هبة السماء ، رحلتي من المسيحية إلى الإسلام

يميز دين الحق عن الباطل، أليس بالعقل؟ وحتى المسيح (عليه السلام) وتلاميذه فأنهم كانوا يجادلون ويناقشون اليهود بالأدلة والاستدلالات لكي يثبتوا أن المسيح (عليه السلام) مرسل من الله سبحانه، وأنه يدعوهم إلى أتباع العقل من خلال تطبيق ما تنبأ به العهد القديم بالنبي الموعود وحياة المسيح (عليه السلام) فهو النبي المنتظر والموعود حسب ما يدعيه المسيحيون.. فإذا كان العقل له الدور الرئيسي في تشخيص الدين الحق من الباطل، فكيف يقبل بعقيدة تشتمل على محالات وتناقضات يرفضها؟
وأما كيفية مخالفتها للحق فهي واضحة وبينة، وقد اعترف بها عدة من علماء التثليث، فالواحد حقيقة لا يمكن أن يكون ثلاثة حقيقة، فالمسيحيون كما ذكرنا يؤمنون بثلاثة أشخاص وأقانيم حقيقية متميزة الواحد عن الآخر ولكنهم متساوون في الجوهر، فهل يعقل أن يكون الواحد ثلاثة والثلاثة واحد!!!
وأيضا يستلزم منه التركيب، فالإله الواحد مركب من ثلاثة أجزاء، وعلى هذا فهو بحاجة إلى أجزائه لتكتمل ألوهيته، والاحتياج والتركيب ينافيان الغنى والبساطة والتي هي من صفات الإله (واجب الوجود).
إضافة إلى هذا فإن الله سبحانه بسيط الذات من جميع الجهات فيستحيل انفصال شئ منه (كما يدعي المسيحيون)، وحلوله في

(١٠٥)

مخلوق أو اتحاده معه، كما أن ذلك يلزم أن يكون الإله عرضة للتغير والتحول وهو مستحيل… وغيرها من الإشكالات الفلسفية الكثيرة التي تواجه هذه العقيدة المتناقضة..
ثانيا: إضافة إلى ما ذكرنا فإن نسبة هذه العقيدة إلى المسيح (عليه السلام) والوحي الإلهي هي الأخرى غير صحيحة، فكما أشرنا في بحثنا للثالوث الأقدس، تبين أن هذه العقيدة لم ينطق باسمها أحد، ولم تظهر إلى الوجود إلا في القرن الثاني وعلى لسان (ترتوليان)، فالمسيح (عليه السلام) والرسل والتلاميذ لم يشيروا إلى هذه العقيدة، وقول المسيحيين بأن المسيح (عليه السلام) وبعض الرسل، ولا سيما بولس، كانوا قد هيأوا العناصر الأساسية للعقيدة، وأن العلماء وآباء الكنيسة لم يقوموا بشئ سوى أنهم أطلقوا اسم الأقنوم على الأشخاص الثلاثة وأظهروا هذه العقيدة بوضوح، هو الآخر مجرد ادعاء، إذ أنه إلى القرن الرابع الميلادي لم تكن هذه العقيدة محط نظر المسيحيين ومورد اعتمادهم، ومن الأصول المهمة في العقيدة المسيحية.
وكما أوردنا فإن المؤسس العلني لها وبشكلها الموجود الآن هو (أثناسيوس)، ولم تقبلها الكنيسة إلا بعد مناقشات وجدال طويل في مجمع نيقية سنة 325 ميلادي، وأعدتها في هذا القالب الذي بين أيدينا الآن، فهي نتيجة الخيال البشري، ولهذا فأنا نجد فيها التناقض الكثير (حتى أنه قيل أن (أثناسيوس) وهو الأب الذي صاغ هذه

(١٠٦)

العقيدة قد أعترف بأنه كلما كتب أكثر حول هذه المسألة أصبح أقل قدرة على التعبير بوضوح عن أفكاره بخصوصها) (1).
فالقول بأن هذه العقيدة يجب أن تقبل لأن الوحي قد جاء بها أمر غير صحيح أطلاقا والدليل على ذلك أن علماء المسيحية أنفسهم كانوا مختلفين فيها، والباحث في المذاهب المسيحية في القرنين الأول والثاني، يجد كثرة الآراء المتضاربة حول شخصية المسيح (عليه السلام).
بل وحتى بعد قبول هذه العقيدة رسميا، ومعاقبة كل مخالف لها، وبالرغم من عمليات تفتيش العقائد، والقتل والسجن التي مارستها الكنيسة، والتي يذكرها التاريخ، فإن صيحات المعارضة لها كانت تعلو بين الحين والآخر، معلنة بأن هذه العقيدة غير مقبولة عقلا، وأن المسيح (عليه السلام) لم ينطق بها.
ثالثا: لو رجعنا إلى كتب العهد القديم لنرى من هو الإله (الله) وما هي صفاته التي تنعته بها، لوجدنا أن ما يقوله المسيحيون مخالف للعهد القديم الذي يعتبرونه كلام الله الموحى، وحتى لو قلنا بأن الله سبحانه لم يعرف نفسه في العهد القديم بشكل تام، بل تم ذلك في العهد الجديد بالمسيح (عليه السلام)، لا يمكننا القول بأن العهد الجديد يناقض ما جاء به العهد القديم، فهو متمم له حسب ادعاء المسيحيين.
فالله في العهد القديم هو (الموجود الذي ليس له بداية ولا
(1) نظرة عن قرب في المسيحية: 38.
(١٠٧)

شاهد أيضاً

چه خبر جدیدی بین آمریکا و ایران وجود دارد؟

78 چه خبر جدیدی بین آمریکا و ایران وجود دارد؟ تا شامگاه یکشنبه ۲۰ سپتامبر …