وعند مجئ المسيح (عليه السلام) أكد هو الآخر على وحدانية الله سبحانه وذلك من خلال ما نجده في العهد الجديد، مثلا نرى في جوابه لأحد الكتبة عن أول الوصايا، قال: (الوصية الأولى هي اسمع يا إسرائيل أن الله ربنا رب واحد) (مر: 12: 29). وهو بمجيئه هذا كشف السر الإلهي الذي يصعب على عقل الإنسان تصوره وفهمه، ولكن المسيح (عليه السلام) أيضا أخذ يكشف ذلك السر تدريجيا، فاستعمل كلمة (الأب) وأراد بها الله سبحانه وتعالى، فهو أب لجميع المؤمنين والأبرار والصالحين، وهو الأب الرحيم العطوف بأبنائه وخلقه، أنظر (متي: 3010، 5 – 16) (مر: 11: 25 – 26) وغيرها. ولكنه (حسب المسيحيين) استعمل هذه الكلمة بالمعنى الحقيقي عندما كان يخاطب الله ويقول (أبي) انظر (متي: 11: 25 – 27) و غيرها، فالله الأب هنا هو الأب الخاص للمسيح (عليه السلام) فانتقل اللفظ من المعنى المجازي إلى المعنى الحقيقي في شخص يسوع (عليه السلام)، فكان لفظ الأب إشارة إلى الأقنيم الأول! وأما كلمة الابن فقد أشرنا إليها سابقا، فالمسيح (عليه السلام) أيضا استخدم كلمة أبناء الله، في حق المؤمنين انظر (متي: 5: 9) (5: 45) وغيره، ولكنه أراد منها المعنى المجازي، في حين أنه عندما استعملها لنفسه فإنه أراد بها المعنى الحقيقي، فهو الابن الخاص
(٩٩)
والوحيد للباري تعالى! أنظر (يو: 9 – 35) (10: 37) وغيرها. وأما روح القدس فهو الآخر مذكور في العهد الجديد، ولكنه لم يفهم منه أنه أحد الأقانيم الثلاثة المؤلفة لله سبحانه، إلا يوم العنصرة إذ تجلى بوضوح في ذلك اليوم (أي عند نزول الروح القدس) (1). فنحن رأينا أن الأقانيم الثلاثة مذكورة في العهد الجديد وهي منفصلة. وأما أنه هل ذكرت أسفار العهد الجديد هذه العقيدة الأساسية في المسيحية بوضوح أم لا؟ نقول: نعم هناك إشارة واحدة فقط صريحة في الأناجيل تشير إلى التثليث أنظر إنجيل (متي: 28: 19) وهي اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس. نعم كانت هناك إشارة أخرى في إنجيل يوحنا (5: 7) ولكن الباحثين اعترفوا في القرن التاسع عشر بأن كلمات (أب، وابن، وروح القدس) هي استنتاجات، وأن نصا بهذا لم يعثر عليه في النسخ القديمة، ولذلك فإن هذه الكلمة قد حذفت من إنجيل يوحنا، فلا توجد في نسخ العهد الجديد المعاصرة (2). وأيضا، يزعم بعض المسيحيين أن في رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس، إشارة واضحة إلى التثليث وهي (2 كو: 13: 14) (1) المسيح في الفكر الاسلامي: 270. (2) نظرة عن قرب في المسيحية: 35. (١٠٠)
نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم ولكن الأقانيم غير مذكورة بالاسم. وفي الواقع فإن عقيدة التثليث لم تذكر بشكل صريح في العهد الجديد إلا في إنجيل متي، ولذا نجد أن المسيحيين يعترفون بهذه المسألة هم أيضا، فإن لفظة التثليث والثالوث، غير مذكورة ويقدمون تعليلا لذلك فالعهد الجديد لا يحتوي على ألفاظ (ثالوثية) وليس هناك نصوص تأتي بعقيدة يعبر عنها بألفاظ مجردة، بل إن الله كشف عن حياته الخاصة بتدبيره الخلاصي حيث يدنو البشر من الأب في الروح والابن (1). ولا يفوتني هنا أن أذكر أن التثليث له جذوره العميقة في التاريخ، فهو ليس وليد المسيحية، بل كان منتشرا في مصر وفلسطين والصين والهند وغيرها من البلاد قبل مجئ المسيح (عليه السلام) وأهم قصة للتثليث مشابهة تقريبا للعقيدة المسيحية، هي أسطورة (أوزيريس) المصرية وتقول هذه الأسطورة أن (أوزيريس) قتله أخاه (ست)، وعثرت (أيزيس) على جسده فحنطته، ثم قام من بين الأموات، وأصبح إله العالم السفلي، وحملت (أيزيس) من (أوزيريس) بعد موته، وولدت له هورس، وكانت عبادة الإله (أوزيريس) في مصر في عصر البطالسة. (1) معجم الإيمان المسيحي (164). (١٠١)