (ص) قال لعلي : أنت خليفتي في كل مؤمن من بعدي .

فالنبي (ص) يؤكد في هذا الحديث أن عليا (ع) خليفته من بعده ، أي مباشرة وبلا فصل ، فلا اعتبار لإدعاء أي مدع خلافة النبي (ص) من الذين نازعوا عليا (ع) وغصبوا منصبه ومقامه(10) لوجود حرف : ” من ” في الحديث ، فهي إما أن تكون بيانية أو ابتدائية ، وعلى التقديرين يتعين علي (ع) بعد النبي (ص) بأنه خليفته بلا فصل .

8ـ المير السيد علي الهمداني : أخرج في كتابه ” مودة القربى ” في الحديث الثاني من المودة السادسة ، بسنده عن أنس ، رفعه عن النبي (ص) قال : إن الله اصطفاني على الأنبياء فاختارني واختار لي وصيا ، واخترت ابن عمي وصيي ، يشد عضدي كما يشد عضد موسى بأخيه هارون ، وهو خليفتي ، ووزيري ، ولو كان بعدي نبيا لكان علي نبيا ، ولكن لا نبوة بعدي .

9ـ أخرج الطبري في كتابه ” الولاية ” خطبة الغدير ، عن النبي (ص) يقول فيها : قد أمرني جبرئيل عن ربي أن أقوم في هذا المشهد ، واعلم كل أبيض وأسود : أن علي بن أبي طالب أخي ، ووصيي ، و خليفتي ، والإمام بعدي .

ثم قال : معاشر الناس ! فإن الله قد نصبه لكم وليا وإماما وفرض طاعته على كل أحد ، ماض حكمه ، جائز قوله ، ملعون من خالفه ، مرحوم من صدقه .

10ـ أخرج أبو المؤيد بن أحمد الخوارزمي في كتابه ” فضائل أمير المؤمنين (ع) ” الفضل 19 ، بإسناده عن النبي (ص) أنه قال : لما وصلت في المعراج إلى سدرة المنتهى ، خاطبني الجليل قائلا : يا محمد ! أي خلقي وجدته أطوع لك ؟

فقلت : يا رب ، علي أطوع خلقك إلي .

قال عز وجل : صدقت يا محمد .

ثم قال : فهل اتخذت لنفسك خليفة يؤدي عنك ، ويعلم عبادي من كتابي ما لا يعلمون .

قال (ص) : قلت : يا رب اختر لي ، فإن خيرتك خيرتي .

قال : اخترت لك عليا (ع) ، فاتخذه لنفسك خليفة ووصية ، ونحلته علمي وحلمي ، وهو أمير المؤمنين حقا ، لم ينلها أحد قبله ، وليست لأحد بعده (11).

اعلموا أن الأخبار في هذا المضمار، كثيرة في كتبكم المعتبرة ، وقد نقلت لكم بعض ما أحفظ منها ، كي يعلم الحافظ بأننا لا نرو إلا ما رواه علماؤكم الأعلام ، ولا نقول إلا الحق ، ولا نعتقد إلا بالحقيقة والواقع .

والجدير بالذكر أن بعض علمائكم المنصفين اعترفوا بخلافة علي بن أبي طالب عليه السلام كما نعتقد نحن ، منهم : إبراهيم بن سيار بن هانئ البصري ، المعروف بالنظّام(12) ، فإنه يقول : نص النبي (ص) على أن الإمام هو علي وعيّّنه ، وعَرَفت الصحابة ذلك ، ولكن كتمه عمر لأجل أبي بكر رضي الله عنهما .

ونحن لما لم ندرك عصر النبي (ص) ولم نحظ بصحبته ، يجب أن نراجع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة عند الفريقين في تعرف الأفضل والأعلم والأرجح عند الله ورسوله والأحب إليهما فهو أولى من غيره في خلافة النبي (ص) .

ولا يخفى على أي عالم منصف غير معاند : أن الأخبار الصريحة في خلافة علي عليه السلام وإمامته ، وفي وصايته وولايته ، وكذلك في أفضليته وأعلميته وأرجحيته من سائر الصحابة ، والمسلمين ، كثيرة جدا .

وهي مروية عن طرقكم وبأسانيدكم المعتبرة ، ومنقولة في كتبكم وتصانيف علمائكم الأعلام ، وهي كثيرة وكثيرة بحيث لم يرد معشارها في حق أي واحد من الصحابة الكرام .

وإن أكثر تلك الفضائل العلوية والمناقب الحيدرية تعد من خصائص الإمام علي عليه السلام ، ولم يشاركه فيها أحد ، ولم يشابهه فيها أحد من الصحابة الأوفياء ، ولكنه شاركهم في جميع فضائلهم ومناقبهم .

وقد ذكرنا لكم بعض الأخبار المروية عن طرقكم والمسجلة في مسانيدكم ومصادركم في حق الإمام علي عليه السلام ، ضمن حديثنا وحوارنا في الليالي السالفة والمجالس السابقة .

وإليكم نموذجا من حديث النبي (ص) نقله علماؤكم الأعلام ، يصرح نبي الإسلام فيها أن فضائل ومناقب الإمام علي عليه السلام كثيرة جدا بحيث لا تعد ولا تحصى .

أخرج الموفق ابن أحمد الخوارزمي في المناقب :18 ، والعلامة محمد بن يوسف الكنجي الشافعي في كتابه ” كفاية الطالب ” الباب الثاني والستين ، في تخصيص علي عليه السلام بمائة منقبة دون سائر الصحابة ، جاء في الباب ، ص 123 ، بسنده عن ابن عباس ، قال :

قال رسول الله (ص) : لو أن الغياض أقلام ، والبحر مداد ، والجن حساب ، والإنس كتاب ، ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب .

وأخرج السيد علي الهمداني بسنده عن عمر بن الخطاب ، رفعه ، قال : قال رسول الله (ص) : لو أن البحر مداد ، والرياض أقلام ، والإنس كتاب ، والجن حساب ، ما أحصوا فضائلك يا أبا الحسن .

وأخرجه ابن الصباغ المالكي في ” الفصول المهمة ” بسنده عن ابن عباس ، وأخرجه سبط ابن الجوزي في ” التذكرة ” (13) لذلك نحن نعتقد أن عليا عليه السلام أحق من غيره بالخلافة.

الشيخ عبد السلام : نحن لا ننكر فضائل ومناقب مولانا علي كرم الله وجهه ، ولكن انحصار الفضائل فيه غير معقول ، لأن الخلفاء الراشدين ـ رضي الله عنهم ـ أكرم أصحاب رسول الله (ص) وهم في الرتبة والفضل متساوون .

ولكنكم تنحازون إلى جانب سيدنا علي رضي الله عنه ، وتنقلون كل الفضائل باسمه دون غيره ، ولا تذكرون فضائل الصحابة الآخرين !

وهذا العمل يحرف أفكار الحاضرين عن الواقع فيلتبس الأمر عليهم ، وهذا هو التعصب !

فلكي ينكشف الحق للحاضرين ، ولا يلتبس الأمر عليهم ، أريد أن أذكر شيئا من فضائل ومناقب الخلفاء الراشدين .

قلت : نحن نتبع العقل والعلم ، ونقبل الدليل والبرهان ، نحن لا نحصر الفضائل في الإمام علي عليه السلام ، وإنما نمحّضه في الفضائل ، ونجله عن الرذائل ، وذلك لنزول آية التطهير في شأنه .

وأما الانحياز إلى جانبه فليس منا فحسب ، بل الله ورسوله انحازا إليه ، كما نجد الآيات القرآنية في حقه والأحاديث النبوية الصريحة في فضله .

وأما نسبة التعصب إلينا فهو بهتان وافتراء ، فإن التعصب معناه الالتزام بشيء مع الإصرار من غير دليل .

وأنا أشهد الله سبحانه بأني ما التزمت بشيء من أمور ديني ، وما تمسكت بولاية الإمام علي عليه السلام والأئمة الهادين من ولده ، إلا بدليل القرآن والسنة والعقل السليم .

لذا أرجو من الحاضرين أن ينبهوني إذا تكلمت بشيء بغير دليل ، أو تحدثت على خلاف

المنطق والعقل ، فأكون لهم شاكرا .

وأما حديثكم في مناقب الراشدين فيكون مقبولا بشرط أن تروون الأخبار الصحيحة عند الفريقين ، فنتبرك بها ، لأننا لا ننكر مناقب وفضائل الصحابة الطيبين ، ولا شك أن لكل واحد من الأصحاب المؤمنين له فضائل ومناقب ، ولكن الغرض من هذا المجلس والحوار ، البحث عن أفضلهم وأحسنهم وأكثرهم منقبة عند الفرقين : الشيعة والسنة .

فإن كلامنا يدور حول الأفضل لا الفاضل ، لأن الفضلاء كثيرون ، والأفضل واحد منهم بحكم العقل والنقل ، وهو أحق أن يتبع ويطاع .

الشيخ عبد السلام : إنكم تغالطون في الموضوع ، لأن كتبكم لا تحتوي على أي خبر أو حديث في فضل الخلفاء الراشدين غير سيدنا علي كرم الله وجهه ، فكيف أنقل لهذا الجمع أخبارا مقبولة لديكم ؟!

قلت : هذا الإشكال يرد عليكم ، لأنه في أول ليلة حينما أردنا أن نبدأ بالبحث ، قال الحافظ محمد رشيد سلمه الله : إن الاحتجاج والاستدلال يجب أن يكون بالآيات القرآنية والأخبار المروية المقبولة عند الفريقين ، وأنا قبلت الشرط ، لأنه مقتضى العقل ، وعلمت به في أثناء الحوار والحديث في المجالس السابقة .

والحاضرون يشهدون ، وأنتم تعلمون بأني كل ما احتججت به عليكم واستدللت به على صحة كلامي ، إنما كان من القرآن الحكيم وأحاديث النبي الكريم (ص) المعتبرة والمقبولة عندكم .

وأنا إلى آخر حواري معكم ، وحتى الوصول إلى النتيجة القطعية لا أنقض الشرط ، بل أعمل على وفقه إن شاء الله تعالى .

ومع ذلك كله فإني أتساهل معكم ، وأتنازل لكم ، وأقبل منكم الروايات المنقولة في كتبكم دون كتبنا ، شريطة أن لا تكون موضوعة أو مجعولة ، وأن لا يأباها العقل السليم ، فنستمع إليها مع الحاضرين ، ثم نقضي فيها بالعدل والإنصاف ، لنرى هل الأخبار التي تقرأها وترويها لنا ، هل تفضل وترجح أحدا على سيدنا ومولانا علي بن أبي طالب في العلم والجهاد والرتبة والمنزلة عند الله سبحانه وعند رسوله (ص) ؟!

الشيخ عبد السلام : إنكم نقلتم أحاديث وأخبارا صحيحة وصريحة في خلافة سيدنا علي كرم الله وجهه ، ولكنكم غافلون أن عندنا أخبارا كثيرة في خلافة سيدنا أبي بكر (رض) .

قلت : مع أن كبار علمائكم أمثال : الذهبي والسيوطي وابن أبي الحديد وغيرهم أعلنوا بأن الأمويين والبكريين وضعوا أحاديث كثيرة مجعولة في فضائل أبي بكر ، مع ذلك نحن نستمع إليك رجاء أن لا تكون رواياتك وأخبارك من تلك الموضوعات والمجعولات .

شاهد أيضاً

IMG-20140302-WA0002

الطريق إلى الله تعالى للشيخ البحراني

33)فمن يكون مراده أن تقبل منه فإحسانك بقبول ذلك الشيء منه ، وإن أردت أن ...