شرح نهج البلاغة – ابن أبي الحديد – ج ١

هذا الذي ذكره الراوندي خلاف نص أهل اللغة، قالوا: أجمعت الامر، وعلى الامر كله جائز، نص صاحب ” الصحاح ” على ذلك.
والمحاسن: جمع حسن، على غير قياس، كما قالوا: الملامح والمذاكر (2)، ومثله المقابح.
والحوار، بكسر الحاء: مصدر حاورته، أي خاطبته. والأنحاء: الوجوه والمقاصد. وأشدها ملامحة لغرضه، أي أشدها إبصارا له ونظرا إليه، من لمحت الشئ وهذه استعارة، يقال: هذا الكلام يلمح الكلام الفلاني، أي يشابهه، كأن ذلك الكلام يلمح ويبصر من هذا الكلام.
* * * قال الرضي رحمه الله:
” ومن عجائبه عليه السلام التي انفرد بها، وأمن المشاركة فيها أن كلامه الوارد في الزهد والمواعظ، والتذكير والزواجر، إذا تأمله المتأمل، وفكر فيه المفكر (3)، وخلع من قلبه أنه كلام مثله، ممن عظم قدره، ونفذ أمره وأحاط بالرقاب ملكه، لم يعترضه الشك في أنه كلام من لاحظ له في غير الزهادة، ولا شغل له بغير العبادة، قد قبع في كسر بيت، أو انقطع إلى (4) سفح جبل، لا يسمع إلا حسه، ولا يرى إلا نفسه، ولا يكاد يوقن بأنه كلام من ينغمس في الحرب، مصلتا سيفه، فيقط الرقاب، ويجدل الابطال، ويعود به ينطف دما، ويقطر مهجا، وهو مع تلك الحال، زاهد الزهاد، وبدل الابدال. وهذه من فضائله العجيبة، وخصائصه اللطيفة، التي جمع بها بين الأضداد، وألف بين الأشتات، وكثيرا ما أذاكر الاخوان بها، واستخرج عجبهم منها، وهي موضع العبرة بها (5)، والفكرة فيها.
* * *
(١) الصحاح ٣: ١١٩٨.
(2) ب: ” المذاكير “، وما أثبته عن أ.
(3) ب: ” المتفكر “، وما أثبته عن أ.
(4) مخطوطة النهج: ” في سفح “.
(5) كلمة ” بها ” ساقطة من ب، وهي في أ.
(٤٩)

الشرح:
قبع القنفذ قبوعا، إذا أدخل رأسه في جلده، وكذلك الرجل إذا أدخل رأسه في قميصه، وكل من انزوى في جحر أو مكان ضيق فقد قبع. وكسر البيت: جانب الخباء. وسفح الجبل أسفله، وأصله حيث يسفح فيه الماء. ويقط الرقاب: يقطعها عرضا لا طولا، كما قاله الراوندي، وإنما ذاك القد، قددته طولا، وقططته عرضا. قال ابن فارس صاحب ” المجمل “: قال ابن عائشة: كانت ضربات علي عليه السلام في الحرب أبكارا، إن اعتلى قد، وإن اعترض قط، ويجدل الابطال: يلقيهم على الجدالة، وهي وجه الأرض. وينطف دما: يقطر، والابدال: قوم صالحون لا تخلو الأرض منهم، إذا مات أحدهم أبدل الله مكانه آخر، قد ورد ذلك في كثير من كتب الحديث.
كان أمير المؤمنين عليه السلام ذا أخلاق متضادة.
فمنها ما قد (1) ذكره الرضي رحمه الله، وهو موضع التعجب، لان الغالب على أهل الشجاعة والاقدام والمغامرة والجرأة أن يكونوا ذوي قلوب قاسية، وفتك وتمرد وجبرية، والغالب على أهل الزهد ورفض الدنيا وهجران ملاذها والاشتغال بمواعظ الناس وتخويفهم المعاد، وتذكيرهم الموت، أن يكونوا ذوي رقة ولين، وضعف قلب، وخور طبع، وهاتان حالتان متضادتان، وقد اجتمعتا له عليه السلام.
ومنها أن الغالب على ذوي الشجاعة وإراقة الدماء أن يكونوا ذوي أخلاق سبعية، وطباع حوشية وغرائز وحشية، وكذلك الغالب على أهل الزهادة وأرباب الوعظ والتذكير ورفض الدنيا أن يكونوا ذوي انقباض في الأخلاق، وعبوس في الوجوه، ونفار من الناس
(1) كلمة ” قد ” ساقطة من ب.
(٥٠)

واستيحاش، وأمير المؤمنين عليه السلام كان أشجع الناس وأعظمهم إراقة للدم، وأزهد الناس وأبعدهم عن ملاذ الدنيا، وأكثرهم وعظا وتذكيرا بأيام الله ومثلاته، وأشدهم اجتهادا في العبادة، وآدابا لنفسه في المعاملة. وكان مع ذلك ألطف العالم أخلاقا، وأسفرهم وجها، وأكثرهم بشرا، وأوفاهم هشاشة، وأبعدهم عن انقباض موحش، أو خلق نافر، أو تجهم مباعد، أو غلظة وفظاظة تنفر معهما نفس، أو يتكدر معهما قلب. حتى عيب بالدعابة، ولما لم يجدوا فيه مغمزا ولا مطعنا تعلقوا بها، واعتمدوا في التنفير عنه عليها.
* وتلك شكاة ظاهر عنك عارها (1) * وهذا من عجائبه وغرائبه اللطيفة.
ومنها أن الغالب على شرفاء الناس ومن هو من أهل بيت السيادة والرياسة أن يكون ذا كبر وتيه وتعظم وتغطرس، خصوصا إذا أضيف إلى شرفه من جهة النسب شرفه من جهات أخرى، وكان أمير المؤمنين عليه السلام في مصاص الشرف ومعدنه ومعانيه، لا يشك عدو ولا صديق أنه أشرف خلق الله نسبا بعد ابن عمه صلوات الله عليه، وقد حصل له من الشرف غير شرف النسب جهات كثيرة متعددة، قد ذكرنا بعضها، ومع ذلك فكان أشد الناس تواضعا لصغير وكبير، وألينهم عريكة، وأسمحهم خلقا، وأبعدهم عن الكبر، وأعرفهم بحق، وكانت حاله هذه في كلا زمانيه: زمان خلافته،
(1) ” الشكاة توضع موضع العيب والذم، وعير الرجل عبد الله بن الزبير بأمه، فقال ابن الزبير:
* وتلك شكاة ظاهر عنك عارها * أراد أن تعبيره إياه بأن أمه كانت ذات النطاقين ليس بعار. ومعنى قوله: ” ظاهر عنك عارها “، أي ناب، أراد أن هذا ليس عارا يلزق به، وأنه يفخر بذلك، لأنها إنما سميت ذات النطاقين، لأنه كان لها نطاقان تحمل في أحدهما الزاد إلى أبيها وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار، وكانت تنتطق بالنطاق الآخر، وهي أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها “. اللسان: ” 19: 171 “، وديوان الهذليين (1: 21)، وهذا العجز لأبي ذؤيب الهذلي، وصدره:
* وعيرها الواشون أني أحبها *
(٥١)

شاهد أيضاً

علوم القرآن محاضرات القاها حجة الاسلام السيد محمد باقر الحكيم

اعجاز القرآن ما هي المعجزة : النبي – أي نبي – صاحب رسالة يريد أن …