المسيرة نت | خاص: في كل مرة ترتفع فيها حدة الخطاب الأمريكي، يتجدد الجدل حول ما إذا كانت واشنطن تمتلك بالفعل القدرة والإرادة لتحويل تهديداتها إلى أفعال، أم أن التصعيد بات جزءاً من أدوات الضغط السياسي والنفسي التي تُستخدم كلما وصلت الأزمات إلى طريق مسدود.
وبين التصعيد اللفظي والتراجع العملي، تتسع الهوة بين ما يُعلن وما يجري على أرض الواقع، الأمر الذي يدفع كثيراً من المراقبين إلى اعتبار أن سياسة التهديد لم تعد تحقق النتائج التي كانت تحققها في مراحل سابقة.
وفي المقابل، تبدو طهران أكثر تمسكاً برفضها العودة إلى دوامة الضغوط التي سبقت المواجهات الأخيرة، مؤكدة أن التجارب المتراكمة مع الإدارات الأمريكية رسخت قناعة لديها بأن أي تفاوض تحت التهديد لا يفضي إلى حلول مستقرة، وأن الردع العسكري والسياسي هو الضامن الحقيقي لحماية السيادة والمصالح الوطنية، في ظل استمرار ما تعتبره محاولات أمريكية لإعادة فرض الهيمنة على المنطقة.
ومع استمرار التوتر، تتجه الأنظار إلى طبيعة المرحلة المقبلة، حيث تتجاوز القضية تبادل الرسائل أو المناورات السياسية، إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك الإقليمي، وسط قناعة متزايدة لدى العالم بأن معادلات القوة التي فرضتها إيران وقوى محور الجهاد والمقاومة غيّرت كثيراً من الحسابات، وأدخلت المنطقة في مرحلة تختلف عن كل ما سبقها.
وفي هذا السياق، يؤكدالدبلوماسي الإيراني السابق الدكتور هادي أفقهي أن التهديدات التي يكررها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليست جديدة، واصفاً إياها بأنها “أسطوانة مشروخة” وسيمفونية قديمة تتكرر كلما واجه ترامب أزمة سياسية أو عسكرية، معتبراً أن استمرار الحديث عن تدمير إيران والقضاء على حضارتها يكشف حجم المأزق والإحباط الذي يعيشه، أكثر مما يعكس قدرة حقيقية على تنفيذ تلك التهديدات.
وفي مداخلة على قناة المسيرة، يوضح الدكتور أفقهيأن المؤسسة العسكرية الإيرانية لا تتعامل مع تصريحات ترامب بعاطفة أو انفعال، وإنما تدرسها بصورة موضوعية، مشيراً إلى أن وزير الدفاع الإيراني بالوكالة أعلن أن كل تصريح أمريكي يخضع لتقييم دقيق لتحديد ما إذا كان يمثل تهديداً قابلاً للتنفيذ أم يدخل في إطار الحرب النفسية، وعلى أساس هذا التقييم تُبنى القرارات الإيرانية.
ويشدد على أن إيران اتخذت قراراً استراتيجياً يتمثل في كسر الحلقة المفرغة التي اعتادت الولايات المتحدة اتباعها، والمتمثلة في بدء الهجمات، ثم الدعوة إلى وقف إطلاق النار، ثم العودة إلى المفاوضات، قبل استئناف الضغوط العسكرية والسياسية من جديد.
ويضيف أن إيران جسدت هذا التحول عملياً عندما هاجمت قاعدة الأزرق الأمريكية، مشيراً إلى أن المتحدث باسم القوة الجوفضائية في الحرس الثوري أعلن حينها تدمير ثلاث مقاتلات من طرازF-35 وإصابة ثلاث أخرى، لافتاً إلى أن الولايات المتحدة ردت بعد ذلك، ثم دخل الطرفان في ما وصفه بـ”لعبة البينغ بونغ”، حيث تبادل الجانبان الضربات، قبل أن تكون آخر ضربة إيرانية دون أن تجرؤ واشنطن على الرد عليها.
ويعتبر أن هذه التطورات أثبتت أن إيران لم تعد تؤمن بإمكانية إنهاء الصراع قريباً، ولا ترى أن الولايات المتحدة مستعدة لتقديم أي تنازل حقيقي، سواء لإيران أو لأي دولة أخرى، لأن طبيعة “الدولة العميقة” الأمريكية تقوم على عدم التراجع أو التنازل حفاظاً على هيبتها، مضيفاً أن واشنطن، ومعها حكومة المجرم نتنياهو، وقعتا في الفخ عندما دفعتا نحو هذه المواجهة، مؤكداً أن نتنياهو ضلل الإدارة الأمريكية وشجعها على اتخاذ قرارات أوصلتها إلى هذا المأزق.
وينوّه إلى أن الجمهورية الإسلامية لم تعد تنتظر خيراً من الولايات المتحدة، وأنها حسمت موقفها بعدم الانخداع بدعوات ترامب أو الاستجابة لضغوطه أو التأثر بتهديداته، مشيراً إلى أن القرار الإيراني أصبح قائماً على مواصلة المسار الذي اختارته القيادة السياسية والعسكرية.
ويتناول أفقهي تناقضات الخطاب الأمريكي، مشيراً إلى أن ترامب نفسه سبق أن وصف بعض الأنظمة الخليجية بـ”البقرة الحلوب”، ثم عاد اليوم ليقول إنه يستمع إلى نصائحها ويستجيب لطلباتها، متسائلاً: إذا كانت لهذه الدول هذه المكانة لدى واشنطن، فلماذا لم يُطلعها ترامب على خططه قبل شن العدوان على إيران؟ ولماذا لم يستشرها قبل اتخاذ قرار الحرب؟ معتبراً أن ذلك دليل على أنه لا يقيم لها وزناً حقيقياً.
ويبيّن أن ترامب يحاول اليوم تغطية فشله بادعاءات لا أساس لها، من بينها زعمه أن إيران وبعض الحكام في المنطقة طلبوا منه التراجع أو التوسط، مؤكداً أن هذه الروايات لا تعدو كونها محاولة للتغطية على الإخفاق الأمريكي.
ويشير إلى أن مذكرة التفاهم التي جرى التوصل إليها بين طهران وواشنطن لم تُكتب بصورة ارتجالية، وإنما تنقلت أكثر من عشرين مرة بين الجانبين عبر الوسيط الباكستاني، وخضعت لكل أشكال التدقيق القانوني والسياسي والأمني والعسكري، حتى لم تبق فيها عبارة أو مصطلح غير مدروس.
ويوضح أن محاولة ترامب الادعاء بأن هذه المذكرة لا تحقق المصالح الأمريكية لا تعكس سوى رغبته في التنصل من نتائجها بعد أن تبين له حجم المأزق الذي وضع نفسه فيه، مضيفاً أن توقيع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والرئيس الأمريكي على المذكرة كان معلناً أمام العالم، الأمر الذي يجعل التراجع عنها محاولة للهروب من الفشل.
ويشدّد الدكتور أفقهي على أن إيران لا تكترث لهذه الادعاءات، وأنها ماضية في خياراتها السياسية والعسكرية، لافتاً إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد احتكاكات مباشرة مع القوات الأمريكية التي تحاصر الموانئ الإيرانية.
ويعتبر أن هذا الحصار يخالف القوانين الدولية ويقترب من مستوى جرائم الحرب لأنه يمس حياة المدنيين ويهدد الأمن الإنساني داخل إيران، مشدداً على أن طهران قررت الانتقال من سياسة الصبر الاستراتيجي والردع الدفاعي إلى الردع الهجومي، مؤكداً أن هذا التحول بات خياراً ثابتاً في التعاطي مع التهديدات الأمريكية.
وفي تقييمه للموقف العسكري، قال أفقهي إن إيران تضع احتمالين أمام التصريحات الأمريكية؛ فإما أن تكون المعلومات التي تتحدث عن ضعف القدرات الدفاعية الأمريكية حقيقية، وإما أن تكون جزءاً من الحرب النفسية.
ويتابع قائلا: إذا كانت هذه المعلومات صحيحة، فإنها تتناقض مع استمرار التهديدات الأمريكية بتدمير البنية التحتية الإيرانية وإغراق البلاد في الظلام، متسائلاً: كيف يهددون بالحرب وهم يعلنون في الوقت نفسه عدم امتلاكهم القدرة الكافية على حماية قواعدهم أو الدفاع عن إسرائيل أو تأمين منظوماتهم الدفاعية مثل “ثاد” و”باتريوت”؟
ويضيف:أما إذا كانت تلك التصريحات مجرد خداع إعلامي، فأكيد أن إيران تدرك ذلك أيضاً، وأنها لا تبني قراراتها على الخطاب الإعلامي، وإنما على قراءة دقيقة للوقائع.
وفي ختام مداخلته، ينوّه الدكتور هادي أفقهي إلىأن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني ووزارة الخارجية يمتلكان فرقاً متخصصة تتابع كل تصريح أمريكي، وتدرس خلفياته السياسية والعسكرية والنفسية والإعلامية، قبل اتخاذ أي قرار، سواء على المستوى الدبلوماسي أو العسكري.
وفي السياق ذاته، يقول الكاتب والباحث في الشؤون السياسية علي مراد: إن إيران، وبعد ما يقارب ستة أشهر من التعامل مع إدارة ترامب، أصبحت تعرف بدقة أسلوب الرئيس الأمريكي، معتبراً أن التهديد الأخير ثم التراجع عنه يمثل المرة الخامسة التي يلجأ فيها ترامب إلى الأسلوب نفسه.
ويضيف مراد في مداخلة على قناة المسيرة،أن هذا النمط المتكرر بات حتى في نظر كتاب وصحفيين أمريكيين أسلوباً مملاً، يقوم على إطلاق المهلة تلو الأخرى، والتهديد بتدمير إيران أو بنيتها التحتية، ثم التراجع عن التنفيذ، وهو ما يندرج ضمن ما يعرف في أدبيات العلاقات الدولية بـأدوات الدبلوماسية القسرية.
ويؤكدأن التجربة أثبتت للإيرانيين فشل هذه الأدوات، وأنها لم تعد تحقق أهدافها مع الجمهورية الإسلامية، موضحاً أن إيران باتت تنظر بحذر إلى محاولات الوساطة التي تُطرح حالياً.
ويشير مراد إلى أن التحرك الباكستاني جاء بناءً على إشارات من الجانب الصيني، مع وجود مساهمة سعودية، لكنه أكد أنه لا ينبغي التعويل كثيراً على الوسيط الباكستاني في ظل التجربة التي مرت بها المنطقة خلال الأشهر الماضية.
ويلفت إلى أن الموقف الإيراني واضح في هذا الجانب، ويتمثل في رفض أي محاولة أمريكية للعودة إلى الوراء بهدف تعديل مضمون مذكرة التفاهم، وخاصة ما يتعلق بالبند الخامس منها المرتبط بنفوذ الجمهورية الإسلامية في منطقة هرمز، مؤكداً أن هذا الأمر غير مقبول من وجهة النظر الإيرانية.
ويذكّر بأن الإعلان عن مذكرة التفاهم أثار قلقاً داخل الولايات المتحدة، حيث اعتُبر بمثابة إعلان رسمي عن نهاية الإدارة الأمريكية للنظام الإقليمي في غرب آسيا، وهو ما دفع الكيان الصهيوني منذ اليوم الأول إلى محاولة إفشالها.
ويبيّن أن الدور الصهيوني كان يتمثل في العمل على مسارين؛ الأول محاولة نسف الاتفاق بالكامل، والثاني الضغط من أجل تعديل مضمونه، معتبراً أن ما يحاول ترامب القيام به حالياً يدخل ضمن المسار الثاني، عبر استخدام أدوات الضغط نفسها التي سبق أن فشلت مع إيران.
ويجزم بأن الدعوة التي وجهها الجانب الباكستاني لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لزيارة إسلام آباد لن تحدث تحولاً كبيراً، لأن المشكلة الأساسية ليست في غياب الوساطة وإنما في محاولة واشنطن تعديل تفاهم تم الاتفاق عليه.
ويشدّد مراد على أن كثيراً من الطروحات التي روجتها وسائل إعلام أمريكية وإسرائيلية وبعض وسائل الإعلام الباكستانية حول مضمون المفاوضات أو الاتفاقات الجديدة ثبت عدم صحتها، مشيراً إلى أن الخارجية الإيرانية والمسؤولين الإيرانيين نفوا تلك الطروحات بشكل قاطع.
كما يشدّد على أن الموقف الإيراني يقوم على قاعدة واضحة: لا تفاوض تحت الضغط، وأن الاتفاق تم بالفعل، وأن الجاهزية الإيرانية قائمة.
وفي قراءته لطبيعة المواجهة، يقول مراد إن إيران تمكنت خلال الأشهر الماضية من اكتشاف طبيعة ترامب بصورة دقيقة، وأن تكرار التهديدات ثم التراجع عنها كشف حجم المأزق الذي يواجهه، لافتاً إلى أن الصحافة الأمريكية نفسها تحدثت عن حالة الإحباط والغضب التي ظهرت في تصريحات ترامب العلنية.
ويوضح أن ترامب حاول استخدام التهديدات الزمنية، من خلال تحديد مهل زمنية لإيران، ثم الانتقال إلى التهديد باستهداف البنية التحتية والطاقة، قبل أن يعود ويتراجع، معتبراً أن هذا السلوك أتاح لإيران فهماً أعمق لطريقة إدارة واشنطن للأزمات.
وفي ختام مداخلته، يؤكد الكاتب والباحث في الشؤون السياسية، علي مراد، أن طهران أصبحت تدرك أن أدوات الضغط الأمريكية لم تعد قادرة على تغيير المعادلة، وأن أي محاولة للعودة إلى التفاوض يجب أن تقوم على أساس الاتفاق القائم، وليس على فرض شروط جديدة عبر التهديد، مشدداً على أن الموقف الإيراني بات أكثر وضوحاً وصلابة في مواجهة أي محاولة للضغط أو إعادة فرض شروط جديدة.
الولاية الاخبارية موقع اخباري وثقافي لمن يسلك الطريق الی الله