الرئيسية / من / طرائف الحكم / ألف سؤال وإشكال (المجلد الأول) / الصفحات: ١٨١ – ٢٠٠

ألف سؤال وإشكال (المجلد الأول) / الصفحات: ١٨١ – ٢٠٠

ألف سؤال وإشكال (المجلد الأول) / الصفحات: ١٨١ – ٢٠٠

المســألة: ٥١
ما رأيكم في توسيعات بولس وعمر للشفاعة إلى حد إلغاء العقوبة والمسؤولية عن الناس؟!

من المعروف أن بولس الذي نَصَّر النصارى قد اخترع عقيدة الفداء التي تقول إن الله تعالى أرسل ابنه المسيح (عليه السلام) لكي يقتل ويصلب فيفدي بنفسه البشر، ويتحمل خطاياهم! وأن الشرط الوحيد لشمول الإنسان بشفاعة المسيح هو الإيمان بأنه ابن الله تعالى!

ففي العهد القديم والجديد: ٣/٣٨٦: (يا أولادي أكتب إليكم هذا لكي لاتخطئوا وإن أخطأ أحدٌ فلنا شفيع عند الأب، يسوع المسيح البار، وهو كفارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضاً)!

وفي كتاب مقارنة بين الأديان للدكتور الشلبي:٢/٢٤٥: (فادعى شاؤول (بولس) أن السيد المسيح بعد نهايته على الأرض ظهر له وصاح فيه وهو فى طريقه إلى دمشق: لماذا تضطهدني! فخاف شاؤول وصرخ: من أنت يا سيد؟ قال: أنا يسوع الذي تضطهده! قال شاؤول: ماذا تريد أن أفعل؟ قال يسوع:

قم وكرز بالمسيحية!

ويقول لوقا في ختام هذه القصة جملة ذات بال غيرت وجه التاريخ هي: وللوقت جعل يكرز فى المجامع بالمسيح أنه ابن الله) (أعمال ٩: ٣ ـ ٣٠) انتهى.

 

*  *  *

أما عمر فقد وسع شفاعة نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) وعفو الله تعالى حتى شملت كل الناس المطيع منهم

١٨١

والعاصي! المسلم والمنافق والكافر!

ففي الدر المنثور:٦/٢٨٥: (وأخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن ميمون أن كعباً دخل يوماً على عمر بن الخطاب فقال له عمر: حدثني إلى ما تنتهي شفاعة محمد يوم القيامة؟! فقال كعب: قد أخبرك الله في القرآن أن الله يقول: (ما سلككم في سقر إلى قوله اليقين) قال كعب: فيشفع يومئذ حتى يبلغ من لم يصل صلاة قط ويطعم مسكيناً قط ومن لم يؤمن ببعث قط، فإذا بلغت هؤلاء لم يبق أحد فيه خير!) انتهى.

ومعناه شمول الشفاعة حتى للكافر الذي لايؤمن بيوم الدين!

وفي مجمع الزوائد:١/١٦: (عن عمر أن رسول الله (ص) أمره أن يؤذن في الناس أنه: من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مخلصاً دخل الجنة، فقال عمر: يا رسول الله إذاً يتكلوا فقال: دعهم. رواه أبو يعلى والبزار إلا أن عمر قال يا رسول الله إذاً يتكلوا! قال دعهم يتكلوا).

وفي مجمع الزوائد:١/٢٣: (عن عقبة بن عامر قال: جئت في اثني عشر راكباً حتى حللنا برسول الله (ص) فقال أصحابي: من يرعى إبلنا وننطلق فنقتبس من رسول الله (ص) فإذا راح اقتبسناه ما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقلت: أنا، ثم قلت في نفسي: لعلي مغبون، يسمع أصحابي ما لا أسمع من نبي الله (ص)، فحضرت يوماً فسمعت رجلاً قال: قال رسول الله (ص): من توضأ وضوء كاملاً ثم قام إلى صلاة كان من خطيئته كيوم ولدته أمه، فتعجبت من ذلك، فقال

١٨٢

عمر بن الخطاب: فكيف لو سمعت الكلام الآخر كنت أشد عجباً! فقلت: أردد عليَّ جعلني الله فداءك، فقال عمر بن الخطاب: إن نبي الله (ص) قال: من مات لايشرك بالله شيئاً فتحت له أبواب الجنة يدخل من أيها شاء، ولها ثمانية أبواب!

فخرج علينا رسول الله (ص) فجلست مستقبله فصرف وجهه عني، فقمت فاستقبلته ففعل ذلك ثلاث مرات، فلما كانت الرابعة قلت: يا نبي الله بأبي أنت وأمي لم تصرف وجهك عني؟! فأقبل عليَّ فقال: أواحدٌ أحب إليك أم اثنا عشر؟ مرتين أو ثلاثاً! فلما رأيت ذلك رجعت إلى أصحابي)!

وفي مجمع الزوائد:١/٢٢: (عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: جئت ورسول الله (ص) قاعد في أناس من أصحابه فيهم عمر بن الخطاب وأدركت آخر الحديث ورسول الله (ص) يقول: من صلى أربع ركعات قبل العصر لم تمسه النار! فقلت بيدي هكذا يحرك بيده إن هذا حديث جيد، فقال عمر بن الخطاب: لما فاتك من صدر الحديث أجود وأجود! قلت يا ابن الخطاب فهات، فقال عمر بن الخطاب: حدثنا رسول الله (ص) أنه من شهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة)!!

وفي مجمع الزوائد:١/٣٢و٤٩: (عن عمر بن الخطابأنه سمع النبي (ص) يقول: من مات يؤمن بالله واليوم الآخر، قيل له أدخل من أي أبواب الجنة الثمانية شئت. رواه أحمد وفي إسناده شهر بن حوشب وقد وثق). انتهى.

ومعنى هذه الأحاديث عن عمر: أن مجرد

١٨٣

شهادة لا إله إلا الله تكفي لدخول الجنة، ولو بدون الإيمان بأحد من الأنبياء (عليهم السلام)، وبدون عمل صالح!!

 

*  *  *

١٨٤

الأسئلة

١ ـ هل تقبلون هذه الأحاديث عن عمر، ويوجد مثلها عن غير عمر؟

٢ ـ هل يكون عمر هو المقصود بقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي رواه معاذ بن جبل قال قال رسول الله (ص): مابعث الله نبياً قط إلا وفي أمته قدرية ومرجئة يشوشون عليه أمر أمته. ألا وإن الله قد لعن القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبياً). (مجمع الزوائد:٧ /٢٠٣)

٣ ـ إذا لم يكن عمر مؤسس مذهب المرجئة وإمامهم، فمن يكون؟

٤ ـ ما رأيكم فيما رواه البخاري:٨/١٣٩: (عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) قال: كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى! قالوا يا رسول الله ومن يأبى؟ قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى. انتهى.

فالذين عصوا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من أمته مستثنوْن وأنهم لايدخلون الجنة)؟!.

(ورواه الحاكم:١/٥٥ بلفظ آخر وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه).

 

*  *  *

١٨٥

المســألة: ٥٢
ما رأيكم في قول عمر وابن تيمية بفناء النار ونقل أهلها إلى الجنة!

من بديهيات عقائد الإسلام الخلود في الآخرة لأهل الجنة وأهل النار، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (سورة البقرة: ٣٩)

قال الصدوق (قدس سره) في الإعتقادات ص٥٣: (اعتقادنا في الجنة أنها دار البقاء ودار السلامة، لا موتٌ فيها ولا هرم ولا سقم ولا مرض ولا آفة ولا زوال ولا زمانة ولا هم ولا غم ولا حاجة ولا فقر. وأنها دار الغنى ودار السعادة، ودار المقامة ودار الكرامة، لا يمس أهلها نصب ولا يمسهم فيها لغوب، لهم فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وهم فيها خالدون. وأنها دارٌ أهلها جيران الله تعالى وأولياؤه وأحباؤه وأهل كرامته…

واعتقادنا في النار أنها دار الهوان ودار الانتقام من أهل الكفر والعصيان، ولا يخلد فيها إلا أهل الكفر والشرك).

وقال في ص٨١: (اعتقادنا في قتلة الأنبياء وقتلة الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، أنهم كفار مشركون مخلدون في أسفل درك من النار. ومن اعتقد بهم غير ما ذكرناه، فليس عندنا من دين الله في شي).

وفي البحار: ٨ /٣٦١ عن عيون أخبار الرضا (عليه السلام): (فيما كتب للمأمون من محض الإسلام: إن الله لا يدخل النار مؤمناً وقد وعده الجنة، ولايخرج من النار كافراً وقد أوعده النار والخلود فيها، ومذنبو أهل التوحيد

١٨٦

يدخلون النار ويخرجون منها والشفاعة جائزة لهم.

وفي تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) ص٥٧٨: (قال الله تعالى: وما هم بخارجين من النار) كان عذابهم سرمداً دائماً، وكانت ذنوبهم كفراً، لاتلحقهم شفاعة نبي ولا وصي، ولا خيِّر من خيار شيعتهم).

وقال الطوسي في تفسير التبيان: ٢/٥٢٤: (الخلود في اللغة هو طول المكث، ولذلك يقال: خلده في السجن وخلد الكتاب في الديوان. وقيل للأثافي: خوالد مادامت في موضعها، فإذا زالت لا تسمى خوالد.والفرق بين الخلود والدوام: أن الخلود يقتضي (في) كقولك خلد في الحبس، ولايقتضي ذلك الدوام، ولذلك جاز وصفه تعالى بالدوام دون الخلود.

إلا أن خلود الكفار المراد به التأبيد بلا خلاف بين الأمة… ومعنى خلودهم فيها استحقاقهم لها دائماً مع ما توجبه من أليم العقاب، فأما من ليس بكافر من فساق أهل الصلاة، فلا يتوجه إليه الوعيد بالخلود).

عقيدة السنيين

روت مصادر السنيين تشويشات من تأثير رأي عمر، لكنها روت ما يوافق القرآن شبيهاً بما في مصادرنا كما في البخاري:٧/٢٠٣، من حديث طويل: (عن أنس قال قال رسول الله (ص): يجمع الله الناس يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مكاننا… فأرفع رأسي فأحمد ربي

١٨٧

بتحميد يعلمني ثم أشفع فيحد لي حداً، ثم أخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأقع ساجداً مثله في الثالثة أو الرابعة حتى ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن. وكان قتادة يقول عند هذا: أي وجب عليه الخلود).

وقد فسرت مصادرهم عبارة (إلا من حبسه القرآن) بالتأبيد..كما في البخاري:٨/١٨٣، وفي:٥/١٤٧: (إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود… إلا من حبسه القرآن يعني قول الله تعالى: خالدين فيها).

وفي هذه العقيدة الأساسية تدخَّل عمر بن الخطاب أيضاً، فقال إن أهل النار ليسوا مخلدين فيها، فالنار تفنى وينقل أهلها إلى الجنة!!

وقد وافقه على ذلك ابن تيمية! وعلله تلميذه ابن القيم بأن النار كالسجن لابد أن تخرب بمرور الوقت، فلا يبقى لأهلها مكان إلا الجنة!

قال السيوطي في الدر المنثور:٣/٣٥٠: (وأخرج ابن المنذر عن الحسن عن عمر قال: لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم يوم على ذلك يخرجون فيه. انتهى!!

وعالج: صحراء رملية ذارية بين نجد والبحرين.

وقد تحمس لرأي عمر ابن قيم الجوزية في رسالته حادي الأرواح، ومن المتأخرين محمد رشيد رضا في تفسير المنار:٨/٦٨، حيث أورد في كتابه رسالة ابن قيم كلها، وهي نحو خمسين صفحة، ومدح ابن القيم وغلا فيه لأنه مفكر إسلامي نابغة استطاع أن يحل المشكلة

١٨٨

ويثبت رأي الخليفة بخمسة وعشرين دليلاً، رصف كلامها رصف الخطيب المكثر!

وتدور رسالة ابن قيم المدرسة الجوزية على محور واحد هو أن النار تفنى كما يخرب السجن، فلا يبقى محل لأهلها إلا أن ينقلوا إلى الجنة!!

لكن الشوكاني تشجع وألف رسالة في الرد على عمر وابن تيمية، قال في مقدمة فتح القدير:١/٩: (للشوكاني مؤلفات، منها كتاب نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار…. وكشف الأستار في إبطال القول بفناء النار). انتهى.

 

*  *  *

وقد أخذ عمر عقيدته هذه من اليهود ولم يأخذ بتكذيب القرآن لهم، ففي سيرة ابن هشام:٢/٣٨٠: (قال ابن إسحاق: وحدثني مولى لزيد بن ثابت عن عكرمة أو عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال: قدم رسول الله (ص) المدينة واليهود تقول: إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذب الله الناس في النار بكل ألف سنة من أيام الدنيا يوماً واحداً في النار من أيام الآخرة، وإنما هي سبعة أيام ثم ينقطع العذاب!!

فأنزل الله في ذلك من قولهم: (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ. بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (سورة البقرة:٨٠ ـ ٨١) أي خلداً أبداً. (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (سورة البقرة:٨٢) أي من آمن بما كفرتم به وعمل بما تركتم من دينه

١٨٩

فلهم الجنة خالدين فيها، يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبداً ولا انقطاع له).

 

*  *  *

الأسئلة

١ ـ هل توافقون على رأي عمر بفناء النار وانتهاء العقاب في الآخرة؟

٢ ـ بماذا تفسرون تبني عمر لهذه العقيدة اليهودية مع تكذيب القرآن لها؟!

 

*  *  *

١٩٠

المســألة: ٥٣
ما قولكم في شفاعات عمر المخترعة؟!

ما هو موقفك إذا قال لك شخص: اليوم مات فلان المجرم الظالم القاتل، فتعال لندخله الجنة.. فقلت له كيف؟ فقال: نقف في طريق جنازته ونقول عندما يمرون بها: رحمه الله كان عبداً صالحاً.. فيقبل الله شهادتنا ويصير المجرم من أهل الجنة.

ثم قال لك: اليوم مات فلان المؤمن الزاهد العابد فتعال لندخله النار فنقف في طريق جنازته ونقول عندما تمر: لعنه الله كان رجلاً سيئاً، فيقبل الله شهادتنا ويصير المؤمن من أهل النار!

لاشك أنك تضحك على عقله وتقول له: إنك تهزأ وتلعب وتسخر بالله تعالى فتتصور أنه مثلك يهزأ ويلعب، كما وصف اليهود معبودهم!

لكن منطق اليهود هذا وسخريتهم بأنفسهم وربهم، تبناه عمر بن الخطاب وروته صحاحهم مع الأسف!

قال البخاري في صحيحه:٢/١٠٠: (عن أبي الأسود قال: قدمت المدينة وقد وقع بها مرض فجلست إلى عمر بن الخطاب فمرت بهم جنازة فأثنى على صاحبها خيراً فقال عمر: وجبت. ثم مر بأخرى فأثنى على صاحبها خيراً، فقال عمر: وجبت. ثم مر بالثالثة فأثنى على صاحبها شراً، فقال: وجبت. فقال أبو الأسود فقلت: وما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال النبي (ص): أيما مسلم

١٩١

شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة، فقلنا وثلاثة قال: وثلاثة. فقلنا واثنان قال: واثنان. ثم لم نسأله عن الواحد)!

ورواه البخاري أيضاً في:٣/١٤٩ والنسائي:٤/٥١ وفيه: (فقلت وما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال رسول الله (ص): أيما مسلم شهد له أربعة قالوا خيراً أدخله الله الجنة. قلنا: أو ثلاثة؟ قال: أو ثلاثة. قلنا: أو اثنان؟ قال: أو اثنان)!! (ورواه الترمذي:٢/٢٦١. ورواه أحمد:١ /٢١ و٢٢ و٢٧ و٣٠ و٤٥ و٤٦، والبيهقي في سننه: ١٠/١٢٤).

وإليكم هذه الرواية التي تدل على أن هذه العقيدة من أخبار الآحاد وأن أصلها وأساسها من عمر الذي تفرد بها من بين الصحابة!

قال أحمد في مسنده:١/٥٤: (حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا وكيع ثنا عمر بن الوليد الشني عن عبد الله بن بريدة قال: جلس عمر مجلساً كان رسول الله (ص) يجلسه، فمر عليه الجنائز، قال فمروا بجنازة فأثنوا خيراً فقال: وجبت. ثم مروا بجنازة فأثنوا خيراً فقال: وجبت. ثم مروا بجنازة فقالوا خيراً فقال: وجبت. ثم مروا بجنازة فقالوا هذا كان أكذب الناس، فقال: إن أكذب الناس أكذبهم على الله، ثم الذين يلونهم من كذب على روحه في جسده، قال قالوا: أرأيت إذا شهد أربعة؟ قال: وجبت. قالوا: أو ثلاثة؟ قال: وثلاثة، قال وجبت. قالوا: واثنين؟ قال: وجبت، ولأن أكون قلت واحد أحب إلي من حمر النعم. قال فقيل لعمر: هذا شئ تقوله برأيك أم شئ سمعته من رسول الله (ص)؟ قال: لا، بل سمعته من رسول الله (ص). انتهى.

١٩٢

فالمجلس هو ذلك المجلس الرسمي الذي كان يجلسه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لوداع الجنائز، وقد تعجب الصحابة الحاضرون من قول عمر لأن ذلك ينقض عدالة قوانين العقاب والثواب الإلهية، ولم يسمعوا شبيهه من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)! وقد تجرأ بعضهم أن يسأل عمر رغم عنفه وسطوته، فأكد لهم أنه سمع ذلك من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)!!

الأسئلة

١ ـ ما رأيكم في هذه الفرية العمرية على الله تعالى التي تلغي قانون العقاب والثواب، وتجعلهما تابعين للمصادفة أشبه بلعب القمار؟!

٢ ـ هل تبنون عقيدتكم على خبر الواحد كخبر عمر المذكور وتخصصون به عمومات القرآن وإطلاقاته، كما فعلتم في خبر أبي بكر: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث) فجعلتم عترة الأنبياء (عليهم السلام) مستثنون قانون الإرث!!

٣ ـ ما هو السبب برأيكم الذي جعل عمر يتبنى هذه المقولة وينسبها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟

٤- هل رأيتم حالات انعدام الحكمة في إرادة الله تعالى وأفعاله وتبعيتها للمصادفة، إلا في ثقافة اليهود؟!

 

*  *  *

١٩٣

١٩٤

بن عبد الله بن أسد، عن إبراهيم بن محمد، عن عثمان بن سعيد، عن إسحاق بن يزيد الفراء، عن غالب الهمداني، عن أبي إسحاق السبيعي قال: خرجت حاجاً فلقيت محمد بن علي فسألته عن هذه الآية: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ..الآية؟ فقال: ما يقول فيها قومك يا أبا إسحاق؟ يعني أهل الكوفة، قال قلت: يقولون إنها لهم. قال: فما يخوفهم إذا كانوا من أهل الجنة؟! قلت: فما تقول أنت جعلت فداك؟ فقال: هي لنا خاصة يا أبا إسحاق، أما السابق بالخيرات فعلي بن أبي طالب والحسن والحسين والشهيد منا أهل البيت، وأما المقتصد فصائم بالنهار وقائم بالليل، وأما الظالم لنفسه ففيه ما جاء في التائبين وهو مغفور له. يا أبا إسحاق بنا يفك الله عيوبكم، وبنا يحل الله رباق الذل من أعناقكم، وبنا يغفر الله ذنوبكم، وبنا يفتح الله وبنا يختم لا بكم، ونحن كهفكم كأصحاب الكهف، ونحن سفينتكم كسفينة نوح، ونحن باب حطتكم كباب حطة بني إسرائيل).

وقال ابن شعبة الحراني في تحف العقول ص٤٢٥: (لما حضر علي بن موسى (عليه السلام) مجلس المأمون وقد اجتمع فيه جماعة علماء أهل العراق وخراسان. فقال المأمون: أخبروني عن معنى هذه الآية: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا.. الآية؟ فقالت العلماء: أراد الله الأمة كلها. فقال المأمون: ما تقول يا أبا الحسن؟

فقال الرضا (عليه السلام): لا أقول كما قالوا ولكن

١٩٥

أقول: أراد الله تبارك وتعالى بذلك العترة الطاهرة. فقال المأمون: وكيف عنى العترة دون الأمة؟

فقال الرضا لنفسه: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ، ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير. ثم جعلهم كلهم في الجنة فقال عز وجل: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا، فصارت الوراثة للعترة الطاهرة لا لغيرهم.

ثم قال الرضا (عليه السلام): هم الذين وصفهم الله في كتابه فقال: إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً، وهم الذين قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، يا أيها الناس لاتعلموهم فإنهم أعلم منكم.

قالت العلماء: أخبرنا يا أبا الحسن عن العترة هم الآل أو غير الآل؟

فقال الرضا (عليه السلام): هم الآل.فقالت العلماء: فهذا رسول الله يؤثر عنه أنه قال: أمتي آلي، وهؤلاء أصحابه يقولون بالخبر المستفيض (!!) الذي لا يمكن دفعه: آل محمد أمته!فقال الرضا (عليه السلام): أخبروني هل تحرم الصدقة على آل محمد؟

قالوا: نعم. قال (عليه السلام): فتحرم على الأمة؟ قالوا: لا.

قال (عليه السلام): هذا فرق بين الآل وبين الأمة، ويحكم أين يذهب بكم، أصرفتم عن الذكر صفحاً، أم أنتم قوم مسرفون، أما علمتم أنما وقعت الرواية في الظاهر على المصطفين المهتدين دون سائرهم!

قالوا: من أين قلت يا أبا الحسن؟

١٩٦

قال (عليه السلام): من قول الله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ). (سورة الحديد: ٢٦) فصارت وراثة النبوة والكتاب في المهتدين دون الفاسقين. أما علمتم أن نوحاً سأل ربه فقال: (فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ) (سورة هود: ٤٥) وذلك أن الله وعده أن ينجيه وأهله، فقال له ربه تبارك وتعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاتَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (سورة هود: ٤٦) فقال المأمون: فهل فضل الله العترة على سائر الناس؟ فقال الرضا (عليه السلام): إن الله العزيز الجبار فضل العترة على سائر الناس في محكم كتابهُ.

قال المأمون: أين ذلك من كتاب الله؟

قال الرضا (عليه السلام): في قوله تعالى: إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ. ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ. (سورة آل عمران: ٢٣ ـ ٣٤) وقال الله في موضع آخر: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً. (سورة النساء: ٥٤) ثم رد المخاطبة في أثر هذا إلى سائر المؤمنين فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) (سورة النساء: ٥٩) يعني الذين أورثهم الكتاب والحكمة وحسدوا عليهما بقوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً، يعني الطاعة للمصطفين الطاهرين، والملك هاهنا الطاعة لهم. قالت العلماء: هل فسر الله تعالى الإصطفاء في الكتاب؟

فقال الرضا (عليه السلام): فسر الإصطفاء في الظاهر

١٩٧

سوى الباطن في اثني عشر موضعاً. فأول ذلك قول الله: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين. (سورة الشعراء: ٢١٤) وهذه منزلة رفيعة وفضل عظيم وشرف عال حين عنى الله عز وجل بذلك الآل فهذه واحدة. والآية الثانية في الإصطفاء قول الله: إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (سورة الأحزاب: ٣٣) وهذا الفضل الذي لايجحده معاند، لأنه فضل بين.

والآية الثالثة، حين ميز الله الطاهرين من خلقه أمر نبيه في آية الإبتهال فقال: قل يامحمد: (تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ). (سورة آل عمران:٦١) فأبرز النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) علياً والحسن والحسين وفاطمة (عليهم السلام) فقرن أنفسهم بنفسه…إلى آخر الرواية).انتهى.

وهذا المعنى هو المقصود بقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي رواه عمر: (سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له) لأنه يستحيل أن يكون مقصوده (صلى الله عليه وآله وسلم) كل ظالم من أمته، وقد نص القرآن والسنة على دخولهم بعضهم النار.

قال السيوطي في الدر المنثور:٥/٢٥٢: (وأخرج العقيلي وابن هلال وابن مردويه والبيهقي من وجه آخر عن عمر بن الخطاب سمعت رسول الله (ص) يقول: سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له، وقرأ عمر: فمنهم ظالم لنفسه.. الآية). انتهى. (وروى السيوطي نحوه عن أنس، ورواه في كنز العمال:٢/١٠و٤٨٥ عن عمر وأضاف لمصادره: الديلمي في الفردوس والبيهقي في البعث والنشور).

ويؤيده مارواه السيوطي:٥/٢٥١، عن الطبراني والبيهقي في البعث، عن أسامة

١٩٨

بن زيد: فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات، قال قال رسول الله (ص): كلهم من هذه الأمة، وكلهم في الجنة). انتهى. (ونحوه في كنز العمال:٢/ ٤٨٦، ومجمع الزوائد:٧/٩٦. وتعبير كلهم من الأمة يدل على أنهم ليسوا كل الأمة).

 

*  *  *

غير أن عمر وكعب الأحبار وَسَّعَا بعد ذلك (الذين اصطفاهم الله وأورثهم الكتاب) فجعلوهم كل المسلمين!

قال السيوطي في الدر المنثور:٥/٢٥٢: (وأخرج عبد بن حميد عن صالح أبي الخليل قال قال كعب: يلومني أحبار بني اسرائيل أني دخلت في أمة فرقهم الله ثم جمعهم ثم أدخلهم الجنة! ثم تلا هذه الآية: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، حتى بلغ جنات عدن يدخلونها… قال قال: فأدخلهم الله الجنة جميعاً).

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عبد الله بن الحارث أن ابن عباس سأل كعباً عن قوله: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا..الآية؟ قال: نجوا كلهم. ثم قال: تحاكت مناكبهم ورب الكعبة، ثم أعطوا الفضل بأعمالهم).

وقال السيوطي في الدر المنثور: ٥/٢٥٢: (وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي في البعث عن عمر بن الخطاب أنه كان إذا نزع بهذه الآية قال: ألا إن سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له). انتهى.

١٩٩

وزعم الخولاني وهو من تلامذة كعب أنه قرأ ذلك في كتب اليهود!

قال السيوطي في الدر المنثور:٥/٢٥٢: (وأخرج عبد بن حميد عن أبي مسلم الخولاني قال: قرأت في كتاب الله (كتب الله) أن هذه الأمة تصنف يوم القيامة على ثلاثة أصناف: صنف منهم يدخلون الجنة بغير حساب، وصنف يحاسبهم الله حساباً يسيراً ويدخلون الجنة، وصنف يوقفون ويؤخذ منهم ما شاء الله، ثم يدركهم عفو الله وتجاوزه).

وقد وافق عثمان بن عفان كعباً على تفسيره!

قال السيوطي في تفسيره: ٥/٢٥٢: (وأخرج سعيد بن منصور وابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عثمان بن عفان أنه نزع بهذه الآية قال: إن سابقنا أهل جهاد، ألا وإن مقتصدنا ناج أهل حضرنا، ألا وإن ظالمنا أهل بدونا). انتهى.

وكذلك وافقت عائشة على هذا التعميم!

فقد روى الحاكم:٢/٤٢٦، عن عقبة بن صهبان الحراني قال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين أرأيت قول الله عز وجل:ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير؟ فقالت عائشة: أما السبَّاق فمن مضى في حياة رسول الله فشهد له بالحياة والرزق. وأما المقتصد فمن اتبع آثارهم فعمل بأعمالهم حتى يلحق بهم. وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلك ومن اتبعنا، وكل في الجنة. صحيح الإسناد ولم يخرجاه). (ورواه في مجمع الزوائد:٧ /٩٦. وقال

٢٠٠

شاهد أيضاً

الشهيد والشهادة – الشهداء درجات ومراتب

كما أن الإيمان درجات، وأصحاب الجنة درجات، وأهل النار درجات، كذلك التضحية بالأموال درجات، والتضحية ...