الفصل الخامس شبهات وحلول دلت البراهين العقلية كالنصوص القرآنية على أنه سبحانه قائم بالقسط في جميع شؤونه، بيد أن ثمة شبهات أثيرت حول الموضوع تنشد لنفسها حلولا.
* الشبهة الأولى: خلق الأعمال إن التوحيد الأفعالي يرشدنا إلى أن ما في الكون مخلوق لله سبحانه، دون فرق بين الجواهر والأعراض، وبين الإنسان وأعماله، وهذا صريح الآيات التالية:
1 – * (قل الله خالق كل شئ وهو الواحد القهار) *. (1) 2 – * (ذلكم الله ربكم خالق كل شئ لا إله إلا هو…) *. (2) 3 – * (يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله) *. (3) فإذا لم يكن في صحيفة الوجود إلا خالق واحد لا شريك له في الخلق، فكل
(١) الرعد: ١٦.
(٢) المؤمن: ٦٢.
(٣) فاطر: ٣ –
(٤٥)
ما يصدر من الإنسان فهو مخلوق له وهو خالقه، وهذا ما يعبر عنه بالتوحيد في الخالقية.
ويستنتج منه أمران:
أ: إذا كان فعل الإنسان مخلوقا لله سبحانه لا للإنسان فيكون مجبورا في فعله لا مختارا.
ب: إذا كان فعل العبد حسنه وسيئه فعلا لله سبحانه ومخلوقا له، فتكون المؤاخذة على أفعال العبد خلاف العدل والقسط، لأن الخالق هو الله سبحانه والمجزي هو العبد، مع أنه لا دور له في فعله.
أقول: إن ما رتبوه على التوحيد في الخالقية يخالف الفطرة أولا، فإنها تشهد على حرية الإنسان في أفعاله، ويخالف أهداف الأنبياء ثانيا. فإذا كان الإنسان مجبورا فيما يفعل ويترك، كان بعث الأنبياء ودعوتهم إلى الطريق المستقيم أمرا لغوا، غير مؤثر في هداية الإنسان، بل تعد عامة القوانين الجزائية في الإسلام أمرا لغوا وظلما في حق المرتكب، لأنه لم يقترف المعاصي والسيئات عن اختيار، بل عن جبر وسوق من الله سبحانه إياه إلى العمل، وهو تعالى هو الفاعل الخالق لأعمالهم، لا العبد فيكون تعذيبه مصداقا لقول الشاعر:
غيري جنى وأنا المعاقب فيكم * فكأنني سبابة المتندم لكن الأشاعرة مخطئون في تفسير التوحيد في الخالقية أو التوحيد الأفعالي الذي هو من المعارف الإسلامية التي صدع بها القرآن الكريم.
إن التوحيد في الخالقية يفسر بأحد تفسيرين:
أ: أن كل ما في الكون من الظواهر الطبيعية والفلكية وغيرهما مخلوق لله
(٤٦)
سبحانه مباشرة، وبلا تسبيب سبب وتهيئة مقدمة وليس في صحيفة الكون إلا علة واحدة تقوم بجميع الأفعال، وتنوب مناب العلل الطبيعية في كافة الموارد.
ب: إن صحيفة الكون قائمة بوجوده سبحانه ومنتهية إليه، غير أنه سبحانه خلق الأشياء من خلال نظام الأسباب والمسببات، والعلل والمعلولات، على وجه يكون للسبب والعلة دور في تحقق المسبب والمعلول وإن كان ذلك بإذنه سبحانه.
وعلى ضوء ذلك فللعالم خالق واحد أصيل، وعلة واحدة قائمة بنفسها، لكن تتوسط بينها وبين الظواهر الطبيعية والفلكية علل وأسباب مؤثرة في معاليلها، قائمة بذاته سبحانه، مؤثرة بأمره، والجميع من سنن الله تبارك وتعالى.
أما التفسير الأول: فهو خيرة الأشاعرة الذين ينكرون العلل والأسباب الطبيعية ولا يعترفون إلا بعلة واحدة، وهي قائمة مقام عامة العلل المتصورة للطوائف الأخرى، ولكن هذا التفسير – وإن كان لأجل الغلو في التوحيد – يخالف نصوص القرآن الكريم، فإن الوحي الإلهي يذعن بعلل طبيعية مؤثرة في معاليلها، وإليك بعض ما يدل على ذلك الأصل:
1 – * (وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج) *. (1) فالآية صريحة في تأثير الماء في اهتزاز الأرض وربوها، ثم إنباتها كل زوج بهيج، فالأرض الهامدة كالجماد، والذي يخرجها من هذه الحالة هو الماء، يقول سبحانه: * (فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت) * فالاهتزاز والرباء والإنبات أثر الماء ولكن بإذنه سبحانه.
(١) الحج: ٥ –
(٤٧)