الفصل الأول: الهجرة والجهاد
الأخرى. فالجهاد مع النفس له موقعه، وكذلك الهجرة عن السيّئات، لكن الهجرة العملية عامل تربوي لا يمكن للهجرة بالمعنى الثاني – الهجرة عن السيّئات – أن تحلّ محله. وكذلك حال الجهاد والقتال ضد أعداء الله فلا يمكن أن يحلّ محلّه
جهاد النفس. والعكس صحيح أيضاً، فكلاهما يضعهما الإسلام في صف واحد ويعتبرهما من عوامل التربية الإسلامية.
رابعاً: الظروف الموضوعية للجهاد والهجرة
وهنا يبرز سؤال مهم يقول: إنّ الظروف الموضوعية التي يعيشها الفرد المسلم متباينة ولا تقتضي جميعها من الفرد المسلم أن يهاجر أو يجاهد أعداء الله، فماذا سيكون موقفه آنذاك خصوصاً بعد أن عرفنا الأثر التربوي المهم للهجرة والجهاد؟!
يجيب الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا التساؤل بأنّ واجب المفرد المسلم في هذه الحال، هو أن يكون في قلبه عزم صادق ونيّة مخلصة بأن يهاجر أو يجاهد أعداء الله، في أيّ وقت تتطلب الظروف الموضوعية الهجرة أو الجهاد. ومع توافر النيّة المخلصة والعزم الصادق لدى الفرد المسلم، يصل بذلك إلى درجة المهاجرين والمجاهدين حقاً. وهذا الجواب النبوي يمكن استخلاصه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: “من لم يغز ولم يحدِّث نفسه بغزو، مات على شعبة من النفاق”1.
1 صحيح مسلم: ج3، ص1517، وص1910.
26
20
الفصل الأول: الهجرة والجهاد
والقرآن الكريم يقول: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾1.
ونلاحظ من النص القرآني أنّه لا يدخل المتخلفين ضمن حديثه عن القاعدين فهم غير منظور إليهم هنا، وإنّما حديثه هنا، عن القاعدين بعذر شرعي (هو وجود من به الكفاية من المجاهدين) فيقول: إنّ هؤلاء المجاهدين هم أعلى درجة وفضلاً وأجراً من القاعدين بعذر شرعي وهو وجود العدد الكافي من المجاهدين، ولكن في الوقت نفسه يؤكد النص أنّ هذا التفضيل لا يشمل أولي الضرر من القاعدين أي القادرين على الجهاد والمعذورين بسبب الأمراض المختلفة التي تعوقهم عن الجهاد – كفاقدي البصر، والمشلولين عن الحركة والمرضى الذين أقعدهم المرض فلا ينفي القرآن الكريم أنّ لهؤلاء فضلاً، ومن الممكن أن يصلوا إلى درجة المجاهدين، بل ويسبقوا الآخرين في ذلك، لو كان في قلوبهم عزم صادق ونيّة حقيقية، بأنّ لو زالت عنهم تلك العوائق لذهبوا إلى الجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. وهذه القاعدة صحيحة عند توافر شروطها.
1 سورة النساء، الآية: 95.
27
21
الفصل الأول: الهجرة والجهاد
قال رجل لأمير المؤمنين الإمام عليّ عليه السلام وهو في طريق عودته من صفين1: “يا أمير المؤمنين إنّ لي أخاً كم تمنيت أن يحضر معنا صفين في معسكرك فينال صحبتك” فماذا كان جواب الإمام علي عليه السلام ؟! لقد سأل عليه السلام الرجل عن نيّة أخيه ما هي، وماذا في قلبه، وعلام عزمه، هل كان لديه عذر منعه من الحضور أم لم يكن لديه عذر؟!
ثمّ يحدد الإمام عليه السلام الأجوبة الدقيقة عن كل تلك الاحتمالات، فإذا لم يكن معذوراً ولم يأت فعدم مجيئه خير لنا من مجيئه2، وإن كان معذوراً وقلبه معنا وعزمه أن يلحق بنا لو استطاع
1 الرواية التي وجدنا في نهج البلاغة تذكر أنّ هذا الحوار حدث أثناء عودة الإمام من البصرة بعد أن نصره الله على أصحاب الجمل لا بعد عودته من صفين كما ذكر الأستاذ الشهيد ونحن إذ ذكرنا الترجمة التوضيحية للنص كما ذكرها الشيخ الشهيد، نثبت هذا الذي وجدناه في النهج: ومن كلام له عليه السلام: “لما أظفره الله بأصحاب الجمل، وقد قال له بعض أصحابه: وددت أنّ أخي فلاناً كان شاهدنا ليرى ما نصرك الله به على أعدائك” فقال له عليه السلام: “أهوى أخيك معنا؟ فقال: نعم، قال عليه السلام: فقد شهدنا، ولقد شهدنا في عسكرنا هذا أقوام في أصلاب الرجال وأرحام النساء، سيرعف – يجود بهم عن غير انتظار – بهم الزمان ويقوى بهم الإيمان”. – نهج البلاغة، ج1، ص55.
2 ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ﴾. سورة التوبة، الآيتان: 46 و47.
هذا بالنسبة للطائفة الأولى. أما بالنسبة للطائفة الثانية التي يذكرها الإمام عليه السلام فيتلطف القرآن الكريم في وصفهم فيقول في سياق الآيات السابقة.
﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ﴾. سورة التوبة، الآيتان: 91 و 92.
عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال لما رجع من غزوة تبوك وعند اقترابه من المدينة: “إنّ بالمدينة لقوماً، ما سرتم من مسير ولا قطعتم وادياً إلّا كانوا معكم فيه” قالوا يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال عليه السلام: “وهم بالمدينة، حبسهم العذر”. – سُنن ابن ماجة، ج 2، ص923.
28
22
الفصل الأول: الهجرة والجهاد
فهو معنا، فأجاب الرجل إنّه كذلك يا أمير المؤمنين فأجابه الإمام عليه السلام: ليس أخوك وحده كان معنا بل ورجال آخرون ما زالوا في أرحام أُمّهاتهم بل وفي أصلاب آبائهم، فهذا حكم ثابت فكلّ شخص وحتى يوم القيامة إذا وُجد وكان في قلبه عزم صادق أنّه لو أدرك علياً في صفين لنصره فهو مع علي ويعتبر من أنصار علي وجيش علي في صفين وإن لم يحضر صفين بل ولم يعاصرها.
خامساً: انتظار الفرج
ماذا يعني انتظار الظهور؟
وماذا يعني نص “أفضل الأعمال انتظار الفرج”؟ البعض يتوهّم ويظنّ أنّ “انتظار الفرج” وهو أفضل الأعمال يعني أن ننتظر ظهور إمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف مع جمع من خواص أصحابه وأنصاره وعدتهم “313” رجلاً ومعهم جمع آخر من غير الخواص، فيحاربون أعداء الإسلام ويطهرون الأرض من دنسهم، ويقيمون العدل والأمن في البلاد ويوفرون الرفاه والحرية بأكمل صورهما، بعد ذلك يقولون لنا: تفضلوا! البعض يتوهّم أنّ انتظار الفرج هو هذا، ويصفونه بأنّه أفضل الأعمال. ولكن الانتظار الحقيقي للفرج، هو بانتظارنا ظهور الإمام عليه السلام للانخراط في جيشه والقتال تحت إمرته حتى ولو استشهدنا في هذا القتال. الانتظار الحقيقي هو أن يكون أمل الإنسان كله وكل أمانيه حقاً الجهاد في سبيل الله، وليس الانتظار حتى يأتي الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف فتقول له: اذهب أنت وحدك فأنجز كلّ المهام الشاقة، وعندما يحين وقت جني الثمار سنأتي نحن،
29
23
الفصل الأول: الهجرة والجهاد
هذا هو منطق أصحاب موسى، أما أصحاب محمّد فقد قالوا له: يا رسول الله! لا نقول لك ما قاله لموسى بنو إسرائيل، أصحاب موسى عندما وصلوا إلى فلسطين – بيت المقدس – ورأوا فيها جنداً متأهبين قالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾1، كان هذا هو منطق أصحاب موسى، اذهب أنت وربك فقاتلا وطهرا فلسطين من دنس الأعداء، وسنأتي نحن بعد أن نطمئن إلى أنّه لم يبق خطر فيها. إنّ موسى عليه السلام قد سألهم مستنكراً: فما هو واجبكم إذن؟ عليكم أنتم أيضاً أن تخرجوا من دياركم الغاصب الذي أخرجكم منها، أما أصحاب النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أمثال المقداد، فما كان قولهم كهذا، وإنّما قالوا: “لقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحق وأعطيناك مواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحقّ لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلّف منّا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً”2.
إذن فالانتظار الحقيقي للفرج هو أن يترسخ في قلوبنا عزم صادق ونيّة حقيقية وأمل بأن نوفق لأن نكون في جيش إمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف فنشارك معه في إصلاح الدّنيا.
1 سورة المائدة، الآية: 24.
2 القول لسعد بن معاذ وقد قاله جواباً للرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي استشار الأنصار في الخروج إلى المشركين في معركة بدر، تجده في السيرة النبوية لابن هشام، ج2، ص448.
30
24
الولاية الاخبارية موقع اخباري وثقافي لمن يسلك الطريق الی الله