الفصل الأول: حقيقة الأخوة
الثمرات ما لا يُمكن عدّه واحصاؤه من قبيل ما جاء في الحديث:
“من استفاد أخًا في اللهِ عزَّ وجلَّ استفادَ بيتًا في الجنَّةِ”1، أو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: “النظرُ إلى الأخِ تَوَدُّه في اللهِ عزَّ وجلَّ عبادةٌ”2؟
دور التآخي في بناء الفرد:
إنّ للأخوّة الدينيّة دورًا رائدًا في بناء الشخصيّة المؤمنة، حيث تساعدها على الاتّصاف بمجموعة من الفضائل وتشعرها بمسؤوليّة ولو على نطاق خاصّ، انطلاقًا من معرفة ما لها من مدلول وعمق في الإسلام، فيعرف الإنسان قدره من خلال معرفة قدر أخيه وما له من حقّ عليه. ويكون الالتزام بآداب العلاقة بالآخرين باعثًا على إنتاج صورة متكاملة ومسلك مستقيم، أوّل المستفيدين منه صاحب هذا الدور مع ما يتركه من ذكر حسن وسمعة طيّبة إن هو بقي على ما بدأ به في بداية الطريق. لذلك من وُصِفَ بأنّه أخٌ حقًّا وصِدقًا، بحيث إنّه أقام حدود الأخوّة وراعى حقوقها والتزم آدابها، فهو على الصعيد الفرديّ في سعادة وتقدّم دائمين، كما أنّ النجاح في هذه المدرسة الأخويّة سيفتح له نجاحًا في مدارس ومجالات أخرى ربما اتّسعت ميادينها إلى ساحة
1- ثواب الأعمال، ج1، ص182.
2- بحار الأنوار، ج47، ص279.
11
5
الفصل الأول: حقيقة الأخوة
حياته جمعاء، وأمّا إذا لم يوفّق لاكتساب الإخوان وفشل في هذه المهمّة الّتي تعتبر مفصلًا في دورة حياته، فإنّ ذلك سيترك عوامل سلبيّة ونتائج غير مرضية سرعان ما تظهر في كثير من قضاياه وربما حوّلتها إلى مشاكل مستعصية لا سيّما وأنّ هذا العجز ليس بالشيء الّذي يُمكن التغاضي عنه، وقد اعتبره أمير المؤمنين عليه السلام خطيرًا ووصف صاحبه بأعجز الناس، يقول عليه السلام:
“أعجزُ الناسِ من عجزَ عن اكتسابِ الإخوانِ، وأعجزُ منهُ من ضيّعَ من ظفرَ بهِ منهُم”1.
وهنا أوضح عليه السلام أنّ هناك صنفًا من الناس تكون درجة العجز لديهم أكبر وأخطر من الصنف الآخر وهم الّذين لا يُحسنون الاستمرار مع الآخرين في العلاقة الأخويّة بعد أن كان بينهم في بداية أمرهم ترابط وتآزر، ولكن ضاعت المودّة وعادت كأن لم يكن شيء بينهما، أو كأنّ الزمان لم يكن لأيّامه ولياليه وجود ينبّههم إلى ما أنساهم الشيطان. وما هذه الظاهرة بعزيزة في الحياة، فكم نشاهد من أشخاص دامت العلاقة بينهم سنين عديدة ثمّ افترقوا إلى غير رجعة حيث أخذت العداوة بينهم مأخذها وأبدت ثغرات أحكم من خلالها غلق الباب الّذي منه يسري نسيم المودّة وتدوم ذكريات التعاون. ومع غضّ النظر عن الجوانب السلبيّة في حدود ما تتركه
1- نهج البلاغة، ج4، ص4.
12
6
الفصل الأول: حقيقة الأخوة
هذه الأزمة من مشاكل على الصعيد الفرديّ، بحيث لا يقرّ لشخصيّة الإنسان المؤمن قرار، ولا يهدأ له بال حتّى في علاقته بالله تعالى فيتخبّط قائمًا وقاعدًا يستحضر ما لديه من الكمّ الهائل من سيرته مع أخيه، سواء في محطّاتها الجميلة الّتي يؤدّي تذكّرها إلى الرغبة والشوق لإعادة المياه إلى مجاريها، وتجديد العلاقة به، أم في المحطات السيّئة وكان السوء صادرًا عنه وليس عن أخيه فيؤدّي ذلك إلى الندم والمؤاخذة ليظلّ معذّبًا وهو يقارن بين فترة المواصلة وفترة المقاطعة، يتّضح أنّ التخلّي عن الأخ والزهد فيه هو عامل هدّام في حياة الفرد، كما كان التآخي عاملًا بنّاءً على هذا الصعيد، فقد جاء عن مولانا الصادق عليه السلام في الحثّ والتأكيد على طلب المؤاخاة قوله عليه السلام:
“واطلبْ مؤاخاةَ الأتقياءِ ولو في ظلماتِ الأرضِ وإنْ أفنيْتَ عمرَك في طلبِهم، فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لمْ يخلقْ على وجهِ الأرضِ أفضلَ منهُم بعدَ النبيّينَ، وما أنعمَ اللهُ على العبدِ بمثلِ ما أنعمَ بهِ من التوفيقِ لصحبتِهم”1.
فنعمة مصادقة الإخوان هي نعمة إلهيّة لا مثيل لها على الإطلاق.
1- مصباح الشريعة، ص150.
13
7
الفصل الأول: حقيقة الأخوة
دور التآخي في بناء المجتمع:
إنّ الله تعالى يحبّ لنا أن نعيش متماسكين، يساعد بعضنا بعضًا، وليس أشتاتًا متفرّقين قد ذهبت بنا المذاهب كلّ مذهب، فضاعت الأهداف ومعها فقدنا السبل والوسائل إليها. ولا يُتصوّر مجتمع واحد يشترك أهله في تحمّل شؤونه وشجونه، وهو لا تحكمه روح المؤاخاة، حتّى لو سادت روحيّة الأخوّة فيه شكلًا لا مضمونًا ومظهرًا لا جوهرًا، كذلك لا يُقدَّر لهذا المجتمع النجاح. فحتّى يُؤتي أُكُلَه ويتّجه إلى حيث أراد الله تعالى له لا بدّ أن تكون الأعمال ترجمان الأقوال، والمواقف مُعربة عمّا تحويه الضمائر وتكنّه السرائر، فترى من يتغنَّى بالصلة المميّزة بفلان من الناس ويعتبره أخاه، هو لا يخذله في وقت الشدّة، ولا يتركه للدهر فيكون عونًا له على الدهر لا عونًا للدهر عليه، وكذلك من يكثر الثناء والمديح أو إبداء الاعجاب بشخص ما لِما يتحلّى به من صفات، لا يترك زيارته إذا مرض ولا السؤال عن حاله فيؤلمه ما آلمه ويُسعِده ما أسعده.
وهنا، يتجلّى الدور الفعّال للتآخي في الحياة الاجتماعيّة، إذا قام كلّ فرد بما توجبه عليه أخوّته الإيمانيّة اتّجاه الآخرين، يقول الإمام الصادق عليه السلام:
“المؤمنُ أخو المؤمنِ كالجسدِ الواحدِ، إنِ اشتكى شيئًا منه وُجدَ ألمُ ذلكَ في سائرِ جسدِه،
14
8
الولاية الاخبارية موقع اخباري وثقافي لمن يسلك الطريق الی الله