تفسير الميزان : السيد الطباطبائي

.
۱۲۱ سورة البقرة آية ٣٣٣٠
ويناسب المقام عدة من أخبار الطينة كما رواه في البحار عن جابر بن عبدالله
قال : قلت لرسول الله : أول شيء خلق الله ما هو ؟ فقال نور نبيك يا جابر
خلقه الله ثم خلق منه كل خير ، ثم أقامه بين يديه في مقام القرب ما شاء الله ، ثم
جعله أقسام ، فخلق العرش من قسم ، والكرسي من قسم ، وحملة العرش وسكنة
الكرسي من قسم ، وأقام القسم الرابع في مقام الحب ما شاء الله ، ثم جعله أقساماً ،
فخلق القلم من قسم ، واللوح من قسم ، والجنة من قسم ، وأقام القسم الرابع في مقام
الخوف ما شاء الله ، ثم جعله أجزاء فخلق الملائكة من جزء ، والشمس من جزء والقمر
من جزء، وأقام القسم الرابع في مقام الرجاء ما شاء الله ، ثم جعله أجزاء، فخلق العقل
من جزء والعلم والحلم من جزء ، والعصمة والتوفيق من جزء ، وأقام القسم الرابع في
مقام الحياء ما شاء الله ، ثم نظر إليه بعين الهيبة فرشح ذلك النور وقطرت منه مائة
ألف واربعة وعشرون ألف قطرة ، فخلق الله من كل قطرة روح نبي ورسول ، ثم
تنفست أرواح الأنبياء فخلق الله من أنفاسها أرواح الأولياء والشهداء والصالحين .
أقول : والأخبار في هذه المعاني كثيرة ، متظافرة ، وأنت إذا أجلت نظرة
التأمل والإمعان فيها وجدتها شواهد على ما قدمناه ، وسيجيء شطر من الكلام في
بعضها . وإياك أن ترمي أمثال هذه الأحاديث الشريفة المأثورة عن معادن العلم
و منابع الحكمة بأنها من اختلاقات المتصوفة وأوهامهم فللخلقة أسرار ، وهوذا العلماء
من طبقات أقوام الانسان لا يألون جهداً في البحث عن أسرار الطبيعة ، منذ أخذ
البشر في الإنتشار ، وكلما لاح لهم معلوم واحد بان لهم مجاهيل كثيرة ، وهي عالم
الطبيعة أضيق العوالم وأخسها فما ظنك بما ورائها ، وهي عوالم النور والسعة .
***
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ أَسْجُدُوا لِأَدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبليس أبي
واسْتَكْبَرَ وَكَانَ من الكافرين – ٣٤.
۱۲۲ جا الجزء الأول
( بیان (
قد عرفت أن قوله تعالى : وما كنتم تكتمون، فيه دلالة على وقوع أمر مكتوم
ظاهر بعد أن كان مكتوماً ، ولا يخلو ذلك عن مناسبة مع قوله : أبي واستكبر وكان
من الكافرين حيث لم يعبر أبي واستكبر و كفر ، وعرفت أيضاً أن قصة السجدة
كالواقعة أو هي واقعة بين قوله تعالى : إني اعلم ما لا تعلمون، وقوله : واعلم ما تبدون
وما كنتم تكتمون، فقوله تعالى : وإذ قال ربك للملائكة اسجدوا لآدم ، كالجملة
المستخرجة من بين الجمل ليتخلص بها الى قصة الجنة ، فإن هذه الآيات كما عرفت إنما
سيقت لبيان كيفية خلافة الانسان وموقعه وكيفية نزوله إلى الدنيا وما يؤول إليه
يهم من قصة السجدة هيهنا إلا إجمالها المؤدي إلى قصة أمره من سعادة وشقاء ، فلا هم
الجنة وهبوط آدم هذا ، فهذا هو الوجه في الاضراب عن الاطناب الى الإيجاز ، ولعل
هذا هو السر أيضاً في الإلتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة
اسجدوا ، بعد قوله : وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل . وعلى ما مر فنسبة الكتمان
إلى الملائكة وهو فعل إبليس بناء على الجري على الدأب الكلامي من نسبة فعل
الواحد الى الجماعة إذا اختلط بهم ولم يتميز منهم ، ويمكن أن يكون له وجه آخر ،
وهو أن يكون ظاهر قوله تعالى : إني جاعل” في الأرض خليفة ، إطلاق الخلافة حتى
على الملائكة كما يؤيده ايضاً أمرهم ثانياً بالسجود ، ويوجب ذلك خطوراً في قلوب
الملائكة ، حيث أنها ما كانت تظن أن موجوداً أرضياً يمكن ان يسود على كل شيء
حتى عليهم ، ويدل على هذا المعنى بعض الروايات كما سيأتي .
وقوله تعالى : أسجدوا لآدم ، يستفاد منه جواز السجود لغير الله في الجملة إذا
كان تحية وتكرمة للغير وفيه خضوع الله تعالى بموافقة أمره ، ونظيره قوله تعالى في
قصة يوسف ال ) ورفع أبويه على العرش وخروا له سجداً قال : يا أبت هذا تأويل
رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً يوسف ١٠٠، وملخص القول في ذلك أنك قد عرفت
في سورة الفاتحة أن العبادة هي نصب العبد نفسه في مقام العبودية وإتيان ما يثبت
ويستثبت به ذلك فالفعل العبادي يجب أن يكون فيه صلاحية إظهار مولوية المولى ،
أو عبدية العبد كالسجود والركوع والقيام أمامه حينما يقعد ، والمشي خلفه حينما يمشي
سورة البقرة آية – ٣٤ ۱۲۳
وغير ذلك ، وكلما زادت الصلاحية المزبورة إزدادت العبادة تعيناً للعبودية ، وأوضح
الأفعال في الدلالة على عز المولوية وذل العبودية السجدة ، لما فيها من الخرور على
الأرض ، ووضع الجبهة عليها ، واما مار بما ظنه بعض : من أن السجدة عبادة ذاتية،
فليس بشيء ، فإن الذاتي لا يختلف ولا يتخلف . وهذا الفعل يمكن أن يصدر بعينه
من فاعله بداع غير داع التعظيم والعبادة كالسخرية والاستهزاء فلا يكون عبادة مع
استماله على جميع ما يشتمل عليه وهو عبادة نعم معنى العبادة أوضح في السجدة من
غيرها ، وإذا لم يكن عبادة ذاتية لم يكن لذاته مختصاً بالله سبحانه ، بناء على أن
المعبود منحصر فيه تعالى ، فلو كان هناك مانع لكان من جهة النهي الشرعي أو العقلي
والمنوع شرعاً أو عقلا ليس إلا إعطاء الربوبية لغيره تعالى ، وأما تحية الغير أو
تكرمته من غير إعطاء الربوبية ، بل لمجرد التعارف والتحية فحسب ، فلا دليل على
المنع من ذلك ، لكن الذوق الديني المتخذ من الإستيناس بظواهره يقضي باختصاص
هذا الفعل به تعالى ، والمنع عن استعماله في غير مورده تعالى ، وان لم يقصد به إلا
التحية والتكرمة فقط ، وأما المنع عن كل ما فيه إظهار الاخلاص لله ، بإبراز المحبة
الصالحي عباده أو لقبور أوليائه أو آثارهم فما لم يقم عليه دليل عقلي أو نقلي أصلا ،
وسنعود إلى البحث عن هذا الموضوع في محل يناسبه إنشاء الله تعالى .
بحث روائي (
في تفسير العياشي عن أبي عبد الله عل اللان قال : لما أن خلق الله آدم أمر الملائكة
أن يسجدوا له فقالت الملائكة في انفسها : ما كنا نظن أن الله خلق خلقاً أكرم عليه
منا فنحن جيرانه ونحن أقرب الخلق إليه . فقال الله : ألم أقل لكم إني أعلم ما تبدون
وما كنتم تكتمون ، فيما أبدوا من أمر بني الجان وكتموا ما في أنفسهم ، فلاذت
الملائكة الذين قالوا ما قالوا بالعرش .
و في التفسير أيضاً عن علي بن الحسين عن : ما في معناه وفيه : فلما عرفت
الملائكة أنها وقعت في خطيئة لاذوا بالعرش ، وأنها كانت عصابة من الملائكة وهم
الذين كانوا حول العرش ، لم يكن جميع الملائكة إلى أن قال : فهم يلوذون حول
العرش إلى يوم القيامة .
١٢٤ ج الجزء الأول
اقول : يمكن أن يستفاد مضمون الروايتين من قوله حكاية عن الملائكة : ونحن
نسبح محمدك ونقدس لك إلى قوله : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت
العليم الحكيم .
و سيجيء أن العرش هو العلم ، وبذلك وردت الروايات عن أمة أهل البيت
عليهم السلام فافهم ذلك ، وعلى هذا كان المراد من قوله تعالى : وكان من الكافرين ،
قوم إبليس من الجان المخلوقين قبل الإنسان . قال تعالى : » ولقد خلقنا الإنسان من
صلصال من حماء مسنون والجان خلقناه من قبل من نار السموم الحجر – ٢٧ ، وعلى
هذه الرواية فنسبة الكتمان إلى جميع الملائكة لا تحتاج إلى عناية زائدة ، بل هي على
حقيقته ، فإن المعنى المكتوم خطر على قلوب جميع الملائكة ، ولا منافاة بين هذه
الرواية وما تفيد أن المكتوم هو ما كان يكتمه إبليس من الاباء عن الخضوع لآدم ،
والإستكبار لو دعي إلى السجود ، الجواز استفادة الجميع كما هو كذلك
و في قصص الأنبياء عن أبي بصير ، قال : قلت لأبي عبد الله عل : سجدت
الملائكة ووضعوا أجباههم على الأرض ؟ قال : نعم تكرمة من الله تعالى .
وفي تحف العقول قال : إن السجود من الملائكة لآدم إنما كان ذلك طاعة لله
ومحبة منهم لآدم
و في الاحتجاج عن موسى بن جعفر عن آبائه : إن يهودياً سال أمير المؤمنين الله
عن معجزات النبي في مقابلة معجزات الأنبياء ، فقال : هذا آدم أسجد الله له
ملائكته ، فهل فعل بمحمد شيئاً من هذا ؟ فقال علي : لقد كان ذلك ، ولكن أسجد
الله لآدم ملائكته ، فإن سجودهم لم يكن سجود طاعة أنهم عبدوا آدم من دون الله
عز وجل ، ولكن اعترافاً لآدم بالفضيلة ورحمة من الله له ومحمد أعطي ما هو
أفضل من هذا ، إن الله جل وعلا صلى عليه في جبروته والملائكة بأجمعها ، وتعبد
المؤمنون بالصلوة عليه فهذه زيادة له يا يهودي
وفي تفسير القمي : خلق الله آدم فيقي أربعين سنة مصوراً ، وكان يمر بــــه
إبليس اللعين فيقول : لأمر ما خلقت ؟ فقال : العالم ، فقال إبليس : » لئن أمرني الله
سورة البقرة آية – ٣٤ ١٢٥
بالسجود لهذا العصيته، إلى أن قال : ثم قال الله تعالى للملائكة : أسجدوا لآدم فسجدوا
فأخرج إبليس ما كان في قلبه من الحسد فأبي أن يسجد .
وفي البحار عن قصص الأنبياء عن الصادق ان قال : أمر إبليس بالسجود
لآدم فقال : يا رب وعزتك إن أعفيتني من السجود لآدم الأعبدنك عبادة ما عبدك
أحد قط مثلها ، قال الله جل جلاله : إني احب أن اطاع من حيث اريد وقال : إن
إبليس رن أربع رنات أو لمن يوم لعن ، ويوم أهبط إلى الأرض ، ويوم بعث محمد
على فترة من الرسل، وحين أنزلت أم الكتاب، ونخر نخرتين: حين أكل آدم من
الشجرة ، وحين أهبط من الجنة ، وقال في قوله تعالى : فبدت لهما سواتها ، وكانت
سواتها لا ترى فصارت تری بارزة ، وقال الشجرة التي نهى عنها آدم هي السنبلة .
اقول : وفي الروايات – وهي كثيرة – تأييد ما ذكرناه في السجدة .
***
وقُلْنَا یا آدم اسكن أنت وزوجك الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغداً
حيث شتنما ولا تقربًا هَذِهِ الْشَجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظالمين – ٣٥.
فَأَزلهما الشيطان عنها فأخرَجَهُمَا بما كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ
– البَعْضِ عَدُهُ وَلَكُمْ في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ٣٦.
.V-
فَتَلَقى آدَمَ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ الْتَّوَابُ الْرَّحِيمُ –
قلنا إهبطوا منها جميعاً فَإِمَا يَاتِينَّكُمْ مِني هدى فَمَنْ تَبِعَ هداي
فلا خوف عليهم ولا هم يَحْزَنُونَ – ۳۸. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا
آياتنا أولنك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون – ٠٣٩

شاهد أيضاً

خطورة اتباع الجماعة دون بصيرة

[[ خطورة اتباع الجماعة دون بصيرة]] رقم (25) 🔸 منتظر الأسدي كثيراً ما تتردد في …