هبة السماء ، رحلتي من المسيحية إلى الإسلام

و متساوون معا، وهكذا فإن الإنسان الناجي هو ذلك الذي يعتقد بالثالوث (1).
ولقد تبلور قانون الإيمان الاثناسيوسي على يد أغسطينوس في القرن الخامس، و صار القانون عقيدة الكنيسة الفعلية من ذلك التاريخ إلى يومنا هذا. ففي عام (451) الميلادي وفي مجمع خلقيدونيا المسكوني تم إقرار التثليث على أنه موثوقة رسمية ولا تقبل المناقشة، والكلام ضد الثالوث يعتبر كفرا ومن يقترفه يستحق الموت أو التشويه.
ولكن استمر الاصلاح في هذه العقيدة وترميمها وتطويرها، إذ يعترف المسيحيون أن هذه العقيدة بحاجة إلى تنبير ولا يستطيع دارس هذه العقيدة أن ينسى المصلح جون كلفن، الذي عاش في القرن السادس عشر، ونبر على التساوي التام بين الأقانيم الثلاثة في هذه العقيدة، التي يلزمها مثل هذا التنبير من وقت إلى آخر على مر الزمن) (2).
والقانون الذي وضعته الكنيسة (قانون الإيمان) يشير بوضوح إلى هذه العقيدة.
وأذكر أني حفظت (قانون الإيمان) في فترة (التناول) في سن
(1) نظرة عن قرب في المسيحية: 37.
(2) قاموس الكتاب المقدس: 233.
(٩٥)

السابعة تقريبا ونصه هو:
أؤمن باله واحد، أب ضابط الكل خالق السماء والأرض وكل ما يرى وما لا يرى، وأؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الأب قبل كل الدهور، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساو للأب في الجوهر، الذي به كان كل شئ، الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد بالروح القدس ومن مريم العذراء، وصار انسانا وصلب عنا على عهد بيلاطس البنطي، تألم وقبر، وقام في اليوم الثالث كما في الكتب، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الأب، وسيأتي بمجد ليدين الأحياء والأموات الذي ليس لملكه انقضاء. وأؤمن بالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الأب والابن، الذين هو مع الأب والابن، يسجد له ويمجد، الناطق بالأنبياء، وأؤمن بكنيسة واحدة مقدسة جامعة ورسولية، واعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا، وأترجى قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي، آمين) (1).
فالمسيحيون يلخصون عقيدة التثليث في النقاط الستة التالية:
1 – الكتاب المقدس يقدم لنا ثلاث شخصيات يعتبرهم شخص الله.
2 – هؤلاء الثلاثة يصفهم الكتاب بطريقة تجعلهم شخصيات
(1) أنظر كتاب تعاليم الكتاب المقدس: ص 60.
(٩٦)

متميزة الواحدة عن الأخرى.
3 – هذا التثليث في طبيعة الله ليس مؤقتا أو ظاهرا بل أبدي وحقيقي.
4 – هذا التثليث لا يعني ثلاثة آلهة بل أن هذه الشخصيات جوهر واحد.
5 – الشخصيات الثلاث الأب والابن والروح القدس متساوون.
6 – لا يوجد تناقض في هذه العقيدة (1).
والمسيحيون يؤكدون على التوحيد، وأن خالق هذا العالم والذي يدير شؤونه هو واحد لا أكثر، ولكن في تعريفهم لحقيقة هذا الواحد يقولون أنه يتألف من ثلاثة أقانيم أو أشخاص وهم (الأب والابن والروح القدس) وهم متساوون في القدرة والمجد.
ويؤكدون أن هذه المعرفة كانت تدريجية، فالله سبحانه لم يكشف عن نفسه مرة واحدة، لشدة نوره الذي يبهر العيون، بل تمت معرفته في يسوع المسيح (عليه السلام)، فالخالق العظيم كانت حقيقته مجهولة للإنسانية، ولم يستطع أحد التعرف على كنهه، وبمجئ المسيح (عليه السلام) كشف ربنا عن كنهه وحقيقته بتجسده في عيسى المسيح (عليه السلام) (2).
وأما إثبات هذه العقيدة من الكتاب المقدس، (والكلام للمسيحيين) فالعهد القديم لم يوضح الثالوث الأقدس، بل كان جل
(1) قاموس الكتاب المقدس: 232.
(2) المسيح في الفكر الاسلامي: 258.
(٩٧)

اهتمامه وهدفه هو أن يركز مفهوم وحدانية الله سبحانه في نفوس بني إسرائيل، وكفهم عن عبادة الأوثان، وهذا الموضوع احتاج إلى وقت طويل ليفهمه ويعتقده هذا الشعب، فنحن نرى أن موسى (عليه السلام) عندما صار إلى ميقات ربه فتأخر، رجع بني إسرائيل إلى عبادة العجل الذهبي، فكانت عبادة الأوثان ما تزال مؤثرة في نفوسهم، ولهذا فمن يطالع العهد القديم يرى بوضوح أن وحدانية الله بارزة في أكثر تعاليمه بل هي أول الوصايا، كما ذكر في (تث: 6 – 4) (اسمع يا إسرائيل أن الرب إلهنا رب واحد).
ولذا فنحن لا نعثر في العهد القديم على أي إشارة إلى هذا الثالوث، نعم استعملت في العهد القديم كلمة (الأب) وأرادوا به الله سبحانه، فهو أب الأبرار والصالحين ولكن كان يفهم منها المعنى المجازي لا الحقيقي، وكذلك كلمة الابن هي الأخرى استعملت في العهد القديم وأيضا كان يفهم المعنى المجازي لا البنوة الحقيقية، والروح القدس هو الآخر مذكور كثيرا، ولكن له معاني كثيرة مختلفة، إذ كان يقصد منه مثلا، نفخة الحياة، النفس، الريح، وغيرها… وكأن الله سبحانه (والقول للمسيحيين) كان يهئ البشرية للخطة النهائية التي سيكشف فيها عن نفسه بأنه (أب، وابن، وروح القدس) في العهد الجديد (1).
(1) نفس المصدر: 258.
(٩٨)

شاهد أيضاً

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) قــــــــال رســـــــــــــــول الله في حق مــــن يهــــــــــــــواه إذا …