فقال أبوبكر: منعتم الزكاة، قالت: ليس الأمر على ما زعمت، إنما كان كذا وكذا، وهب الرجال منعوكم الزكاة بزعمكم، فما بال النسوان المسلمات سبين)([45]).
وفي رواية أخرى تفصح هذه المرأة عن حقيقة هذه الحرب التي شُنّت ضدهم والتي كان ظاهرها إمضاء رأي أبي بكر في جمع الزكاة وتحويله إلى يديه ينفقه حسب ضرورياته خلافاً لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في إنفاقه في الفقراء من بني حنيفة ليكون المال منهم وإليهم فتقول خولة الحنفية وقد توجهت إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تخاطبه: (السلام عليك هؤلاء أُمتك سبتنا سبي الترك والديلم، والله ما كان لهم من ذنب إلا الميل على أهل بيتك فحولت الحسنة سيئة والسيئة حسنة، فسبينا…)([46]).
وعليه:
يتضح من ذلك أن المسلمين قد ألفوا سبي النساء المسلمات بعد أن سن لهم أبو بكر ذلك ليتعدى الأمر إلى أعظم رزاياه في يوم عاشوراء. وعلى أعقاب أبي بكر يزيد بن معاوية وعبيد الله بن زياد فكانت مشاهد لم يشهد لها التاريخ نظيراً منذ أن اصطفى الله تعالى آدم إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم. قال تعالى:
[46] مسند الإمام الرضا عليه السلام للشيخ عزيز الله عطاردي: ج1، ص117.
[47] سورة آل عمران، الآيتان: 33 و 34.
المبحث الثالث
معنى المشيئة الإلهية، وهل هذه المشيئة تعطل العقاب الإلهي؟
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
إنّ حضور المرأة في كربلاء ومن خلال الدراسة في التاريخ الحربي للعرب والمسلمين يعد حضوراً متميزا وفريدا وملهما ومؤسساً لأصول عقائدية وحياتية جديدة لم يعهدها الإنسان قبل كربلاء ولم يتهيأ له مستقبلاً نظير لها، وذلك لما جمع في كربلاء من مقومات اختارتها المشيئة الإلهية لتكون محوراً وسطياً لهذه الأمة في بناء العقيدة والإصلاح.
من هنا: نجد أن الإمام الحسين عليه السلام حينما اعترضه محمد بن الحنفية عند خروجه إلى العراق مستفهما منه عن العلة في إخراجه لهؤلاء النسوة فأجابه عليه السلام:
«قد شاء الله أن يراهن سبايا».
لم يكن قوله عليه السلام إسكاتاً لما بدا على ابن الحنفية من تساؤلات عديدة لم يشأ أن يبوح بها فاختزلها بقوله: فما بال حملك لهذه النسوة؟ فقال هذه الكلمات القليلة التي في ظاهر الرواية التاريخية إنها أسكتته فلم يبُحْ بعدها بكلمة حتى بدا للقارئ أن المراد هو هذه النتيجة.
في حين أن الإمام الحسين عليه السلام قد كشف لأخيه أحد أعظم الحقائق التي ارتبطت بهذا الخروج، وما أشبه هذا القول منه عليه السلام بقوله تعالى لأم موسى حينما بدا عليها الخوف وتملكتها الحيرة في التعامل مع ولدها موسى ماذا تصنع به! فجاء الجواب:
وليت شعري: أي المقامين أعظم؟! فإن كان الملقى في أحضان البحر فرداً واحداً فإن أبناء محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد ألقوا في أخاديد الحراب وافترشوا نصال النبال وعانقوا السيوف؛ وهل رد ابن فاطمة لأمه سالماً معافىً أو رد إليها مقطع الأعضاء؟! لله الأمر من قبل ومن بعد.
إلا أن الآثار والنتائج التي حققها هذا الخروج لم تكن أقل شأناً من آثار إلقاء موسى في البحر ونتائج ذلك إن لم تفقها في مواضع كثيرة، فكم من فرعون وفرعون دكت العقيلة زينب عروشه إلى يوم القيامة، وكم من دفاع عن التوحيد ونبذ للشرك قد أثبتته الظعينة التي أخرجها الإمام الحسين عليه السلام، فضلاً عن الدفاع عن الولاية والنبوة وإعادة الإسلام إلى مساره الذي وضعه له الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
وعليه: قد يجد القارئ ضرورة في بيان معنى الإشاءة التي تصدرت كلام الإمام الحسين عليه السلام، وما الفرق بينها وبين الإرادة، وهل إن الإشاءة الإلهية تعني رفع العقاب عن القتلة لأن الله شاء أن يراهن سبايا؟