الرئيسية / بجوث اسلامية / سنن النبي (صلى الله عليه وآله) العلامة الطباطبائي

سنن النبي (صلى الله عليه وآله) العلامة الطباطبائي

[43]

في ما قسم لهم من الحياة ولا يتكلفوا في أمر من الامور إذ كانوا على الفطرة والفطرة لا تهدي إلا إلى ما جهزها الله بما يلائمها في نيله، ولا تتكلف الاستواء على ما لم يسهل الله لها الارتقاء على مستواه، قال تعالى حكاية عن نبيه (صلى الله عليه وآله): ” وما أنا من المتكلفين ” (1) وقال تعالى: ” لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ” (2) وقال تعالى: ” لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ” (3) وإذ كان التكلف خروجا عن الفطرة فهو من اتباع الشهوة والأنبياء في مأمن منه. وقال تعالى وهو أيضا من التأديب بأدب جامع: ” يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم * وإن هذه امتكم امة واحدة وأنا ربكم فاتقون ” (4) أدبهم تعالى أن يأكلوا من الطيبات، أي أن يتصرفوا في الطيبات من مواد الحياة ولا يتعدوها إلى الخبائث التي تتنفر منها الفطرة السليمة، وأن يأتوا من الأعمال بالصالح منها وهو الذي يصلح للإنسان أن يأتي به مما تميل إليه الفطرة بحسب ما جهزها الله من أسباب تحفظ بعملها بقاءه إلى حين، أو أن يأتوا بالعمل الذي يصلح أن يقدم إلى حضرة الربوبية، والمعنيان متقاربان، فهذا أدب يتعلق بالإنسان الفرد. ثم وصله تعالى بأدب اجتماعي فذكر لهم أن الناس ليسوا إلا امة واحدة: المرسلون والمرسل إليهم، وليس لهم إلا رب واحد، فليجتمعوا على تقواه، ويقطعوا بذلك دابر الاختلافات والتحزبات، فإذا التقى الأمران أعني الأدب الفردي والاجتماعي تشكل مجتمع واحد بشري مصون عن الاختلاف يعبد ربا واحدا، ويجري الآحاد منه على الأدب الإلهي فاتقوا خبائث الأفعال وسيئات الأعمال فقد استووا على أريكة السعادة. وهذا ما جمعته آية اخرى وهي قوله تعالى: ” شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين

(1) ص: 86. (2) البقرة: 286. (3) الطلاق: 7. (4) المؤمنون: 52.

[44]

ولا تتفرقوا فيه ” (1). وقد فرق الله الأدبين في موضع آخر فقال: ” وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ” (2) فأدبهم بتوحيده وبناء العبادة عليه، وهذا هو أدبهم بالنسبة إلى ربهم، وقال: ” وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا انزل إليه ملك فيكون معه نذيرا * أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها – إلى أن قال: – وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ” (3) فذكر أن سيرة الأنبياء جميعا وهو أدبهم الإلهي هو الاختلاط بالناس ورفض التحجب والاختصاص والتميز من بين الناس فكل ذلك مما تدفعه الفطرة، وهذا أدبهم في الناس. 6 – من أدب الأنبياء (عليهم السلام) في توجيههم الوجوه إلى ربهم ودعائهم إياه ما حكاه الله تعالى من قول آدم (عليه السلام) وزوجته: ” ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ” (4) كلمة قالاها بعد ما أكلا من الشجرة التي نهاهما الله أن يقربا منها، وإنما كان نهي إرشاد ليس بالمولوي، ولم يعصياه عصيان تكليف، بل كان ذلك منهما مخالفة نصيحة في رعايتها صلاح حالهما، وسعادة حياتهما في الجنة الآمنة من كل شقاء وعناء، وقد قال لهما ربهما في تحذيرهما عن متابعة إبليس: ” فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى * إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى * وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى ” (5). فلما وقعا في المحنة وشملتهما البلية، وأخذت سعادة الحياة يوادعهما وداع ارتحال لم يشتغلا بأنفسهما اشتغال اليائس البائس، ولم يقطع القنوط ما بينهما وبين ربهما من السبب الموصول بل بادرا إلى الالتجاء بالله الذي إليه أمرهما، وبيده كل خير يأملانه لأنفسهما فأخذا وتعلقا بصفة ربوبيته المشتملة على كل ما يدفع به

(1) الشورى: 13. (2) الأنبياء: 25. (3) الفرقان: 7 – 20. (4) الأعراف: 23. (5) طه: 117 – 119. (*)

[45]

الشر ويجلب به الخير، فالربوبية هي الصفة الكريمة يربط العبد بالله سبحانه. ثم ذكرا الشر الذي يهددهما بظهور آياته وهو الخسران – كأنهما اشتريا لذة الأكل بطاعة الإرشاد الإلهي، فبان لهما أن سعادتهما قد أشرفت بذلك على الزوال في الحياة، وذكرا حاجتهما إلى ما يدفع هذا الشر عنهما، فقالا: ” وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ” أي إن خسران الحياة يهددنا وقد أطل بنا وما له من دافع إلا مغفرتك للذنب الصادر عنا وغشيانك إيانا بعد ذلك برحمتك وهي السعادة، لما أن الإنسان بل كل موجود مصنوع يشعر بفطرته المغروزة أن من شأن الأشياء الواقعة في منزل الوجود ومسير البقاء أن تستتم ما يعرضها من النقص والعيب، وأن السبب الجابر لهذا الكسر هو الله سبحانه وحده فهو من عادة الربوبية. ولذلك كان يكفي مجرد إظهار الحال وإبراز ما نزل على العبد من مسكنة الحاجة، فلا حاجة إلى السؤال بلفظ بل في بدو الحاجة أبلغ السؤال وأفصح الاقتراح. ولذلك لم يصرحا بما يسألانه ولم يقولا: ” فاغفر لنا وارحمنا ” ولأنهما – وهو العمدة – أوقفا أنفسهما بما صدر عنهما من المخالفة موقف الذلة والمسكنة التي لا وجه معها ولا كرامة، فنتجت لهما التسليم المحض لما يصدر في ذلك من ساحة العزة ومن الحكم، فكفا عن كل مسألة واقتراح، غير أنهما ذكرا أنه ربهما، فأشارا إلى ما يطمعان فيه منه مع اعترافهما بالظلم. فكان معنى قولهما: ” ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين “: أسأنا فيما ظلمنا أنفسنا فأشرفنا بذلك على الخسران المهدد لعامة سعادتنا في الحياة، فهو ذا الذلة والمسكنة أحاطت بنا، والحاجة إلى إمحاء وسمة الظلم وشمول الرحمة شملتنا، ولم يدع ذلك لنا وجهة ولا كرامة نسألك بها، فها نحن مسلمون لحكمك أيها الملك العزيز، فلك الامر ولك الحكم، غير أنك ربنا ونحن مربوبان لك، نأمل منك ما يأمله مربوب من ربه. ومن أدبهم ما حكاه الله تعالى من دعوة نوح (عليه السلام) في ابنه: ” وهي تجري بهم

[46]

في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين * قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء – إلى أن قال: – ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وانت أحكم الحاكمين * قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك ان تكون من الجاهلين * قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإن لا تغفر لي وترحمني اكن من الخاسرين ” (1). لا ريب أن الظاهر من قول نوح (عليه السلام) أنه كان يريد الدعاء لابنه بالنجاة، غير أن التدبر في آيات القصة يكشف الغطاء عن حقيقة الأمر بنحو آخر. فمن جانب أمره الله بركوب السفينة هو وأهله والمؤمنون بقوله: ” احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن ” (2) فوعده بإنجاء أهله واستثنى منهم من سبق عليه القول، وقد كانت امرأته كافرة كما ذكرها الله في قوله: ” ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط ” (3) وأما ابنه فلم يظهر منه كفر بدعوة نوح، والذي ذكره الله من أمره مع أبيه وهو في معزل إنما هو معصية بمخالفة أمره (عليه السلام) وليس بالكفر الصريح، فمن الجائز أن يظن في حقه أنه من الناجين، لظهور كونه من أبنائه وليس من الكافرين، فيشمله الوعد الإلهي بالنجاة. ومن جانب قد أوحى الله تعالى إلى نوح (عليه السلام) حكمه المحتوم في أمر الناس كما قال: ” واوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون * واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ” (4) فهل المراد بالذين ظلموا الكافرون بالدعوة أو يشمل كل ظلم أو هو مبهم مجمل يحتاج إلى تفسير من لدن قائله تعالى ؟ فكأن هذه الامور رابته (عليه السلام) في أمر ابنه ولم يكن نوح (عليه السلام) بالذي يغفل من مقام ربه، وهو أحد الخمسة اولي العزم سادات الأنبياء، ولم يكن لينسى وحي ربه:

(1) هود: 42 – 47. (2) هود: 40. (3) التحريم: 10. (4) هود: 36 و 37.

[47]

” ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ” ولا ليرضى بنجاة ابنه ولو كان كافرا ماحضا في كفره، وهو (عليه السلام) القائل فيما دعا على قومه: ” رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ” (1) ولو رضي في ابنه بذلك لرضي بمثله في امرأته. ولذلك لم يجترئ (عليه السلام) على مسألة قاطعة، بل ألقى مسألته كالعارض المستفسر لعدم إحاطته بالعوامل المجتمعة واقعا على أمر ابنه، بل بدأ بالنداء باسم الرب لأنه مفتاح دعاء المربوب المحتاج السائل، ثم قال: ” إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق ” كأنه يقول: وهذا يقضي بنجاة ابني ” وأنت أحكم الحاكمين ” لا خطأ في أمرك ولا مغمض في حكمك فما أدري إلى م انجر أمره ؟ وهذا هو الأدب الإلهي أن يقف العبد على ما يعلمه، ولا يبادر إلى مسأله ما لا يدري وجه المصلحة فيه. فألقى نوح (عليه السلام) القول على وجد منه كما يدل عليه لفظ النداء في قوله: ” ونادى نوح ربه ” فذكر الوعد الإلهي ولما يزد عليه شيئا ولا سأل أمرا. فأدركته العصمة الإلهية وقطعت عليه الكلام، وفسر الله سبحانه له معنى قوله في الوعد: ” وأهلك ” أن المراد به الأهل الصالحون وليس الابن بصالح، وقد قال تعالى من قبل: ” ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ” وقد أخذ نوح (عليه السلام) بظاهر الأهل، وأن المستثنى منهم هو امرأته الكافرة فقط، ثم فرع عليه النهي عن السؤال فيما ليس له به علم، وهو سؤال نجاة ابنه على ما كان يلوح إليه كلامه أنه سيسألها. فانقطع عنه السؤال بهذا التأديب الإلهي، واستأنف (عليه السلام) بكلام آخر صورته صورة التوبة وحقيقته الشكر لما أنعم الله بهذا الأدب الذي هو من النعمة فقال: ” رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم ” فاستعاذ إلى ربه مما كان من طبع كلامه أن يسوقه إليه وهو سؤال نجاة ابنه ولا علم له بحقيقة حاله. ومن الدليل على أنه لم يقع منه سؤال بعد هو قوله: ” أعوذ بك أن أسألك…

(1) نوح: 26.

[48]

الخ ” ولم يقل: ” أعوذ بك من سؤال ما ليس لي به علم ” لتدل إضافة المصدر إلى فاعله وقوع الفعل منه. ” لا تسألن… الخ ” ولو كان سأله لكان من حق الكلام أن يقابل بالرد الصريح أو يقال مثلا: ” لا تعد إلى مثله ” كما وقع نظيره في موارد من كلامه تعالى كقوله: ” قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ” (1) وقوله: ” إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم – إلى أن قال: – يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا ” (2). ومن دعاء نوح (عليه السلام) ما حكاه الله تعالى بقوله: ” رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا ” (3) حكاه الله تعالى عنه في آخر سورة نوح بعد آيات كثيرة أوردها في حكاية شكواه (عليه السلام) الذي بثه لربه فيما جاهد به من دعوة قومه ليلا ونهارا فيما يقرب من ألف سنة من مدى حياته، وما قاساه من شدتهم وكابده من المحنة في جنب الله سبحانه، وبذل من نفسه مبلغ جهدها، وصرف منها في سبيل هدايتهم منتهى طوقها فلم ينفعهم دعاؤه إلا فرارا، ولم يزدهم نصحه إلا استكبارا. ولم يزل بعد ما بثه فيهم من النصيحة والموعظة الحسنة وقرعه أسماعهم من الحق والحقيقة، ويشكو إلى ربه ما واجهوه به من العناد والإصرار على الخطيئة، وقابلوه به من المكر والخديعة حتى هاج به الوجد والأسف وأخذته الغيرة الإلهية فدعا عليهم فقال: ” رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ” (4). وما ذكره من إضلالهم عباد الله إن تركهم الله على الأرض هو الذي ذكره عنهم في ضمن كلامه السابق المحكي عنه: ” وقد أضلوا كثيرا ” وقد أضلوا كثيرا من المؤمنين به فخاف إضلالهم الباقين منهم، وقوله: ” ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ” إخبار ببطلان استعداد أصلابهم وأرحامهم أن يخرج منها مؤمن، ذكره – وهو من

(1) الأعراف: 143. (2) النور: 15 – 17. (3) نوح: 28. (4) نوح: 26 و 27.

[49]

أخبار الغيب – عن تفرس نبوي ووحي إلهي. وإذا دعا على الكافرين لغيرة إلهية أخذته، وهو النبي الكريم أول من جاء بكتاب وشريعة، وانتهض لإنقاذ الدنيا من غمرة الوثنية ولم يلبه من المجتمع البشري إلا قليل – وهو قريب من ثمانين نسمة على ما في الأخبار – فكان من أدب هذا الموقف أن لا ينسى المؤمنين بربه الآخذين بدعوته، ويدعو لهم إلى يوم القيامة بالخير. فقال: ” رب اغفر لي ” فبدأ بنفسه لأن الكلام في معنى طلب المغفرة لمن يسلك سبيله فهو إمامهم وأمامهم ” ولوالدي ” وفيه دليل على إيمانهما ” ولمن دخل بيتي مؤمنا ” وهم المؤمنون به من أهل عصره ” وللمؤمنين والمؤمنات ” وهم جميع المؤمنين أهل التوحيد فإن قاطبتهم امته، ورهن منته إلى يوم القيامة، وهو أول من أقام الدعوة الدينية في الدنيا بكتاب وشريعة، ورفع أعلام التوحيد بين الناس، ولذلك حياه الله سبحانه بأفضل تحيته إذ قال: ” سلام على نوح في العالمين ” (1) فعليه السلام من نبي كريم كلما آمن بالله مؤمن، أو عمل له بعمل صالح، وكلما ذكر لله عز اسمه اسم، وكلما كان في الناس من الخير والسعادة رسم، فذلك كله من بركة دعوته، وذنابة نهضته صلى الله عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين أجمعين. ومن ذلك ما حكاه الله تعالى عن إبراهيم (عليه السلام) في محاجته قومه: ” قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين * الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثم يحيين * والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين * رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين * واجعل لي لسان صدق في الآخرين * واجعلني من ورثة جنة النعيم * واغفر لأبي إنه كان من الضالين * ولا تخزني يوم يبعثون ” (2). دعاء يدعو (عليه السلام) به لنفسه، ولأبيه عن موعدة وعدها إياه، وقد كان هذا أول

(1) الصافات: 79. (2) الشعراء: 75 – 87.

[50]

أمره ولم ييأس بعد من إيمان أبيه، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. وقد بدأ فيه بالثناء على ربه ثناء جميلا على ما هو أدب العبودية وهذا أول ثناء مفصل حكاه الله سبحانه عنه (عليه السلام) وما حكى عنه قبل ذلك ليس بهذا النحو كقوله: ” يا قوم إني برئ مما تشركون. إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ” (1) وقوله لأبيه: ” سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا ” (2). وقد استعمل (عليه السلام) من الأدب في ثنائه أن أتى بثناء جامع أدرج فيه عناية ربه به من بدء خلقه إلى أن يعود إلى ربه، وأقام فيه نفسه مقام الفقر والحاجة كلها، ولم يذكر لربه إلا الغنى والجود المحض، ومثل نفسه عبدا داخرا لا يقدر على شئ، وتقلبه المقدرة الإلهية حالا إلى حال من خلق ثم إطعام وسقي وشفاء عن مرض ثم إماتة ثم إحياء ثم إشخاص إلى جزاء يوم الجزاء، وليس له إلا الطاعة المحضة والطمع في غفران الخطيئة. ومن الأدب المراعى في بيانه نسبة المرض إلى نفسه في قوله: ” وإذا مرضت فهو يشفين ” لما أن نسبته إليه تعالى في مثل المقام وهو مقام الثناء لا يخلو عن شئ، والمرض وإن كان من جملة الحوادث وهي لا تخلو عن نسبة إليه تعالى، لكن الكلام ليس مسوقا لبيان حدوثه حتى ينسب إليه تعالى، بل لبيان أن الشفاء من المرض من رحمته وعنايته تعالى، ولذلك نسب المرض إلى نفسه والشفاء إلى ربه بدعوى أنه لا يصدر منه إلا الجميل. ثم أخذ في الدعاء واستعمل فيه من الأدب البارع أن ابتدأ باسم الرب وقصر مسألته على النعم الحقيقية الباقية من غير أن يلتفت إلى زخارف الدنيا الفانية، واختار مما اختاره ما هو أعظم وأفخم، فسأل الحكم وهو الشريعة واللحوق بالصالحين، وسأل لسان صدق في الآخرين وهو أن يبعث الله بعده زمانا بعد زمان وحينا بعد حين من يقوم بدعوته ويروج شريعته، وهو في الحقيقة سؤال أن يخصه بشريعة باقية إلى يوم القيامة، ثم سأل وراثة الجنة ومغفرة أبيه وعدم الخزي يوم

(1) الأنعام: 78 و 79. (2) مريم: 47.

[51]

القيامة. وقد أجابه الله تعالى إلى جميع ما سأله عنه على ما ينبئ به كلامه تعالى إلا دعاءه لأبيه، وحاشا رب العالمين أن يذكر دعاء عبد من عباده المكرمين مما ذهب سدى لم يستجبه، قال تعالى: ” ملة أبيكم إبراهيم ” (1) وقال: ” وجعلها كلمة باقية في عقبه ” (2) وقال: ” ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ” (3) وحياه بسلام عام إذ قال: ” سلام على إبراهيم ” (4). وسير التاريخ بعده (عليه السلام) يصدق جميع ما ذكره القرآن الشريف من محامده وأثنى فيه عليه، فإنه (عليه السلام) هو النبي الكريم قام وحده بدين التوحيد وإحياء ملة الفطرة، وانتهض لهدم أركان الوثنية، وكسر الأصنام على حين اندرست فيه آيات التوحيد، وعفت الأيام فيها رسوم النبوة، ونسيت الدنيا اسم نوح والكرام من أنبياء الله، فأقام دين الفطرة على ساق، وبث دعوة التوحيد بين الناس، ودين التوحيد حتى اليوم، وقد مضى من زمنه ما يقرب من أربعة آلاف سنة حي باسمه باق في عقبه، فإن الذي تعرفه الدنيا من دين التوحيد هو دين اليهود ونبيهم موسى، ودين النصارى ونبيهم عيسى، وهما من آل إسرائيل يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (عليهم السلام)، ودين الإسلام والذي بعث به محمد (صلى الله عليه وآله) وهو من ذرية إسماعيل بن إبراهيم (عليهما السلام). ومما ذكره الله من دعائه قوله: ” رب هب لي من الصالحين ” (5) يسأل الله فيه ولدا صالحا، وفيه اعتصام بربه، وإصلاح لمسألته التي هي بوجه دنيوية بوصف الصلاح ليعود إلى جهة الله وارتضائه. ومما ذكره تعالى من دعائه ما دعا به حين قدم إلى أرض مكة وقد أسكن إسماعيل وامه بها، قال تعالى: ” وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فامتعه قليلا ثم

(1) الحج: 78. (2) الزخرف: 28. (3) البقرة: 130. (4) الصافات: 109. (5) الصافات: 100.

[52]

أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير ” (1). يسأل ربه أن يتخذ أرض مكة – وهي يومئذ أرض قفرة وواد غير ذي زرع – حرما لنفسه ليجمع بذلك شمل الدين، ويكون ذلك رابطة أرضية جسمانية بين الناس وبين ربهم يقصدونه لعبادة ربهم، ويتوجهون إليه في مناسكهم، ويراعون حرمته فيما بينهم، فيكون ذلك آية باقية خالدة لله في الأرض يذكر الله كل من ذكره، ويقصده كل من قصده، وتتشخص به الوجهة، وتتحد به الكلمة. والدليل على أنه (عليه السلام) يريد بالأمن الأمن التشريعي الذي هو معنى اتخاذه حرما دون الأمن الخارجي من وقوع المقاتلات والحروب وسائر الحوادث المفسدة للأمن المخلة بالرفاهية قوله تعالى: ” أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شئ ” (2) فإن في الآية امتنانا عليهم بأمن الحرم وهو المكان الذي احترمه الله لنفسه، فاتصف بالأمن من جهة ما احترمه الناس لا من جهة عامل تكويني يقيه من الفساد والقتل، والآية نزلت وقد شاهدت مكة حروبا مبيدة بين قريش وجرهم فيها، وكذا من القتل والجور والفساد ما لا يحصى، وكذا قوله تعالى: ” أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ” (3) أي لا يتخطفون في الحرام لاحترام الناس إياه لمكان الحرمة التي جعلناها. وبالجملة: كان مطلوبه (عليه السلام) هو أن يكون لله في الأرض حرم تسكنه ذرية، وكان لا يحصل ذلك إلا ببناء بلد يقصده الناس من كل جانب فيكون مجمعا دينيا يؤمونه بالسكونة واللواذ والزيارة إلى يوم القيامة فلذلك سأل أن يجعله بلدا آمنا، وقد كان غير ذي زرع فسأل أن يرزقهم من الثمرات حتى يعمر بسكانه ولا يتفرقوا منه. ثم لما أحس أن دعاءه بهذا التشريف يشمل المؤمن والكافر قيد مسألته بإيمان المدعو لهم بالله واليوم الآخر فقال: ” من آمن منهم بالله واليوم الآخر ” وأما

(1) البقرة: 126. (2) القصص: 57. (3) العنكبوت: 67.

شاهد أيضاً

الأضحية أهميتها ومسائلها – سيد مصطفى الزلزلة