الرئيسية / مقالات / عدالة الصحابة في القرأن والسنة والواقع التاريخي بقلم سالم الصباغ

عدالة الصحابة في القرأن والسنة والواقع التاريخي بقلم سالم الصباغ

من كتاب إمامة أهل البيت في القرأن

الفصل الثالث

السنة النبوية

بين الصحابة وأهل البيت ( عليهم السلام )

أهل السنة يبنون مذهبهم علي الأحاديث التي رواها الصحابة عن الرسول الأعظم صلي الله علية وآلة وسلم .. واعتمدوا علي هذه القاعدة  ( كل الصحابة عدول ) أي عدالة جميع الصحابة ..

وتعريف الصحابة عندهم ( هو كل من رأى الرسول ولو مرة وسمع منه ولو كلمة وآمن به ) علي تضييق أو توسيع في هذا المفهوم بين علمائهم.

أما أهل الشيعة فيبنون مذهبهم علي أحاديث وأقوال أهل البيـت ( عليهم السلام ) واعتمدوا لذلك قاعدة أو عقـيدة ( عصمة آل البيت عليهم السلام ) والمقصود بأهل البيت (عليهم السلام ) فاطمة الزهراء واثني عشر إماماً أولهم علي (عليه السلام) وأحد عشر من أولاد فاطمة ( عليها السلام ) آخرهم المهدي (عجل الله فرجه ).

وسوف نناقش في هذا البحث المختصر هاتين القاضيتين .

 

القضية الأولي ” عدالة الصحابة “

يعتمد بعض أهل السنة في إثبات ذلك علي بعض الآيات القرآنية العامة والتي تمدح المهاجرين والأنصار، ولكن في الحقيقة هذه النظرية ( أي عدالة الصحابة ) تتعارض مع كثير من :

  الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والواقع التاريخي

أولاً تعارض نظرية عدالة جميع الصحابة مع القرآن :

(1) سوره المنافقون  يقول تعالي :

( إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُون )  الآية1

لاحظ أن هؤلاء المنافقون ممن يطلق عليهم لفظ (الصحابة)  ولفظ (مسلم) لشهادتهم للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم ) بالرسالة ومع ذلك ” شهد الله ” أنهم (كَاذِبُونَ) لاحظ وصف الله لهم بأنهم (كَاذِبُونَ ) ولم يستخدم صفه أخرى بأنهم مثلا ضالون .. أو مجرمون بل تعمد القرآن استخدام لفظ (كَاذِبُونَ ) لان الكذب آفة الحديث .. استخدم أيضا لفظ ” يَشْهَدُ ” ولم يقل ” يعلم ” مثلا .. لأنه إذا شهد الله علي هؤلاء ( بالمنافقين ) وشهد غيرهم عليهم ( بالعدالة ) فأي الشهادتين تقبل .. ؟!

(2) سورة الجمعة : يقول تعالي :

( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) الآية 11.

ومما لاشك فيه أن هؤلاء من الصحابة لأنهم كانوا يصلون الجمعة مع الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم ) وعندما جاء التجار ببضاعتهم وسمع الصحابة أصوات مزاميرهم تنادي عليها تركوا الرسول  (صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو يخطب وخرجوا يبحثون عن اللهو والتجارة .

بالله عليك هل يمكن أن يحدث هذا الفعل من المسلمين في أي مسجد أو حتى زاوية صغيرة وفي هذا العصر الذي ابتعد فيه المسلمون عن تعاليم دينهم ؟!!!   أعتقد أنني لم أسمع به ..

وهل يمكن اعتبار هؤلاء الصحابة ” عدول ” ؟

(3) سورة التوبة : ولقد سماها بعض الصحابة ” الفاضحة ” لأنها فضحت كثير من الصحابة .. وهذه بعض آياتها :

أ- (  لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) الآية 42

لاحظ الوصف ” كَاذِبُونَ ” وهل يقبل من كاذب حديثاً ؟ ولاحظ حلفهم بالله كذباً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم  ) ألا يعلمون بنبوته وأنه يأتيه الوحي بالغيب ؟

ب- ( وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) الآية 49

ج- ( إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ ) الآية 50 .

هل نأخذ ديننا من الذين يفرحون بالمصيبة التي تصيب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ويحزنون للحسنة التي تصيبه؟

د- ( قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ )  الآية 53

ه- ( وَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ) الآية 56

و- ( وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ) الآية 58

والحقيقة إن سورة التوبة تتحدث عن كثير من حقائق بعض من كانوا يسمون ” الصحابة ” وتفضح تصرفاتهم الظاهرية والباطنية .. ولنعلم كم عاني الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من هؤلاء المنافقين المحيطين به وهو يدعوهم إلي الهدى والي الجنة .. وهم يأبون ذلك.. فأرجوا الرجوع إلي قراءة السورة الكريمة والتدبر فيها .

وقد يقول قائل: ” إن هذه الآيات قد نزلت في المنافقين .. ” أقول ونحن نقول ذلك ولكن كيف نعرف المنافقين في الصحابة من غيرهم المؤمنين الصادقين المخلصين لله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟!

يقول تعالي : ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ )  101 التوبة

يدل ذلك علي أنه من الصعب بل من المستحيل إن نعرف من هم المنافقين حتى نحذرهم ونميزهم عن باقي الصحابة الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه ، وإذ كان النفاق موجود فيمن كان يصلي خلف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ويحارب معه .. فكيف بكل من رآه ولو مرة وسمع منه ولو كلمة .

ولذلك كان لابد من وجود فئة مؤمنة مخلصة طاهرة مطهرة معروفة اسما وصفة معصومة من الخطأ والكذب حتى يبلغوا الأمة معالم دينها ..

وهؤلاء هم ( أهل البيت ) “عليهم السلام” كما سنرى عندما نناقش عصمة  ( أهل البيت عليهم السلام) البديل عن (عدالة الصحابة) .

 

ثانياً : تعارض نظرية عدالة الصحابة مع السنة النبوية الشريفة:

لم تأتي السنة النبوية بتعريف يعتبر تعريفاً شرعياً أو مصطلحاً  لكلمة “الصحابة” .. رغم ان البناء المذهبي لأهل السنة مبني علي أساس نظرية أطلق عليها ” عدالة الصحابة ” .. وتعريف الصحابة ليس تعريفاً ” شرعياً ” ولكنة تعريفا اجتهادياً من علماء السنة .

يقول ابن حجر في كتابة الإصابة ناقلاً عن أحدهم: إن عدالة جميع الصحابة ثابتة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم وأختياره لهم علي حد تعبيره .

فمن ذلك قولة تعالي : (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) وقولة تعالي : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاًً) وقول (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ)

وقولة تعالي : (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ) …. ونحو ذلك من الآيات .

وواضح إن هذه الآيات الكريمة لم تنزل في جميع الصحابة بل هي خاصة ببعضهم دون بعض

والدليل علي ذلك ما سبق إن ذكرناه من الآيات في الفصل السابق مثل آيات ” سورة المنافقون ” وآيات سورة ” الجمعة” وآيات سورة ” التوبة ” وغيرها كثيراً ، إذا فالصحابة جيل ككل الأجيال منهم ” المؤمنون” ومنهم ” المنافقون” الذين يندسون في وسطهم ” لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ “.

ولقد قال البخاري في تعريفه للصحابي في صحيحه : من صحب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أو رآه من المسلمين فهو من الصحابة ” ،  فهل جميع الصحابة بهذا المعنى عدول؟

ومع ذلك فلقد تحدث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) مستخدماً لفظ ” أصحابي ” ليحدثنا عن البعض منهم الذي بدَّل وغيَّر وأحْدَث بعد انتقال الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم ) .. ففي صحيح البخاري قوله (صلى الله عليه وآله وسلم ): ( أنا فرطكم علي الحوض وليرفعن رجال منكم ثم ليختلجن دوني فأقول يا رب أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك )

وفيه أيضا : ( إن أناساً من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول أصحابي أصحابي فيقول مازالوا مرتدين علي أعقابهم منذ فارقتهم فأقول كما قال العبد الصالح : وكنت شهيداً عليهم ما دمت فيهم ….. إلخ ).

لاحظ في الحديث الشريف ثلاث كلمات

   أصحابي … أصحابي ، ما زالوا مرتدين منذ فارقتهم

وارتباطها بالآية الكريمة ” وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ…”

لاحظ الارتباط بين ” أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ” في الآية وكلمة ” فارقتهم ” في الحديث .

ولاحظ الارتباط بين ” انقَلَبْتُمْ ” في الآية وكلمة ” مرتدين” في الحديث .

وفي مسلم أيضاً عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( إن في أصحابي اثني عشر منافقاً منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ) .

وفى تاريخ البخاري ومسند أحمد عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم )  قال ( إن منكم منافقين فمن سميته فليقم ! فقام ستة وثلاثون فقال: ان فيكم فسلوا الله العافية فمر عمر برجل متقنع كان يعرفه فقال ما شأنك ؟ فأخبره بما قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) فقال: بعدا لك سائر اليوم ) .

  • بالتأمل في الأحاديث المذكورة نجد أن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم ) استخدم لفظ “أصحابي” لوصف بعض من أحدثوا وبدلوا وارتدوا من بعده .. ولم يستخدم ألفاظاً أخرى مثل ” إن في أمتي ” .. أو إن منكم .. أو ” إن بعضكم ” ..

لعله لعلم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) باستبدال ” كل أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ” بأهل بيته (عليهم السلام) الذين طهرهم الله وأذهب عنهم الرجس وحددهم بالأسماء ، ولعل ذلك أيضا من دلائل النبوة .. لأنه ما افترقت الأمة على شيء مثل افتراقها على موضوع ” الصحابة وأهل البيت (عليهم السلام) ” .

وسوف نجد في المقابل أن القرآن تحدث في آيات كثيرة عن ” أهل البيت (عليهم السلام) ” وكذلك اهتمت السنة الشريفة ببيان مقاماتهم ومكانتهم بل وحددتهم بالأسماء والصفات وبوضع كساء حولهم .. ومنع غيرهم من الدخول تحت الكساء حتى لو كانت إحدى أمهات المؤمنين الفضليات بل وحدد عددهم .. وأمر بالصلاة عليهم في التشهد .. وغير ذلك فيما سيتم توضيحه فيما بعد .

2- إن وجود عدداً من المنافقين .. بل وبعض أصحاب الذنوب الذين ذكرتهم سوره التوبة بعدة أوصاف مثل إنهم “كَاذِبُونَ” في الآية 43

ووصفهم بأنهم “فاسقون” في الآية 53

ووصفهم بأنهم ليسوا من المؤمنين “وَمَا هُم مِّنكُمْ ” في الآية 56

وغير ذلك من الصفات التي وردت في سورة الجمعة وغيرها من السور .

إن هذه الصفات لبعض من يتسمون بالصحابة تجعل من الضروري إجراء قواعد الجرح والتعديل عليهم كباقي رواه الأحاديث وهذا ما لم يأخذ به علماء السنة .

3- إن وجود هذا العدد من المنافقين أو أصحاب الذنوب ضمن صحابة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) يحتم وجود بديل لنظرية ” عدالة الصحابة ” بمعني وجود فئة من الصحابة معروفة بصفاتها بل وأسمائها وعدالتها بل وعصمتها ليكونوا وسائط بين الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين الناس وهذه الفئة هم  ” أهل البيت(عليهم السلام) ” كما سنري في الفصول القادمة .

ولنضرب مثلاً لذلك :

لو إن رجلاً غنياً يمتلك مجموعة من المنازل والحدائق وله وسطاء يبيعونها للناس وليكونوا عشرة وسطاء مثلاً، وقيل لكم إن أحدهم كاذب فهل تغامر وتدفع مالك لأحد من العشرة خاصة إذا كان هذا المال هو كل ما تمتلك ؟

أم انك ستذهب إلي وسطاء معروفون كلهم بالأمانة والطهر والصدق لا يختلف علي ذلك اثنين وتشتري منهم ؟

بالطبع سوف نترك الوسطاء في الحالة الأولى رغم أن فيهم كاذب واحد وسوف نتجه إلى الوسطاء في الحالة الثانية حتى لو كان الناس الذين يتوجهون إليهم قليلاً .. والذين يتوجهون إلي الوسطاء في الحالة الثانية كثيراً ..

هذا في أمور الدنيا فما بالك إذا كان الشيء الذي ستشتريه هو دينك ومصيرك والثمن النفس والمال ..!!

يقول تعالي ” إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ” 111 التوبة .

إذن فلم يذكر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أسماء المنافقين من بين الصحابة؟

حتى تسقط نظرية ” عدالة الصحابة كلهم أجمعون ” وإن بقيت لأفراد الصحابة كل حسب حالته ومع ذلك فقد ذكر أسماء ستة وثلاثون من المنافقين ولكن لا ندرى أين ذهبت هذه الأسماء ؟ ولماذا لم يحتفظ لنا التاريخ بأسمائهم في أمه اشتهرت بالحفظ حتى نحذرهم ؟ !!

إن جيل الصحابة هم الذين أقاموا الدين بجهادهم ودمائهم وأموالهم .. هم الذين هاجروا وهم الذين آووه ونصروا .. وهم أشداء علي الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً .. وهم الذين يؤثرون علي أنفسهم ولو كان بهم خصاصة وقد قاموا بدورهم .. وعند الله أجرهم ..

وفيهم بعض المنافقين المندسين .. ومنهم قلة من أصحاب الذنوب .. والذين في قلوبهم مرض .. لا يقلل ذلك من شأنهم ولا من فضلهم .. ولكن ذلك شيء .. وكونهم كلهم أجمعون وسطاء بين الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين الناس لتبليغ الدين وهداية الخلق فهذا شيء آخر .

لأن تبليغ الدين وإيصال حقائقه إلي الناس يحتاج إلي مؤهلات أخرى بجوار الصحبة ولا تكفي الصحبة فقط .

   يقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في( نهج البلاغة ) في خطبة له يوضح فيها الالتباس والفتنة التي وقع فيها الناس في موضوع الصحابة .

الخطبة رقم 210 من نهج البلاغة ص472 شرح الشيخ محمد عبده

وقد سأله سائل عن أحاديث البدع وعما في أيدي الناس من اختلاف الخبر فقال ( عليه السلام) :  [إِنَّ فِي أَيْدِي النَّاسِ حَقّاً وَبَاطِلًا وَصِدْقاً وَكَذِباً وَنَاسِخاً وَمَنْسُوخاً وَعَامّاً وَخَاصّاً وَمُحْكَماً وَمُتَشَابِهاً وَحِفْظاً وَوَهْماً وَلَقَدْ كُذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله عَلَى عَهْدِهِ حَتَّى قَامَ خَطِيباً فَقَالَ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ وَإِنَّمَا أَتَاكَ بِالْحَدِيثِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ لَيْسَ لَهُمْ خَامِسٌ .

  • رَجُلٌ مُنَافِقٌ مُظْهِرٌ لِلْإِيمَانِ مُتَصَنِّعٌ بِالْإِسْلَامِ لَا يَتَأَثَّمُ وَلَا يَتَحَرَّجُ ، يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه وآله ) مُتَعَمِّداً فَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ مُنَافِقٌ كَاذِبٌ لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ وَلَمْ يُصَدِّقُوا قَوْلَهُ وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله رَآهُ وَسَمِعَ مِنْهُ وَلَقِفَ عَنْهُ فَيَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ وَقَدْ أَخْبَرَكَ اللَّهُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ بِمَا أَخْبَرَكَ وَوَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ لَكَ ثُمَّ بَقُوا بَعْدَهُ فَتَقَرَّبُوا إِلَى أَئِمَّةِ الضَّلَالَةِ وَالدُّعَاةِ إِلَى النَّارِ بِالزُّورِ وَالْبُهْتَانِ فَوَلَّوْهُمُ الْأَعْمَالَ وَجَعَلُوهُمْ حُكَّاماً عَلَى رِقَابِ النَّاسِ فَأَكَلُوا بِهِمُ الدُّنْيَا وَإِنَّمَا النَّاسُ مَعَ الْمُلُوكِ وَالدُّنْيَا إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ فَهَذَا أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ .
  • وَرَجُلٌ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ شَيْئاً لَمْ يَحْفَظْهُ عَلَى وَجْهِهِ فَوَهِمَ فِيهِ وَلَمْ يَتَعَمَّدْ كَذِباً فَهُوَ فِي يَدَيْهِ وَيَرْوِيهِ وَيَعْمَلُ بِهِ وَيَقُولُ أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله فَلَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ وَهِمَ فِيهِ لَمْ يَقْبَلُوهُ مِنْهُ وَلَوْ عَلِمَ هُوَ أَنَّهُ كَذَلِكَ لَرَفَضَهُ .
  • وَرَجُلٌ ثَالِثٌ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله شَيْئاً يَأْمُرُ بِهِ ثُمَّ إِنَّهُ نَهَى عَنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَوْ سَمِعَهُ يَنْهَى عَنْ شَيْ‏ءٍ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَحَفِظَ الْمَنْسُوخَ وَلَمْ يَحْفَظِ النَّاسِخَ فَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضَهُ وَلَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ إِذْ سَمِعُوهُ مِنْهُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضُوهُ .
  • وَآخَرُ رَابِعٌ لَمْ يَكْذِبْ عَلَى اللَّهِ وَلَا عَلَى رَسُولِهِ مُبْغِضٌ لِلْكَذِبِ خَوْفاً مِنَ اللَّهِ وَتَعْظِيماً لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وَلَمْ يَهِمْ بَلْ حَفِظَ مَا سَمِعَ عَلَى وَجْهِهِ فَجَاءَ بِهِ عَلَى مَا سَمِعَهُ لَمْ يَزِدْ فِيهِ وَلَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ فَهُوَ حَفِظَ النَّاسِخَ فَعَمِلَ بِهِ وَحَفِظَ الْمَنْسُوخَ فَجَنَّبَ عَنْهُ وَعَرَفَ الْخَاصَّ وَالْعَامَّ وَالْمُحْكَمَ وَالْمُتَشَابِهَ فَوَضَعَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ مَوْضِعَهُ وَقَدْ كَانَ يَكُونُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله الْكَلَامُ لَهُ وَجْهَانِ فَكَلَامٌ خَاصٌّ وَكَلَامٌ عَامٌّ فَيَسْمَعُهُ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَا عَنَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهِ وَلَا مَا عَنَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله فَيَحْمِلُهُ السَّامِعُ وَيُوَجِّهُهُ عَلَى غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِمَعْنَاهُ وَمَا قُصِدَ بِهِ وَمَا خَرَجَ مِنْ أَجْلِهِ وَلَيْسَ كُلُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله مَنْ كَانَ يَسْأَلُهُ وَيَسْتَفْهِمُهُ حَتَّى إِنْ كَانُوا لَيُحِبُّونَ أَنْ يَجِي‏ءَ الْأَعْرَابِيُّ وَالطَّارِئُ فَيَسْأَلَهُ عليه السلام حَتَّى يَسْمَعُوا وَكَانَ لَا يَمُرُّ بِي مِنْ ذَلِكَ شَيْ‏ءٌ إِلَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ وَحَفِظْتُهُ فَهَذِهِ وُجُوهُ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ فِي اخْتِلَافِهِمْ وَعِلَلِهِمْ فِي رِوَايَاتِهِمْ ].

 

   تعليق علي الخطبة

قسَّمَ أمير المؤمنين علي (عليه السلام) الصحابة من ناحية رواياتهم للحديث إلي أربعة أقسام :

1) رجل منافق يكذب علي الله ورسوله .

2) رجل سمع شيئاً لم يحفظه على وجهه بل وهم فيه .

3) رجل سمع المنسوخ وحفظهُ ولم يسمع الناسخ .

4) رجل سمع الحديث ولم يكذب ولم يهم وعرف المنسوخ من الناسخ والمحكم والمتشابه .

وبعد أن قسَّم (عليه السلام) وبيَّن هؤلاء الأربعة، أشار إلي رجل خامس وهو نفسه (عليه السلام) الذي يفهم من حديث الرسول صلي الله عليه وآله ما لم يفهمه هؤلاء الأربعة ضارباً مثلاً بأن الكلام منه عام وخاص وأنه كان يسأل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ويحفظ عنه في حين أن باقي الصحابة أو أكثرهم لم يكونوا يسألوه .

بعد هذا التوضيح من أمير المؤمنين (عليه السلام) كيف نقبل الأحاديث التي رواها أي صحابي ؟ .. وكيف نقول أنهم كلهم عدول ؟ ..

وهل لم يترك الله سبحانه وتعالى بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حافظاً لدينه من الضياع والتبديل والتحريف .. مَرَاجعاً لدينه حافظين له ، وعَرَّفهم للناس حتى يأخذوا منهم معالم دينهم ..

   هذا ما تقول به مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) الذين طهرهم الله وأذهب عنهم الرجس .

 

 

شاهد أيضاً

صور متنوعة ولائية