الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم فكيف يكون حاله مع المرأة المسلمة التي تضام وتهان وتذل بما لم تذل به نساء اليهود والديلم؟!
والسؤال الذي يفرض نفسه في البحث: إذا كان نبي الإسلام هكذا يتعامل مع اليهود والمشركين، فكيف يكون حاله وهو يرى بناته سبايا بأيدي المسلمين؟ قد قتلوا أبناءهن وإخوانهن وأزواجهن ونهبوا حجابهن وحليهن وربطوهنّ بالحبال وساقوهن بالسياط؟!!!
لعل الجواب معلوم لدى أصحاب الضمائر الحية، أما من مات ضميره فلن يسأل عن شيء.
المسألة الرابعة: أبو بكر أول من سن سبي المرأة المسلمة
لعل الكثيرين لا يروق لهم العنوان لاسيما وهو ابن ثقافة موروثة صنعتها يد الساسة التي سخرت جميع طاقاتها من أجل رسم صورة مخالفة لما جاء به القرآن الكريم والنبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.
ولذا: قد يصعب على بعض من المسلمين أن يتصور أن أول من سن سبي المرأة المسلمة هو أبو بكر بن أبي قحافة، ولا يصعب عليه سبي بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعرضه ولحمه ودمه فهاهن بنات علي بن أبي طالب تتقدمهن زينب بنت فاطمة الزهراء عليهم السلام وهن مكشوفات الرؤوس مربطات بالحبال تعلوهن سياط المسلمين ويطاف بهن في بلاد المسلمين.
عجيب هذا المسلم الذي ينتفض لهذا العنوان ولا تحرك سبايا آل محمد غيرته
على دينه وشرفه!! بل وإنسانيته، إن بقي من إنسانيته شيء بعد ذبح الطفل الرضيع من أبناء محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ولذا: ليس من الغريب على المسلمين أن يشاهدوا المسلمات وهن سبايا بعد أن شاهدوا خالد بن الوليد يقتل المسلمين ويزني بنسائهم في الليلة نفسها كما حدث لمالك بن النويرة وزوجته، ولعل اعتراض عمر بن الخطاب على هذه الجريمة وموقفه من خالد بن الوليد يعطي صورة واضحة عن تلك الجريمة والانتهاكات التي حدثت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكما يروي الطبري قائلاً:
(وأقبل خالد بن الوليد قافلاً حتى دخل المسجد وعليه قباء له عليه صدأ الحديد معتجراً بعمامة له قد غرز في عمامته أسهما فلما أن دخل المسجد قام إليه عمر فانتزع الأسهم من رأسه فحطمها ثم قال: أرئاء؟! قتلت امرأً مسلما ثم نزوت على امرأته. والله لأرجمنك بأحجارك.
ولا يكلمه خالد بن الوليد ولا يظن إلا أن رأي أبي بكر على مثل رأي عمر فيه حتى دخل على أبي بكر فلما أن دخل عليه أخبره الخبر واعتذر إليه فعذره أبو بكر وتجاوز عنه ما كان في حربه تلك.
قال: فخرج خالد حين رضا عنه أبو بكر وعمر جالس في المسجد فقال: هلم إلي يا ابن أم شملة قال: فعرف عمر أن أبا بكر قد رضي عنه، فلم يكلمه ودخل بيته)([43]).
[43] تاريخ الطبري: ج2، ص504؛ البداية والنهاية لابن كثير: ج6، ص355؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج17، ص207؛ أسد الغابة: ج4، ص296؛ إمتاع الأسماع للمقريزي: ج14، ص240؛ الكامل في التاريخ لابن الأثير: ج2، ص359.
وفي قول آخر أن عمر بن الخطاب حينما سمع الخبر قبل مجيء خالد إلى المدينة، قال: (عدو الله عدا على امرئ مسلم فقتله ثم نزا على امرأته)([44]).
ولقد تحدثت بعض المصادر الأخرى عن صورة جديدة لهذه الحادثة التي لم تشأ كثير من المصادر إظهارها كي لا يلحقهم العار بمن يتولون ويأتمون.
فقد روى الراوندي (المتوفى سنة 573هـ) قائلا: (لما قعد أبو بكر بالأمر بعث خالد بن الوليد إلى بني حنيفة ليأخذ زكاة أموالهم فقالوا لخالد: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يبعث كل سنة من يأخذ صدقات الاموال من الاغنياء من جملتنا، ويفرقها في فقرائنا، فافعل أنت كذلك.
فانصرف خالد إلى المدينة وقال لأبي بكر: إنهم منعوا (من) الزكاة، فأعطاه عسكرا (فرجع خالد) وأتى بني حنيفة وقتل رئيسهم، وأخذ زوجته ووطئها في الحال وسبى نسوانهم ورجع بهن إلى المدينة، وكان ذلك الرئيس صديقا لعمر (في الجاهلية)، فقال عمر لأبي بكر: اقتل خالدا به، بعد أن تجلده الحد بما فعل بامرأته.
فقال له أبوبكر: إن خالدا ناصرنا، تغافل، وأدخل السبايا في المسجد وفيهن خولة، فجاءت إلى قبر الرسول صلى الله عليه وآله والتجأت به وبكت وقالت: يا رسول الله نشكو إليك أفعال هؤلاء القوم، سبونا من غير ذنب ونحن مسلمون.
ثم قالت: أيها الناس لم سبيتمونا ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله؟
[44] تاريخ الطبري: ج2، ص504؛ خزانة الأدب للبغدادي: ج2، ص26؛ تاريخ الإسلام للذهبي: ج3، ص36.