واءجـل اءهـلـه قـدرا وكـمـالا.. فجاة مـخـتـلفة .. هذا لا ن الماءمون الحاكم العباسي قد ظهر على المسرح بين مجموعة من حراسه وهو يـمـتـطي صـهـوة فـرسـه ويحمل بيده طائرا يدعى الباز.. وراح يتجه نحو الامام محمدبن علي الجواد(ع ) حيث لم يبق في ذلك المكان سواه .. فقال له : – لم لم تهرب كما فعل الصبيان .. ؟ فرد عليه الامام الجواد(ع ) : – ما لي ذنب فاءفر منه .. ولا الطريق ضيق فاءوسعه عليك .. سر حيث شئت .
فقال المامون : – من تكون اءنت .. ؟ فـرد عليه الامام الجواد(ع ) : – اءنا محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن اءبي طالب (ع ).. فقال له الماءمون : -ماذا تعرف من العلوم .. ؟ قال الامام الجواد(ع ) : سلني عن اءخبار السماوات .
اءطلق الماءمون الباز من بين يديه .. فحلق الباز عاليا في الفضاء.. وعادالماءمون .. فلما رجع اليه الباز.
كـان يحمل اليه بمنقاره شيئا.. فاءخفاه الماءمون بين يديه وعاد للامام قائلا : – ماذا عندك من اءخبار السماء.. ؟ فاءجابه الامام (ع ) : – حدثني اءبي عن آبائه عن النبي (ص ) عن جبرئيل عن رب العالمين اءنه قال :
بـيـن الـسـمـاء والهواء بحر عجاج .. تتلاطم به الامواج فيه حيات خضر البطون .. رقط الظهور.
تصيدها بازات الملوك والخلفاء..فيختبرون بها سلالة اءهل بيت النبوة .
تـعـجـب الماءمون من جواب الامام الجواد(ع ) فقال له : – اءنت ابن الرضاحقا.. ومن بيت المصطفى صدقا.
فـاءركبه على فرس واصطحبه معه الى القصر.. وفي هذه الاثناء.. شعرت بيد تلامس كتفي .. وتهزه بـرفـق .. فـانتبهت واذا بولدي حامد وهو يقول لي :اءبي لقد مضى عليك وقت طويل وانت في حالة صمت وتفكير.. هل هناك مشكلة لا سمح اللّه .. ؟ فـابـتسمت بوجه ولدي حامد واءنا اءقول له : – كنت اءفكر في اءحداث زمن بعيد.. وكاءني اءشهدها الان اءمامي .. يا لها من اءحداث يا بني حين التقى المامون بشخص الامام محمد بن علي الجواد(ع ) وقد كان عمر الامام الجواد(ع ) آنذاك ثماني سنوات .
– واءين التقى المامون بالامام الجواد(ع ) يا اءبي ؟ – في بغداد.
– في بغداد.. ؟ قالها ولدي حامد بدهشة .. ثم اءردف قائلا : – لكن الذي اءعرفه يا اءبي هو اءن الامام الجواد(ع ) كان يعيش في المدينة المنورة .. لا نها مدينة جده رسول اللّه (ص ).. . – هـذا صـحـيـح يا بني .. ولكن اءنت تعرف موقف الامويين والعباسيين من آل رسول اللّه (ص ) لذلك اءرسـل الـمامون في جلب الامام الجواد(ع ) من المدينة الى بغداد ليكون على مقربة منه .. وليتهياء له الاشـراف بـواسطة عيونه ورقبائه على مجمل تحركاته واتصالاته .. ولما وصل الامام الجواد(ع ) الى بغداد.. لم يطلب المامون لقاءه في بداية وصوله .. وانما تركه حتى يلتقي به ذات يوم .
– وماذا كان يهدف المامون من تاءخير لقائه بالامام الجواد(ع ) ؟ – هناك عدة اءسباب يا ولدي , منها : هو اءن المامون كان يهدف الى ضبطتحركات الامام (ع ) ولقاءاته مع الناس .. والسبب الاخر : كان يريدالاستخفاف بالامام (ع ) وتلك هي مواقف الحكام من الائمة (ع ).
– معنى هذا يا اءبي اءن المامون كان يبحث عن طريقة لقتل الامام الجواد(ع )كما فعل مع اءبيه الامام الرضا(ع ).
– هـذا صـحيح يا بني .. ولكن هناك اءسباب كثيرة تمنع المامون من اتخاذخطة سريعة بهذا الصدد.
منها اءولا : هو ان المامون وجد نفسه في موقف صعب جدا بعد قتله للامام علي بن موسى الرضا(ع ) وذلك لان جميع الناس اشاروا اليه باءصابع الاتهام .. وافتضح اءمره .. فاءراد اظهار احترامه ..وتقديره ومـحـبته للامام محمد الجواد(ع ) فيكون بذلك قد قدم دليلا لربماينطلي على الكثيرين من الناس .
ويـثبت لهم الى حد ما حسن نواياه تجاه اءئمة اءهل البيت (ع ) والسبب الاخر : هو اءن المامون اءراد اسـتـغلال عمرالامام محمد الجواد(ع ) كونه ما يزال صبيا.. وقد كان يعتقد اءنه لا يملك من العلم ما يـؤهـله للامامة .. فاءراد الماءمون بذلك اءن يضع الامام الجواد(ع ) في مناظرة يظن من نتيجتها اءنه يحط من مكانته (ع ) اءمام الناس .
فـقـال حامد بتعجب شديد : – هذا الحاكم يا اءبي يفكر على نحو يختلف تماما عما كان يفكر به حكام الامـويين والعباسيين .. فهو يظهر لا ئمة اءهل البيت (ع ) حبا وتعظيما ويخفي مكرا شديدا.. وكيدا عظيما.. يريد بذلك انهيار المذهب الشيعي بانهيار فكرة الامامة فيه .. واطفاء نجمها المتاءلق ..وهذا ما يسعى اليه الماءمون الان مع الامام محمد الجواد(ع ).
– نعم يا بني .. لذلك كان اول ما اتبعه الماءمون في خطته لا بعاد كل شبهة عنه انه اءمر بتزويج ابنته اءم الفضل من الامام محمد الجواد(ع ) فاعترض المقربون من المامون .. واجتمعوا حوله معاتبين : – اءتـزوج ابـنتك وقرة عينيك صبيا لم يتفقه في دين اللّه بعد.. ولا يعرف حلاله من حرامه ..؟ عليه حتى يقراء القرآن .. ويعرف الحلال من الحرام .
فقال لهم المامون : – انه لا فقه منكم .. واءعلم باءحكام اللّه تعالى وسنة رسوله (ص ).. واءقراء لكتاب اللّه مـنـكـم .. واءعـلـم منكم بمحكمه ومتشابهه .. وناسخه ومنسوخه .. وظاهره وباطنه .. وخاصه وعامه .. وتنزيله وتاءويله .. اساءلوه فان كان الامر كما وصفتم .. قبلت منكم .
فخرجوا من عنده .. وبعثوا الى قاضي القضاة يحيى بن اءكثم .. وجعلواحاجتهم اليه فاءطمعوه بالهدايا مقابل ان يحتال على الامام محمد الجواد(ع )في اءسئلة لايدري ما الجواب عليها.
وهنا ساءلني ولدي حامد وقد كان ينتظر نتائج الاحداث على اءحر من الجمر:
– فما كان دور الامام محمد الجواد(ع ) ازاء هذه المحاولات يا اءبي .. ؟ – اجتمع المامون بالامام الجواد(ع ) ويحيى بن اءكثم .. اءمام جمع غفير من العباسيين وغيرهم .. فقال المامون موجها كلامه الى يحيى بن اءكثم : – سله يايحيى اءولا عن مسائل الفقه .
فوجه يحيى كلامه الى الامام الجواد(ع ) سائلا اياه : – اءصلحك اللّه , ماتقول في محرم قتل صيدا.
؟ فـقال له الامام الجواد(ع ) : – اءقتله في حل اءم حرم .. ؟ عالما كان اءم جاهلا..؟ عمدا ام خطاء.. ؟ عـبـدا كان المحرم اءم حرا.. ؟ صغيرا كان اءم كبيرا.. ؟مبدئا ام معيدا.. ؟ هل الصيد كان من ذوات الـطـير اءم غيره .. من صغارالطير كان اءم كبيره ..؟ مصرا اءم نادما.. ؟ بالليل كان الطير في وكره اءم نهارا اءمام عيون الناس ؟ والمحرم هل كان محرما للحج اءم للعمرة .. ؟ فانقطع يحيى انقطاعا لم يخف على احد من اءهل المجلس .. وتحير الناس عجبا من كلام الامام محمد الـجـواد(ع ) فـاءشار الماءمون الى الامام (ع ) باءن يعرفهم على كل صنف من الصيد.. فبين لهم الامام حكم كل حالة من هذه الحالات .. مما زاد في تعجب الحاضرين ودهشتهم .. فالتفت المامون الى المقربين اليه منهم قائلا : هل فيكم من يجيب مثل هذا الجواب .. ؟ فقالوا له : – لا واللّه , ولا حتى القاضي .
فـقـال لهم المامون وقد خاب اءمله في النيل من الامام الجواد(ع ) : – ويحكم اءما علمتم ان اهل بيت النبوة ليسوا خلقا مثلكم .. ؟ وهـنـا عـلت وجه ولدي حامد فرحة عظيمة .. واءشرقت على شفتيه ابتسامة جميلة وهو يقول : – اءمام هذا العلم والنور الالهي لا ل رسول اللّه (ص ) لا يمكن لا حد الا ان يعترف بهم رغما عنه .
– نعم يا بني .. فقد ذهل المامون من اجابة الامام الجواد(ع ) وكذلك ذهل الحاضرون لاسيما يحيى بن اءكـثم .. فقد وجد نفسه في اءشد حالات الرعب والارتباك والحيرة من اءمره .. لا يعرف ماذا يفعل .
فـراح يسال الامام الجواد(ع ) اءسئلة اءخرى لعله يفلح في شي ء : – ما تقول يا ابن رسول اللّه في هذا الـخـبر : روي اءنه نزل جبرئيل (ع ) على رسول اللّه (ص ) فقال له : – يامحمد ان اللّه عز وجل يقرؤك السلام .. ويقول لك : سل اءبا بكر هل هوراض عني , فاني راض عـنـه .. فرد عليه الامام الجواد(ع ) : – يجب على صاحب هذا الخبر ان ياءخذمثال الخبر الذي قاله رسـول اللّه (ص ) فـي حـجـة الوداع : – (قد كثرت علي الكذابة وستكثر بعدي .. فمن كذب علي مـتـعمدا فليتبواء مقعده من النار..فاذا اءتاكم الحديث عني فاعرضوه على كتاب اللّه فما وافق كتاب اللّه فخذوابه وما خالف كتاب اللّه فلا تاءخذوا به ).. ولا يوافق هذا الخبر كتاب اللّه ..فقد قال اللّه تـعـالـى 🙁 ولـقـد خـلـقنا الانسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن اءقرب اليه من حبل الوريد ) ((11)) هذا فـهل اللّه تعالى خفي عليه رضاء اءبي بكر من سخطه .. حتى ساءل عن مكنون سره .. ؟ مستحيل في العقول .
فقال يحيى سائلا الامام (ع ) مرة اءخرى : – وقد روي اءن مثل اءبي بكروعمر في الارض , كمثل جبرئيل وميكائيل في السماء .. ؟ فـاءجـابـه الامام الجواد(ع ) : – وهذا اءيضا يجب اءن ينظر فيه , لان جبرئيل وميكائيل ملكان للّه مقربان .. لم يعصيا اللّه قط.. ولم يفارقا طاعته لحظة واحدة .. وعمر وابو بكر قد اءشركا باللّه عز وجـل , وان اءسـلـمـا بـعـد الـشـرك ,الا اءن ايامهما كانت اكثرها شركا.. فمن المحال اءن يشبها بـجبرئيل وميكائيل .. فلم يكف يحيى بن اءكثم وراح يساءل الامام (ع ) سؤالا آخر: -روي اءن عمر بن الخطاب سراج اءهل الجنة .. ؟ فـرد عـلـيه الامام الجواد(ع ) : – وهذا ايضا محال , لا ن في الجنة ملائكة اللّه المقربين , وآدم , ومحمد(ع ) وجميع الانبياء والمرسلين , افلا تضي ء الجنة باءنوارهم .. ؟ حتى تضي ء بنور عمر.. فعاد يحيى الى السؤال مرة اءخرى : وقد روي اءن النبي (ص ) قال : لو لم اءبعث لبعث عمر.
فاءجابه الامام (ع ) : – كتاب اللّه اءصدق من هذا الحديث .. اذ يقول اللّه تعالى في كتابه : ( واذ اءخذنا ((12)) وكل فقد اءخذ اللّه ميثاق النبيين فكيف يبدل ميثاقه .. ؟ الانـبـيـاء لم يشركوا باللّه طرفة عين ..فكيف يبعث اللّه تعالى بالنبوة من اشرك به ؟ اءيامه شركا..وحسبنا حديث رسول اللّه (ص ) : ى نبئت وآدم بين الروح والجسد ه. واسـتمر يحيى بن اءكثم يسال الامام محمدا الجواد(ع ) .. فضحك ولدي حامد.. حتى دمعت عيناه من الضحك وهو يردد : – عبثا يحاول يا اءبي ..ولو بقي الدهر كله على حاله هذا.. فماذا كان سؤاله بعد ذلك .. ؟ – قال : روي عن النبي (ص ) انه قال : ما احتبس عني الوحي .. الا ظننته قدنزل على آل الخطاب .. ؟ فرد الامام الجواد(ع ) : – وهذا محال ايضا.. لا نه لا يجوز ان يشك النبي (ص )في نبوته .. فقد قال اللّه تـعـالى : ( اللّه يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ) ((13)) ..فكيف يمكن ان تنتقل النبوة مـمـن اصطفاه اللّه تعالى الى من اءشرك به ؟وعاد يحيى بن اءكثم يسال الامام (ع ) مرة اءخرى : – روي اءن النبي (ص ) قال :لو نزل العذاب لما نجا منه الا عمر.. ؟ فـقـال الامـام الجواد(ع ) : – وهذا محال اءيضا.. لا ن اللّه تعالى يقول : (وما كان اللّه ليعذبهم واءنت فـيـهم وما كان اللّه معذبهم وهم يستغفرون ) ((14)) فقد اءخبر اللّه سبحانه اءنه لا يعذب اءحدا مادام فيهم رسول اللّه (ص ) وماداموا يستغفرون .