بـعـدهـا واصـل الامام الرضا(ع ) طريقه حتى دخل نيشابور.. فعرض له اثنان .. احدهما يدعى ابو زرعـة الـرازي .. والاخر احمد بن اسلم الطوسي ..ومعهما جمع من اهل العلم والحديث .. وقد كان الـرضـا(ع ) فـي قـبة مستورة على بغلة شهباء.. وقد شق بها السوق .. فسالوه بحق آبائه الطاهرين ان يريهم وجهه المنور.. ويروي لهم حديثا عن آبائه .. فرفع الستار واذا بغرته المباركة يسطع منها نور الامامة .. فصار الناس بين باك .. وصارخ ..ومكبر.. ومهلل .. وبعضهم راح يقبل اطراف القبة تبركا بها. في هذه الاثناء صاح احد العلماء : ـ ايها الناس انصتوا. فلما سكنت فورتهم .. اخرج الامام الرضا(ع ) راسه من المظلة قائلا :ـحدثني ابي الكاظم .. عن ابيه جـعفر الصادق .. عن ابيه محمد الباقر.. عن ابيه علي بن الحسين السجاد.. قال : حدثني ابي الحسين عـن ابـيه علي اميرالمؤمنين قال : ـ حدثني اخي وابن عمي رسول اللّه (ص ) قال : حدثني جبرائيل قـال : ـ سـمـعت رب العزة سبحانه يقول :ى كلمة لا اله الا اللّه حصني .. ومن دخل حصني امن من عذابي .. ه . صمت الامام (ع ) برهة ثم قال لهم : ـ لكن بشرطها وشروطها.. وانا من شروطها. ثـم مـضـى الامـام (ع ) في طريقه حتى نزل في محلة تسمى الفرويني .. وقد كان فيها حمام فدخله الامـام (ع ) واغتسل فيه .. ثم خرج منه وصلى .. وبعدهاواصل الامام (ع ) سيره مارا بسرخس حتى مرو عاصمة الخلافة العباسية التي كانت تـتـهـيا لاستقباله .. وتنتظر قدومه .. وقد كان في طليعة المستقبلين والمحتفين بالامام (ع ) المامون وحاشيته ورجال دولته . وبـدا الـحـوار.. وبدات المفاوضات بين الامام الرضا(ع ) وبين المامون ووزرائه الذين كلفهم بهذه الـمهمة .. فحاول الامام الرضا(ع ) امام المامون ان يمتنع عن تسلم ولاية العهد.. ولكنه قبل اثر تهديد الـمـامـون الذي قال له :ـان عمر جعل الشورى في ستة , احدهم جدك وقال : (من خالف فاضربوا عنقه ) ولا بد لك من قبول ذلك . ثـم امر المامون وزيره الفضل بن سهل : ـ اخرج الى الناس واعلن لهم عن قراري .. ورايي في علي بن موسى الرضا.. وعزمي على البيعة له بولاية العهد من بعدي . وامر المامون كذلك باستبدال الملابس السوداء التي كانت تمثل الشعارالعباسي بـالـملابس الخضراء.. وفي يوم البيعة اقبل قواد الجيش والوجهاء والقضاة ..وهم يلبسون الملابس الخضراء.. فامر المامون ولده العباس ليكون اول المبايعين .. فقام يبايع الامام الرضا(ع ) بولاية العهد. فـرفـع الامام (ع ) يده وقد جعل باطنها الى الناس وظاهرها امام وجهه .. مما اثار دهشة المامون فقال للامام : ـ ابسط يدك للبيعة . فقال الامام (ع ) : ـ ان رسول اللّه (ص ) هكذا كان يبايع الناس . تـمت مراسيم البيعة حافلة باهتمام المامون .. حيث توافد الشعراء والخطباءوالمتكلمون والمهنئون . وبذلت الا موال والهدايا واستمر المامون يتابع الاجراءات والقرارات التي تؤكد موقع الامام .. وتقنع الراي العام بـجـدية الخطوة التي اقدم عليها.. ثم امر باصدارالنقود باسم الامام الرضا(ع ) وضرب عليها اسمه الـشريف .. واصدر اوامره الى كافة اقطار الدولة بان يذكر اسم الامام الرضا(ع ) في خطب الجمعة وفـي كـل مكان .. واتخذ خطوات اخرى ليؤكد الروابط والعلاقة بالامام فزوجه من ابنته ام حبيب . وكـل مـا فعله المامون كان من اجل اقناع الامة بحسن القصد.. وصدق الاتجاه السياسي الذي اختاره واتجه اليه . وبـعـد كـل هـذا اراد المامون ان يمارس الامام الرضا(ع ) عملا فعليا يتعرف الناس من خلاله على مـبـاشـرة الامـام (ع ) لبعض مهام الدولة .. فطلب منه ان يؤم الناس لصلاة عيد الفطر الذي وافق بعد الـبـيـعـة بـفـتـرة قليلة جدا.. فماكان من الامام (ع ) الا ان رفض طلب المامون .. ولكن بعد الحاح الـمـامون واصراره .. وجد الامام (ع ) نفسه محرجا.. فقال للمامون : ـيا امير المؤمنين ان اعفيتني من ذلـك فـهـو احـب الـي .. وان لم تعفني خرجت كما كان يخرج رسول اللّه (ص ).. وكما خرج امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع ). فقال المامون : ـ اخرج كما تحب . امر المامون القواد والناس ان يبكروا الى باب الامام الرضا(ع ).. فجلس الناس في الطرقات .. وفوق سـطـوح المنازل .. واجتمع القواد على باب الامام الرضا(ع ).. الى ان طلعت الشمس .. فقام الامام (ع ) واغتسل ..وتعمم بعمامة بيضاء من القطن والقى طرفا منها على صدره وطرفا على كتفيه .. ثم اشار الى مواليه قائلا : ـ افعلوا مثلي . وخـرج حـافـيـا بين مواليه بهيئة الخاشع المتبتل المتجه الى اللّه سبحانه وتعالى بعيدا عن مظاهر الابهة والملك والسلطان رافعا راسه الى السماء.. وشرع يكبر : ـ اللّه اكبر.. اللّه اكبر.. اللّه اكبر والحمد للّه على ما هدانا.. اللّه اكبرعلى ما رزقنا من بهيمة الانعام .. والحمد للّه على ما ابتلانا. ورفـع بـذلـك صـوتـه .. فرفع الناس اصواتهم .. وتزلزلت مرو من البكاءوالصياح فسقط القواد عن دوابهم .. ورموا بخفافهم لما نظروا الى الامام الرضا(ع ) يمشي ويقف في كل عشر خطوات فيكبر اربـع مـرات .. تـخـيـلـوا ان الـسـمـاء والارض والـحـيطان تجاوبه .. فاثار هذا الموقف مخاوف الـبـلاطواركـان الـسلطة .. وتجسدت امامهم بداية تمركز شخصية الامام الرضا(ع )وتالق نجمه السياسي فوقع هذا موقع الرهبة في قلب الفضل بن سهل مماجعله يسرع لاهثا الى المامون : ـ ياامير المؤمنين اذا بلغ الرضا المصلى على هذا السبيل افتتن به الناس .. فرايي ان تساله الرجوع . تـصـاعـدت حـمم البركان .. وراح يتفاقم غليانها مما جعل المامون يزفرزفرات سرعان ما راحت تتجمع فتشكل سحابة سوداء مثقلة بحمم مسمومة .. وساعتها لم يجد امامه الا ان يعمل براي وزيره ومـستشاره الفضل بن سهل .. فارسل خلف الامام الرضا(ع ) من يعود به الى بيته .. وهويفكر في ا مر قد عزم على تنفيذه . واخيرا ايتها السحابة السوداء… كيف بك الان وقد امطرت حممك المسمومة …؟ ولـكـن هـل تعتقدين ان احدا لا يعلم في اي موضع نزلت تلك الحمم المسمومة .. ؟ تـعتقدين ايتها السحابة السوداء.. فهاهم الناس يتجمهرون صارخين باعلى اصواتهم : ـ ان المامون قد قتل عليا بن موسى الرضا(ع ). كان ذلك في آخر شهر صفر من سنة ثلاث ومائتين .. وقد كان له من العمرخمس وخمسون سنة . الامام الجواد (ع ) نور.. من قمر النبوة دعاني التاريخ الى مسرح اءحداثه .. فسرت معه ملبيا دعوته .. دخلت قاعة كبيرة .. وجلست امام ستائر سـرعـان مـا انـفرجت , فاذا بي اءشاهد الامام محمدا بن علي الجواد(ع ) صبيا في الثامنة من عمره يـتمشى على جانب من الطريق .. فجعلني اءقف مذهولا عاجزا عن وصف هيبته ووقاره .. وعن وصف تلك الانوار القدسية التي يشع بها وجهه الكريم .. لحظات واذابالشباب والصبيان يهرولون نحوه من جـميع الاتجاهات يدفعهم حبهم له وشغفهم به .. فتجمعوا حوله يستمعون الى كلامه وقد غرقوا في حالة من التاءمل والتفكير.. كيف لا يكونون كذلك وهم اءمام الذي برز على اءهل زمانه علما وفضلا.