الفصل الأول: الهجرة والجهاد
باستطاعة العدو أن يعبر إلى جهة المسلمين ورغم ذلك فقد تمكن نفر من الكفار – ومن بينهم عمرو بن عبد ود – من عبور الخندق بطريقة أو بأخرى، وأخذ عمرو يجول بفرسه وهو يصرخ: هل من مبارز؟! فلم يجرؤ أيّ من المسلمين على الخروج له وهم يعرفون من هو عمرو وماذا تعني مبارزته، فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: من له؟ فسكت الجميع إلّا علياً إذ نهض وقال: أنا له يا نبي الله، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: “إنّه عمرو اجلس! فنادى عمرو ثانية: ألا من رجل؟ ثمّ أخذ يلومهم ويقول: أين جنّتكم التي تزعمون أنّ من قتل منكم دخلها؟ فلم يجب إلّا عليّ إذ نهض وقال: أنا له يا رسول الله، فأجابه الرسول بمثل ما أجابه في المرّة الأولى، فنادى عمرو ثالثة فلم يجبه أحدٌ أيضاً غير الإمام عليّ عليه السلام إذ نهض وقال: يا رسول الله أنا له، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: “إنّه عمرو”، فقال عليه السلام: “وإن كان عمراً”، فاستأذن رسول الله فأذن له وخرج عليه السلام إلى عمرو. وخلاصة الحدث، أنَّ علياً عليه السلام يطرح بطل الأبطال على الأرض ويجلس على صدره ليحتزّ رأسه وهنا يبصق عمرو في وجه عليّ عليه السلام، فيقوم الإمام عليه السلام من فوق صدره، ويأخذ بالسير بهدوء بالقرب منه وبعد فترة يعود فيجلس مرّة أخرى على صدره ويهم بقطع رأسه فيسأله عمرو عن سبب قيامه عليه السلام أوّلاً ثمّ عودته ثانية، فما كان جواب الإمام عليه السلام؟! لقد غضب الإمام عندما بصق اللعين في وجهه الشريف، وهنا تركه خشية من أنّه
22
16
الفصل الأول: الهجرة والجهاد
إن قتله وهو غاضب فقد يحتمل أن يكون ذلك غضباً لنفسه لا لله، فقام عنه حتَّى هدأ عليه السلام وعاد فقتله لله تعالى لا لغيره1.
الهجرة تعني ترك الذنوب
وخلاصة ما تقدّم أنّ المعنى الآخر للهجرة هو ترك الذّنوب والمعاصي، والمعنى الآخر للجهاد هو مجاهدة النفس وأهوائها، فهل – يا ترى – هذا التَّفسير صحيح أم لا؟! الجواب هو أنَّه صحيح بحدِّ ذاته ولكن قد أسيء فهمه وفهم بصورة خاطئة، فمقولتا: “المهاجر من هجر السيّئات، والمجاهد من جاهد نفسه” واردتان في أحاديث المعصومين عليهم السلام. إنّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يصف جهاد النفس بأنّه “الجهاد الأكبر”، لكن الخطأ في الفهم والانحراف في التفسير، قد وقع عندما لجأ البعض إلى إلغاء المعنى الأوّل للهجرة والجهاد وذلك باحتجاجهم في أنّ معنى الهجرة ترك الذّنوب وإنّ معنى الجهاد مجاهدة النفس فلا حاجة إذن لأن نترك الأهل والديار عند اقتضاء الضرورة، ونتغرب في البلدان، بل بدلاً من ذلك نجلس في بيوتنا
1 الرواية التي وجدناها ينقلها المجلسي في البحار: ج 41، ص 51.
وفيها: “إنّه لما أدرك عمرو بن عبد ود، لم يضربه. فوقعوا في عليّ عليه السلام – ويقصد أنّ أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم انتقدوا علياً بسبب تركه الإجهاز على عمرو – فردّ عنه حذيفة فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: مه يا حذيفة فإنّ علياً سيذكر سبب وقفته. ثمّ إنّه ضربه – أي إنّ الإمام قتل عمراً – فلما عاد عليه السلام، سأله النبي عن ذلك – التأخير في قتل عمرو – فقال عليه السلام: “لقد كان – عمرو – شتم أمّي وتفل في وجهي، فخشيت أن أضربه لحظ نفسي – غضباً لها – فتركته حتى سكن ما بي ثمّ قتلته في الله”.
– ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، ج1، ص381.
23
17
الفصل الأول: الهجرة والجهاد
ونهجر الذّنوب فنصبح بذلك مهاجرين، ويقول البعض الآخر: إنّه ما دام الجهاد هو مجاهدة النفس، إذن فلا ضرورة للسَّير إلى محاربة أعداء الإسلام، وبدلاً من أن نتحمل مصاعب ذلك، نجلس في بيوتنا وننشغل في مجاهدة أنفسنا وهذا هو – في نظرهم – الجهاد في سبيل الله بل هو أعظم من سابقه لأنّه الجهاد الأكبر وذاك هو الجهاد الأصغر.
إذن فقد اتخذ تفسير الهجرة بترك الذّنوب ذريعة لإلغاء الهجرة بالمعنى الأوّل، واتخذ تفسير الجهاد بجهاد النفس ذريعة لإلغاء الجهاد بالمعنى الأوّل. وهذا هو الانحراف في الفهم، لأنّ في الإسلام هجرتين لا هجرة واحدة، ونوعين من الجهاد لا نوعاً واحداً، وإلغاء أيّ من الهجرتين – نوعي الهجرة – بالتذرع بالنوع الآخر، أو إلغاء أيّ من نوعي الجهاد بالتذرع بالآخر، كل ذلك يعني انحرافاً عن الإسلام وتعاليمه.
ثالثاً: دور الجهاد والهجرة في تربية الإنسان
إنّ قادتنا الدينيين – الرسول الأكرم، الإمام علي عليه السلام والأئمّة الأطهار – كانوا جميعاً مهاجرين في سبيل الله، بكلا الهجرتين، وكانوا عليهم السلام مجاهدين في سبيل الله بكلا الجهادين. وإذا نظرنا إلى الموضوع من الناحية المعنويّة، وجدنا هناك درجات لا يمكن الوصول إليها إلّا عبر المرور بكلتا الهجرتين أو الجهادين، فلا يمكن
24
18
الفصل الأول: الهجرة والجهاد
بحال أن يحصل الإنسان على درجة المجاهد وهو لم ير ساحة الجهاد أصلاً، كما لا يمكن له أن يحصل على درجة المهاجر وهو لم يهاجر بالمعنى الظاهر- المعنى الأوّل – وهذه هي سُنّة الله في خلقه للإنسان، إذ جعل نضجه وتكامله ورقيه مرهونة باجتياز دورات تربوية خاصة، فالزواج مثلاً يعتبر من وجهة نظر الإسلام عملاً مقدّساً من عدّة وجوه “على العكس من المسيحية المعاصرة التي تعتبر العزوبة عملاً مقدّساً”، فلماذا يعتبر الإسلام الزواج عملاً مقدّساً؟!.. إنّ سرّ الاهتمام بهذا الأمر هو تأثيره المهم في تربية روح الإنسان، فلروح الإنسان خاصية التكامل والرقي والنضج ولا يمكن أن تحصل عليها إلّا بالزواج، أي لو ظلّ الرجل أعزب إلى آخر عمره أو لو ظلّت المرأة عزباء إلى آخر عمرها، فسيبقى هناك نقص في تكامل روحيهما، سببه فقدان الأثر التربوي للزواج ولا يسدّ ذلك النقص حتى لو أنّهما قضيا العمر في العبادة، والرياضات ومجاهدة النفس، فالإسلام اعتبر الزواج سُنّة من سننه، وأحد أسرار ذلك التأثير الذي يتركه الزواج في تربية الإنسان وتكامله. فكل عامل من العوامل المؤثرة والمشتركة في تربية الإنسان ينحصر أثره في موقعه الخاص به، ولا يمكن لأي عامل آخر أن يحل محلّه إذا فقد ويحدث نفس تأثيره التربوي، كما أنّه لن يستطيع أن
يحل محل أيّ من العوامل الأخرى.
والهجرة والجهاد هما أيضاً من العوامل التي تشترك في تربية الإنسان وتكامله ولذلك فلا يمكن أن يحل محلهما أي من العوامل
25
19
الولاية الاخبارية موقع اخباري وثقافي لمن يسلك الطريق الی الله