وقد سموايحيى بالعبرية: يوحنا ، وهو مركب من يهو حنن ، أي حَنَّ الله . وعبر عنه الله تعالى بقوله:وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا. وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا. ومعناه جعلناه حنوناً وأعطيناه حناناً ، وهذا من حنان الله تعالى .
وقوله تعالى:لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا.أي احتفظ له بهذا الإسم ، ولآخرَ يكون بعده وهو الحسين (ع) ، كما ورد في الرواية .
ويسمى عند المسيحية يوحنا ، وقد اشتهرت بهذا الإسم شخصيتان: يوحنا بن زبدي كاتب الإنجيل ، ويعرف بيوحنا الإنجيلي. ويوحنا بن زكريا، ويعرف بيوحنا المعمداني،لأنه كان يُعَمِّد الناس، أي يعلمهم غسل التوبة والتطهر ، وقد عَمَّدَ المسيح (ع) في نهر الأردن ، أو في بحيرة طبرية .
وفي روايات الشيعة والسنة تفاوتٌ واختلافٌ في تسلسل حياة أنبياء الله زكريا ويحيى وعيسى وشمعون الصفا (ع) ، وكيف تسلسلت الوصية فيهم؟ فقد رويَ أن يحيى (ع) استشهد هو وأبوه زكريا ، في حياة عيسى (ع) ،لكن القرآن ينص على أن يحيى ورث أباه (ع) ورويناأن عيسى أوصى الى شمعون الصفا ، وأوصى شمعون الى يحيى، ثم أوصى يحيى الى المنذر بن شمعون الصفا (ع) .
وقيل إن يحيى قتل في حياة أبيه ولم يرثه ، لأن زكريا طلب أن يفجع بولده ليواسي نبينا (ص) لبفجيعته بولده الحسين (ع) . ورويت مقابلهاصور أخرى !
وقد أشار السيد الأمين في أعيان الشيعة (2/594) الى هذا التفاوت ولم يبحثه، وبحثه المحقق البحراني (قدس سره) في الدرر النجفية (3/379) فأورد جواب الشيخ أحمدبنعبدالسلامالبحراني (رحمه الله) علىمجيئ عيسى الى قبر يحيى (ع) وقال إنه وقع بعد صعود عيسى (ع) الى السماء. ثم صحح المحقق البحراني (قدس سره) حديث الكافي في وصية زكريا الى يحيى (ع) . لكنه مع ذلك قوَّى رواية أن يحيى قتل في حياة أبيه ، لأنه طلب من الله تعالى أن يفجعه به . فما هو المعتمد في ذلك ؟
رأي المصادر المسيحية
ذكرت المصادر المسيحية أن يحيى قُتل في حياة عيسى، ثم قتل أبوه زكريا (ع) ، ولا تجد تاريخاً مقنعاً للوقتالذي قتل فيه (ع) مع أن قاتل يحيى معروف وهو هيرودس أنتيباس،فهل قتله في أول حكمه لفلسطين ، أوفي آخره؟
( فالمعمدان هوالسابق ليسوع في ولادته ورسالته وحياته وموته. وما حدث للمعمدان سوف يحدث ليسوع. ويبدو أن يسوع يرى كما في مرآة مصيره في حياة يوحنا المعمدان. ففي (4: 12) وبعد أن وُضع يوحنا في السجناعتزل يسوع،وهنا حين عرف بموت يوحنا المعمداناعتزل أيضاً: لم تأت ساعته بعد، فهو ينتظر الوقت التي فيها يواجه الآلام التي تنتظره، وستكون مناسبات أخرى فيها يهرب يسوع. في (15: 21) ذهب إلى منطقة صور وصيدا، وفي هذا الخطنجد الوضع ذاته في انجيل يوحنا (8: 59؛ 11: 54)،مات يوحنا ولكن تلاميذه ظلوا أمناء له ، وسوف نراهم في سفر الأعمال (19: 1-7).
قال في قاموسالكتابالمقدس/1011: ( هيرودسأنتيباس: هوالإبنالثانيلهيرودوسالكبيرمنزوجتهالرابعةالسامريةملثاكي،لذلكفإننصفهأدوميونصفهسامري . تثقففيروماثمعادوعينحاكماًعلىالجليل، بينمانالأخوهوراثةالعرشفتنافسوإياهطويلاً. وفيهذهالأثناءحارببعضأعدائه، وبنىعدةأماكنأشهرهامدينةطبريا. ولماجلسعلىالعرشاتسعتمطالبه،حتىحملتهامرأتهعلىالذهابإلىروماليطلبأنيمنحلقبملك . وهناكغضبعليهالأمبراطوركاليجولاونفاهإلىليون،ثمإلىإسبانيا .
وأنباءهيرودسانتيباسليستقليلةفيالكتابالمقدس،فهوالذيتزوجبامرأةأخيههيروديا،ونالتوبيخيوحناالمعمدانحتىقطعرأسه وقدمههديةلسالومهابنةهيروديا (مر 6: 16- 28 ) وكانهيرودسواحداًمنالقضاةالذينمثليسوعأمامهم ، وأخذيجادليسوعويسأله ( لو23: 7-12واع 4: 27). وذكرفيالكتابأنهيرودسظنأنيوحناقدقاممنالأموات ( مر 6: 16 ) وهوالذيسماهيسوعثعلباً( لو 13: 32 ) وكانزمنملكهمن4 ق.م. إلى 39 م.).
الرأي الصحيح
الصحيح أن يحيى كان حياً بعد بطرس (ع) لأنه كان وصيه ، ثم أوصى الى المنذر بن بطرس . لهذا لا يصح أن يكون هيرودس حاكماً إلا بعد الستين ميلادية.فقوله تعالى: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِي مِنْ وَرَائِى وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِ وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا. يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّاً.نصٌّ على طلب زكريا أن يرثه يحيى، وقد استجاب الله له ، فلا بد أن يكون ورثه يحيى (ع) ومات بعده لا قبله . وقد شرح ذلك الإمام الباقر (ع) في الحديث الصحيح عنيزيدالكناسيقال: (سألتأباجعفر (ع) أكانعيسىبنمريم (ع) حينتكلمفيالمهدحجةًللهعلىأهلزمانه؟فقال: كانيومئذنبياًحجةللهغيرمرسل،أماتسمعلقولهحينقال: قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّه آتَانِىَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا . وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِى بِالصَّلاةِ وَالزَّكَوةِ مَا دُمْتُ حَيًّا.قلت: فكانيومئذحجةللهعلىزكريافيتلكالحالوهوفيالمهد؟فقال: كانعيسىفيتلكالحالآيةًللناسورحمةًمن الله لمريمحينتكلمفعبرعنها، وكاننبياًحجةعلىمنسمعكلامهفيتلكالحال،ثمصمتفلميتكلمحتىمضتلهسنتان،وكانزكرياالحجةللهعزوجلعلىالناسبعدصمتعيسىبسنتين . ثمماتزكريافورثهابنهيحيىالكتابوالحكمةوهوصبيصغير،أماتسمعلقولهعزوجل: يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً.فلما بلغعيسى (ع) سبعسنينتكلمبالنبوةوالرسالةحينأوحى الله تعالىإليهفكانعيسىالحجةعلىيحيىوعلىالناسأجمعين،وليستبقىالأرضياأباخالديوماًواحداًبغيرحجةللهعلىالناس،منذيومخلق الله آدم (ع) وأسكنهالأرض . فقلت: جعلتفداكأكانعلي (ع) حجةمناللهورسولهعلىهذهالأمةفيحياةرسولالله (ص) ؟فقال: نعميومأقامهللناسونصبهعلماً،ودعاهمإلىولايتهوأمرهمبطاعته.قلت: وكانتطاعةعلي (ع) واجبةعلىالناسفيحياةرسول الله (ص) وبعدوفاته؟فقال: نعم،ولكنهصمتفلميتكلممعرسولالله (ص) وكانتالطاعةلرسول الله علىأمتهوعلىعلي (ع) فيحياةرسولالله (ص) ،وكانتالطاعةمناللهومنرسولهعلىالناسكلهملعلي (ع) بعدوفاةرسولالله (ص) وكانعلي (ع) حكيماعالماً ).(الكافي:1/382 ).
وعليه، فقد استشهد زكريا في حياة عيسى (ع) ، فورثه ابنه يحيى (ع) وآتاه الله الحكم صبياً . فلما بلغ عيسى (ع) سبع سنين أرسله الله وأنهى رسالة يحيى(ع) ، فصار تابعاً لعيسىيدعو الى الإيمان به وطاعته ، وكان عمله في منطقة بحيرة طبرية كما يظهر ، لأنه دعاشمعون الصفا وإخوته الى طاعة المسيح فآمنوا به ، ثم صار شمعون وصيه .
ويؤيد ذلك احتجاج الزهراء (س) على أبي بكر، كما في الإختصاص/183، عن الإمام الصادق (ع) ، بسند صحيح ، قال:( لماقبضرسولالله (ص) وجلسأبوبكرمجلسهبعثإلىوكيلفاطمةصلوات الله عليهافأخرجهمنفدك، فأتتهفاطمة (س) فقالت: ياأبابكرادعيتأنكخليفةأبيوجلستمجلسه،وإنكبعثتإلىوكيليفأخرجتهمنفدك،وقدتعلمأنرسولالله (ص) صدَّقبهاعليَّ، وأنليبذلكشهوداً،فقاللها: إنالنبيلايورث !فرجعتإلىعلي (ع) فأخبرتهفقال: إرجعيإليهوقوليله: زعمتأنالنبي (ص) لايورثوورثسليمانداود، وورثيحيىزكريا، وكيفلاأرثأناأبي؟
وفي بصائرالدرجات/158: (دخلتعلىأبيالحسنالرضا (ع) وقدولدلهأبوجعفر (ع) فقال:إن الله قدوهبليمنيرثنيويرثآلداود ) .
فقد استشهد بالآية التي فيها وراثة يحيى لزكريا (ع) .
ويظهر أن يحيى (ع) كان يتحرك في فلسطين وغيرها ، لأنه عَرَّفَ شمعون الصفا وإخوته وغيرهم للمسيح (ع) وهم من طبرية وكفرناحوم،ثم حبس في قلعة هناك.
وفي قاموسالكتابالمقدس/832: (ماكيروس: لمتذكرفيالكتابالمقدسإلاأنيوسيفوسيذكرأنهاالموضعالذيفيهقطعرأسيوحناالمعمدان . وهيقلعةعندالمكور، شرقيالبحرالميت ( مر 6: 21 – 29 ) .
ويظهر أن الصابئة المندائيين أتباع يحيى (ع) يعتبرون أنهكان يعيش على ضفاف طبرية أو نهر الأردن ، لأنهم لا يعيشون إلا على ضفاف المياه .
كما يؤيد ماذكرناه رواية تذكر أن قتل يحيى (ع) كان بعد قتل شمعون الصفا (ع) بثمان سنوات، ففي كمال الدين/226، من حديث النبي (ص) : (فلماأرادأنيرفعهأوحى إليهأنيستودعنوراللهوحكمتهوعلمكتابهشمعونبنحمونالصفاخليفتهعلىالمؤمنين ، ففعلذلك، فلميزلشمعونيقومبأمراللهعزوجلويحتذيبجميعمقالعيسى (ع) فيقومهمنبنيإسرائيلويجاهدالكفار،فمنأطاعهوآمنبهوبماجاءبهكان مؤمناً،ومنجحدهوعصاهكانكافراً، حتىاستخلصربناتباركوتعالىوبعثفيعبادهنبياً منالصالحين، وهويحيىبنزكريا (ع) ثمقبضشمعون،وملكعندذلكأردشيربنبابكان أربععشـرةسنةوعشرةأشهر،وفيثمانيسنينمنملكهقتلتاليهوديحيىبنزكريا (ع) ، فلماأراداللهعزوجلأنيقبضهأوحىإليهأنيجعلالوصيةفيولدشمعون ، ويأمرالحواريينوأصحابعيسىبالقياممعه،ففعلذلكوعندهاملكسابوربنأردشير ثلاثينسنةحتىقتلهالله، وعِلْمُاللهونورهوتفصيلحكمتهفيذريةيعقوببنشمعون ، ومعهالحواريونمنأصحابعيسى (ع) ،وعندذلكملكبختنصـرمائةسنةوسبعاًوثمانينسنة،وقتلمناليهودسبعينألفمقاتلعلىدميحيىبنزكريا، وخَرَّبَبيت المقدس،وتفرقتاليهودفيالبلدان ) .
وفي الرواية مبالغة في مدة حكم بختنصر أو خلل في نسخها ، لذلك اعتبرناها مؤيداً، وقد نصت على أن يحيى كان وصي شمعون وأنه عاش بعده ثمان سنوات .