تفسير الميزان : السيد الطباطبائي

.
جا الجزء الأول ד
فلو أنه سبحانه أجبر عباده على الطاعات أو المعاصي لم يكن جزاء المطيع
بالجنة والعاصي بالنار الاجزافاً في مورد المطيع ، وظلماً في مورد العاصي ، والجزاف
والظلم قبيحان عند العقلاء و لزم الترجيح من غير مرجح وهو قبيح عندهم ايضاً ولا
حجة في قبيح وقد قال تعالى : » لثلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ، النساء .
،١٦٥ وقال تعالى »ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ، الأنفال – ٤٢ ،
: فقد انضح بالبيان السابق أمور
أحدهما : أن التشريع ليس مبنياً على أساس الإجبار في الأفعال ، فالتكاليف
مجمولة على وفق مصالح العباد في معاشهم ومعادهم أولاً ، وهي متوجهة إلى العباد من
حيث أنهم مختارون في الفعل والترك ثانياً ، والمكلفون انما يتابون أو يعاقبون بـــــا
کسبت أيديهم من خير أو شر اختياراً
ثانيها : أن ما ينسبه القرآن اليه تعالى من الإضلال والخدعة والمكر والإمداد
في الطفيان وتسليط الشيطان وتوليته على الإنسان وتقييض القرين ونظائر ذلك جميعها
منسوبة الله تعالى على ما يلائم ساحة قدسه ونزاهته تعالى عن ألواث النقص والقبح
والمنكر ، فإن جميع هذه المعاني راجعة بالآخرة إلى الإضلال وشعبه وأنواعه ، وليس
كل إضلال حتى الإضلال البدوي وعلى سبيل الإغفال بمنسوب اليه ولا لائق يجنابه
بل الثابت له الإضلال مجازاة وخذلانا لمن يستقبل بسوء إختياره ذلك كما قال تعالى
يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً وما يضل به إلا الفاسقين الآية ، البقرة – ٢٦
:
,
وقال : » فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم الصف – ٥ ، وقال تعالى : » كذلك يضل الله
من هو مسرف مرتاب المؤمن – ٣٤ .
ثالثها : أن القضاء غير متعلق بأفعال العاد من حيث أنها منسوبة الى الفاعلين
بالإنتساب الفعلي دون الإنتساب الوجودي ، وسيجي لهذا القول زيادة توضيح في التذييل
• الآتي وفي الكلام على القضاء والقدر إنشاء الله تعالى
رابعها : أن التشريع كما لا يلائم الجبر كذلك لا يلائم التفويض ، إذ لا معنى
للأمر والنهي المولويين فيما لا يملك المولى منه شيئا،ً مضافاً إلى أن التفويض لا يتم الا مع
سلب اطلاق الملك منه تعالى عن بعض ما في ملكه .
۹۷ سورة البقرة آية ٢٧٢٦
بحث روائي (
إستفاضت الروايات عن أمة أهل البيت عليهم السلام أنهم قالوا : ) لا جبر ولا
تفويض بل أمر بين أمرين الحديث (
و في العيون بعدة طرق لما إنصرف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علان من
صفين قام اليه شيخ ممن شهد الواقعة معه فقال يا أمير المؤمنين أخبرنا من مسيرنا هذا
أبقضاء من الله وقدر ، فقال له أمير المؤمنين : ) أجل يا شيخ فو الله ما علوتم تلعة ولا
هبطتم بطن واد الا بقضاء من الله و قدر ( ، فقال الشيخ عند الله احتسب عنائ يا أمير المؤمنين
فقال : ) مهلا يا شيخ لعلك تظن قضاء حتما وقدراً لازماً لو كان كذلك لبطل الثواب
والعقاب والأمر والنهي والزجر ، ولسقط معنى الوعد والوعيد ، ولم تكن على مسيء
لائمة ولا المحسن محمدة ، ولكان المحسن أولى باللائمة من المذنب والمذنب أولى بالإحسان
من المحسن ، تلك مقالة عبدة الأوثان وخصماء الرحمن وقدرية هذه الامة ومجوسها .
يا شيخ إن الله كلف تخييراً ونهى تحذيرا ، وأعطى على القليل كثيرا ولم يعص مغلوباً ،
ولم يطع مكروها ولم يخلق السموات والأرض وما بينها باطلا. ذلك ظن الذين كفروا
فويل للذين كفروا من النار الحديث ( .
أقول : قوله : بقضاء من الله وقدر الى قوله : عند الله أحتسب عنائي . ليعلم
أن من أقدم المباحث التي وقعت في الإسلام مورداً للنقض والإبرام ، وتشاغبت فيه
الأنظار مسألة الكلام ومسألة القضاء القدر وإذ صور و امعنى القضاء والقدر وإستنتجوا
نتیجته فإذا هي أن الارادة الإلهية الأزلية تعلقت بكل شيء من العالم فلا شيء من العالم
موجودا على وصف الإمكان ، بل إن كان موجوداً فبالضرورة ، لتعلق الإرادة بها
واستحالة تخلف مراده تعالى عن إرادته ، وان كان معدوماً في الإمتناع لعدم تعلق
الإرادة بها وإلا لكانت موجودة ، وإذا اطردت هذه القاعدة في الموجودات وقع
الإشكال في الأفعال الإختيارية الصادرة منا فانا نرى في بادي النظر أن نسبة هذه
الافعال وجوداً وعدماً الينا متساوية ، وإنما يتعين واحد من الجانبين بتعلق الإرادة به
جا الجزء الأول ۹۸
بعد إختيار ذلك الجانب فأفعالنا إختيارية، والإرادة مؤثرة في تحققه سبب في إيجاده،
ولكن ، فرض تعلق الإرادة الإلهية الأزلية المستحيلة التخلف بالفعل يبطل إختيارية
الفعل أولا،ً وتأثير إرادتنا في وجود الفعل ثانياً وحينئذلم يكن معنى للقدرة قبل الفعل
على الفعل ، ولا معنى للتكليف لعدم القدرة قبل الفعل وخاصة في صورة الخلاف
والتمرد فيكون تكليفاً بما لا يطاق، ولا معنى لإثابة المطيع بالجبر لأنه جزاف قبيح ،
ولا معنى لعقاب العاصي بالجبر لأنه ظلم قبيح إلى غير ذلك من اللوازم ، وقد إلتزم
الجميع هؤلاء الباحثون فقالوا القدرة غير موجودة قبل الفعل ، والحسن والقبح أمران
غير واقعيين لا يلزم تقيد أفعاله تعالى بها بل كل ما يفعله فهو حسن ولا يتصف فعله
تعالى بالقبح ، فلا مانع هناك من الترجيح بلا مرجح ، ولا من الإرادة الجزافية ، ولا
من التكليف بما لا يطاق ، ولا من عقاب العاصي وإن لم يكن النقصان من قبله إلى
غير ذلك من التوالي تعالى عن ذلك .
بالجملةو كان القول بالقضاء والقدر في الصدر الأول مساوقاً لارتفاع الحسن والقبح
والجزاء بالإستحقاق ولذلك لما سمع الشيخ منه عال الكون المسير بقضاء وقدر قال وهو
في مقام التأثر واليأس : عند الله أحتسب عنائي أي إن مسيري وإرادتي فاقدة الجدوى
من حيث تعلق الإرادة الإلهية بها فلم يبق لي إلا العناء والتعب من الفعل فأحتسبه عند
ربي فهو الذي أتعبني بذلك فأجاب عنه الإمام علي بقوله : لو كان كذلك لبطل
الثواب والعقاب الخ ، وهو أخذ بالأصول العقلائية التي أساس التشريع مبني عليها
و استدل في آخر كلامه عن بقوله : ولم يخلق السموات والأرض وما بينها باطلا الخ،
وذلك لأن صحة الإرادة الجزافية التي هي من لوازم ارتفاع الإختيار يوجب إمكان
تحقق الفعل من غير غاية وغرض وهو يوجب امكان إرتفاع الغاية عن الخلقة والإيجاد ،
وهذا الإمكان يساوق الوجوب ، فلا غاية على هذا التقدير للخلقة والإيجاد ، وذلك
خلق السموات والأرض وما بينها باطلا ، وفيه بطلان المعاد وفيه كل محذور ، وقوله
ولم يعص مغلوباً ولم يطع مكروها كان المراد لم يعص والحال أن عاصيه مغلوب بالجبر
ولم يطع والحال أن طوعه مكروه للمطيع .
و في التوحيد والعيون عن الرضا عن قال : ذكر عنده الجبر والتفويض فقال
سورة البقرة آية ٢٧٢٦ 44
ألا أعليكم في هذا أصلا لا تختلفون فيه ولا يخاصكم عليه أحد إلا كسرتموه ؟ قلنا إن
رأيت ذلك ، فقال إن الله عز وجل لم يطع بإكراه ، ولم يعص بغلبة ، ولم يهمل العباد
في ملكه ، هو المالك لما ملكهم ، والقادر على ما أقدرهم عليه فان إنتمر العباد
بطاعته لم يكن الله منها صاداً ، ولا منها مانعاً وان إنتمروا بمعصيته فشاء أن يحول
بينهم وبين ذلك فعل ، وان لم يحل فعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه ثم قال عليك الن
من يضبط حدود هذا الكلام فقد خصم من خالفه .
اقول : قد عرفت أن الذي ألزم المجبرة أن قالوا بما قالوا هو البحث في القضاء
والقدر واستنتاج الحتم واللزوم فيها وهذا البحث صحيح كذلكو النتيجة أيضاً نتيجة
صحيحة غير أنهم اخطأوا في تطبيقها ، واشتبه عليهم أمر الحقائق والاعتباريات ،
و اختلط عليهم الوجوب والإمكان ، توضيح ذلك أن القضاء والقدر على تقدير ثبوتها
ينتجان أن الأشياء في نظام الإيجاد والخلقة على صفة الوجوب واللزوم فكل موجود
من الموجودات وكل حال من أحوال الموجود مقدرة محدودة عند الله سبحانه ، معين له
جميع ما هو معه من الوجود وأطواره واحواله لا يتخلف عنه ولا يختلف ، ومن الواضح أن
الضرورة والوجوب من شؤون العلة فإن العلة التامة هي التي اذا قيس اليها الشي صار متصفاً
بصفة الوجوب وإذا قيس إلى غيرها أي شيء كان لم يصر إلا متصفا بالإمكان ،
فانبساط القدر والقضاء في العالم هو سريان العلية التامة والمعلولية في العالم بتمامه وجميعه ،
وذلك لا ينا في سريان حكم القوة والإمكان في العالم من جهة أخرى وبنظر آخر ،
فالفعل الإختياري الصادر عن الإنسان بإرادته إذا فرض منسوباً إلى جميع ما يحتاج
اليه في وجوده من علم وإرادة وأدوات صحيحة ومادة يتعلق بها الفعل وسائر الشرائط
الزمانية والمكانية كان ضروري الوجود ، وهو الذي تعلقت به الإرادة الإلهية الأزلية
لكن كون الفعل ضروريا بالقياس إلى جميع أجزاء علته التامة ومن جهتها لا يوجب
کونه ضرورياً إذا قيس إلى بعض أجزاء علته التامة ، كما اذا قيس الفعل إلى الفاعل
دون بقية أجزاء علته التامة فإنه لا يتجاوز حد الإمكان ، ولا يبلغ البتة حد الوجوب
فلا معنى لما زعموه أن عموم القضاء وتعلق الإرادة الإلهية بالفعل يوجب زوال القدرة
وارتفاع الإختيار ، بل الإرادة الإلهية إنما تعلقت بالفعل يجميع شؤونه وخصوصياته
الوجودية ومنها ارتباطاته بعلله وشرائط وجوده، وبعبارة أخرى تعلقت الإرادة
۱۰۰ ج الجزء الأول
الإلهية بالفعل الصادر من زيد مثلا لا مطلقاً بل من حيث أنه فعل إختياري صادر من
فاعل كذا في زمان كذا ومكان كذا فإذن تأثير الإرادة الإلهية في الفعل يوجب كون
الفعل إختيارياً وإلا تخلف متعلق الإرادة الإلهية عنها فإذن تأثير الإرادة الإلهية في
صيرورة الفعل ضرورياً يوجب كون الفعل اختياري أي كون الفعل ضرورياً بالنسبة
إلى الإرادة الإلهية ممكناً إختيارياً بالنسبة إلى الإرادة الإنسانية الفاعلية ، فالإرادة
في طول الإرادة وليت في عرضها حتى تتزاحما ، ويلزم من تأثير الإرادة الإلهية بطلان
تأثير الإرادة الانسانية فظهر أن ملاك خطأ الجبرة فيما أخطأوا فيه عدم تمييز هم كيفية
تعلق الارادة الالهية بالفعل ، وعدم فرقهم بين الارادتين الطوليتين وبين الأرادتين
العرضيتين وحكمهم ببطلان تأثير إرادة العبد في الفعل لتعلق إرادة الله تعالى به .
و المعتزلة وإن خالفت المجيرة في اختيارية أفعال العبد وسائر اللوازم إلا إنهم
سلكوا في اثباته مسلكاً لا يقصر من قول المجبرة فساداً ، وهو أنهم سلموا للمجبرة أن
تعلق ارادة الله بالفعل يوجب بطلان الاختيار، ومن جهة أخرى أصروا على اختيارية
الأفعال الاختيارية فنفوا بالآخرة تعلق الارادة الإلهية بالافعال فلزمهم إثبات خالق
آخر للأفعال وهو الإنسان ، كما أن خالق غيرها هو الله سبحانه فلزمهم محذور الثنوية ،
ثم وفعوا في محاذير اخرى أشد مما وقعت فيه الجبرة ، كما قال عليه السلام : مساكين
القدرية أرادوا أن يصفوا الله بعد له فأخرجوه من قدرته وسلطانه الحديث .
فمثل هذا مثل المولى من الموالي العرفية يختار عبداً من عبيده ويزوجه إحدى
فتياته ثم يقطع له قطيعة ويخصه بدار وأثاث وغير ذلك مما يحتاج اليه الإنسان في
حيوته إلى حين محدود وأجل مسمى ، فإن قلنا أن المولى وإن اعطى لعبده ما أعطى
و ملكه ما ملك فإنه لا يملك وأين العبد من الملك كان ذلك قول الجبرة ، وان قلنا
أن للمولى باعطائه المال لعبده تمليكهو جعله مالکا وإنعزل هو عن المالكية وكان
المالك هو العبد كان ذلك قول المعتزلة ، ولو جمعنا بين الملكين بحفظ المرتبتين وقلنا :
أن المولى مقامه في المولوية والعبد مقامه في الرقية وإن العبد إنما يملك في ملك المولى ،
فالمولى مالك في عين أن العبد مالك فهنا ملك على ملك كان ذلك القول الحق الذي
راه أئمة أهل البيت عليهم السلام ، وقام عليه البرهان هذا .

شاهد أيضاً

مآثر العلماء في الطريق الى الله ٥٢

#دورة_في_جهاد_النفس • الدرس السادس: حجب النور – الفصل الثالث: الحب في الله هناك الكثير من …