الفصل الرابع كربلاء: النهوض بالامه المنكوبه 1 – الموقف الحسينى معيار وقدوه فى ليله الشهاده، وفى يومها، واصل الحسين الشرح والبيان، جمع اصحابه واهل بيته وخطب فيهم: (اما بعد، فانى لا اعلم ّه عنى جميعا خيرا. اصحابا اولى ولا خيرا من اصحابى، ولا اهل بيت ابر ولا اوصل من اهل بيتى، فجزاكم الل الا وانى اظن يومنا من هولاء الاعداء غدا الا وانى قد رايت لكم فانطلقوا جميعا فى حل ليس عليكم منى ذمام، هذا ليل قد ّه، فان غشيكم فاتخذوه جملا…. ثم لياخذ كل رجل منكم بيد رجل من اهل بيتى، ثم تفرقوا فى سوادكم ومدائنكم حتى يفرج الل القوم انما يطلبونى ولو قد اصابونى لهوا عن طلب غيرى. ّه بن جعفر: لم نفعل؟ لنبقى بعدك!؟ لا ارانا اللّه ذلك ابدا. فقال له اخوته وابناوه وبنو اخيه وابناء عبدالل بداهم بهذا القول العباس بن على، ثم انهم تكلموا بهذا ونحوه فقال الحسين(ع): يا بنى عقيل حسبكم من القتل بمسلم، اذهبوا قد اذنت لكم، قالوا: فما يقول الناس، يقولون: انا تركنا شيخنا وسيدنا وبنى عمومتنا خير الاعمام ولم نرم معهم بسهم، ولم ّه لا نفعل، ولكن تفديك انفسنا واموالنا واهلونا ونقاتل نطعن معه برمح، ولم نضرب معهم بسيف، ولا ندرى ما صنعوا، لا والل . (84) ّه العيش بعدك) معك حتى نرد موردك فقبح الل ّه(ص) قال: يا بنى انك ستساق الى العراق، وهى وفى روايه، عن ابى جعفر محمد بن على(ع) انه قال: (ان رسول الل ارض قد التقى بها النبيون واوصياء الانبياء، وهى ارض تدعى عمورا، وانك تستشهد بها ويستشهد معك جماعه من اصحابك لا يجدون الما من الحديد، وتلا: (قلنا يا نار كونى بردا وسلاما على ابراهيم)«الانبياء69/». ّه لئن قتلونا فانا نرد على نبينا). تكون الحرب بردا وسلاما عليك وعليهم فابشروا، فوالل فلما اجمع اهل بيته واصحابه على مواصله الجهاد والسير الى موضع شهادتهم قال لهم: (فان كنتم قد وطنتم انفسكم على ما ّه يهب المنازل الشريفه لعباده لصبرهم على احتمال المكاره، وان اللّه، وان كان خصنى مع وطنت نفسى عليه فاعلموا ان الل من مضى من اهلى الذين انا آخرهم بقاء فى الدنيا، من المكرمات بما سهل معها احتمال الكريهات فان لكم شطر ذلك من ّه. كرامات الل واعلموا ان الدنيا حلوها ومرها حلم، والانتباه فى الاخره، والفائز من فاز فيها والشقى من يشقى فيها، او لا احدثكم باول ّه. امرنا وامركم معاشر اوليائنا والمعتصمين بنا ليسهل عليكم احتمال ما انتم له معرضون؟ قالوا: بلى يا ابن رسول الل ّه خلق آدم واستواه وعلمه اسماء كل شىء وعرضهم على الملائكه، جعل محمدا وعليا وفاطمه والحسن قال: ان الل والحسين اشباحا خمسه فى ظهر آدم، وكانت انوارهم تضىء فى الافاق من السموات والحجب والجنان والكرسى والعرش، فامر الملائكه بالسجود لادم تعظيما له لانه قد فضله بان جعله وعاء لتلك الاشباح التى قد عمت انوارها الافاق فسجدوا الا ابليس ابى ان يتواضع لجلال عظمته وان يتواضع لانوارنا اهل البيت وقد تواضعت لها الملائكه واستكبر وترفع وكان بابائه ذلك وتكبره من الكافرين). وبات الحسين واصحابه فى تلك الليله ولهم دوى كدوى النحل ما بين راكع وساجد وقائم وقاعد، وكان الامام(ع) يتلو قوله تعالى: (ولا يحسبن الذين كفروا انما نملى لهم خير لانفسهم انما نملى لهم ليزدادوا اثما ولهم عذاب مهين)«آل عمران178/»، ّه الحسين يصلح سيفا له، وزينب(ع) جالسه، فانشد: وفى ليله الشهاده جلس ابو عبدالل يا دهر اف لك من خليل * كم لك بالاشراق والاصيل من صاحب وطالب قتيل * والدهر لا يقنع بالبديل وانما الامر الى الجليل * وكل حى سالك السبيل ففهمتها زينب(ع)، فلم تملك نفسها فوثبت تجر ثوبها وانها لحاسره حتى انتهت اليه فقالت: (واثكلاه، ليت الموت اعدمنى الحياه، اليوم ماتت امى فاطمه وابى على واخى الحسن، يا خليفه الماضين. فنظر اليها الحسين قائلا: يا اختى لا يذهبن بحلمك الشيطان. وترقرقت عيناه بالدموع وقال: لو ترك القطا ليلا لنام. فقالت: يا ويلتاه، افتغتصب نفسك اغتصابا فذلك اقرح لقلبى واشد على نفسى. ثم لطمت وجهها وهوت الى جيبها فشقته وخرت مغشيا عليها، فقام اليها الحسين فصب على وجهها الماء، وقال لها: يا ّه وتعزى بعزاء اللّه واعلمى ان اهل الارض يموتون واهل السماء لا يبقون وان كل شىء هالك الا وجه الل ّه الذى اختاه اتق الل خلق الخلق بقدرته ويبعث الخلق ويعيدهم وهو فرد وحده. ّه اسوه حسنه، يا اختى انى اقسمت جدى خير منى وابى خير منى وامى خير منى واخى خير منى، ولكل مسلم برسول الل عليك فابرى قسمى لا تشقى على جيبا ولا تخمشى على وجها ولا تدعى على بالويل والثبور اذا انا هلكت، ثم جاء بها حتى . (85) اجلسها عند على بن الحسين ثم خرج الى اصحابه) ما اروع هذه البلاغات الحسينيه التى تلين الحديد، ولكن القوم قست قلوبهم فهى كالحجاره او اشد قسوه، (وان من الحجاره ّه)«البقره74/». لما يتفجر منه الانهار وان منها لما يشقق فيخرج منه الماء وان منها لما يهبط من خشيه الل وربما سال سائل: لماذا خاطب الحسين القوم؟، هل كانت به رغبه فى الرجوع او النجاه فاحتاج ان يقنعهم ليبقوا عليه؟، الاجابه يدركها الذين وعوا دور حمله الرسالات السماويه من الانبياء والائمهعليهم السلام. فهذا نوح(ع) يقول: (قال رب انى دعوت قومى ليلا ونهارا× فلم يزدهم دعائى الا فرارا× ثم انى دعوتهم جهارا×، ثم انى اعلنت لهم واسررت لهم اسرارا)«نوح/ 95». ّه نوح(ع) يلح على قومه داعيا ليلا ونهارا وسرا وجهارا، والقوم لا يزدادون الا عتوا واستكبارا، وها هو فها هو نبى الل رب العزه القادر على تعجيل عقابهم يمهلهم المره تلو الاخرى عساهم يرجعون ويقبلون اليوم ما رفضوه بالامس، ولكن هيهات، ياتى هولاء يوم القيامه يقولون: (قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين)«المومنون/ 106». ّه الحسين(ع) كانت بالغه الصعوبه، فقوم نوح لا يدعون الاسلام، اما اليزيديون فكانوا ثم اننا نرى ان مهمه ابى عبدالل يدعون الاسلام وما زالوا الى يومنا هذا يدعون انهم وحدهم اصحاب الفهم الصحيح للاسلام، كيف يتاتى هذا وقد قتلوا ابن بنت ّه(ص): (حسين منى وانا من حسين، احب اللّه من احب حسينا، حسين سبط من الاسباط) (رواه نبيهم الذى قال عنه رسول الل ّه(ص) (فيما رواه احمد): (نظر النبى اللّه(ص)، الى على والحسن الترمذى وقال حديث حسن)، وهو الذى قال عنه رسول الل والحسين وفاطمه فقال: انا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم)، وفى روايه اخرى لاحمد: (من احبهما فقد احبنى ومن ابغضهما فقد ابغضنى). اذا فالموقف الحسينى ميزان ومعيار يميز بين الحق والباطل. وهذه حقيقه واضحه من خلال النصوص الكثيره المتواتره فى خصائص اهل بيت النبوه او تلك الوارده فى حق الحسين(ع) على سبيل الخصوص، والذى زاد الامر وضوحا هو الدليل العملى الذى قدمه الحسين(ع) على صحه ما ورد فى فضل اهل البيتعليهمالسلام، فاين كان الاخرون من هذه الفتن التى هاجمت الامه المسلمه من كل جانب؟، اين موقف الدفاع العملى عن قيم الاسلام؟، سوال لا نجد له اجابه الا فى تحرك الحسين(ع)، ذلك التحرك الذى كان مقدمه لكل الحركات الثوريه فى تاريخ الامه الاسلاميه، والامه الان وهى تعيش لحظات حرجه فى تاريخها فى حاجه لاستلهام هذه الروح الحسينيه والاقتباس من نورها لعلنا نتمكن من اضاءه هذا الظلام الحالك. اننا فى امس الحاجه لاستلهام ذلك النور الحسينى لاضاءه هذه الظلمات وتحديد طريق المسير، ظلمات فوقها فوق بعض، ّه له نورا فما له من نور. ومن لم يجعل الل 2 -نماذج اناس باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم وقبل ان نصل الى بلاغات الحسين، فى يوم المقتل، نستعرض نموذجا من نماذج (الابناء) الذين باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم، انه عمر بن سعد بن ابى وقاص، فقد كان الرجل يبحث عن دور فى خدمه بنى اميه، فارسله ابن زياد الى بلاد فارس واعطاه عهدا على الرى، ثم استدعاه وامره بالسير الى الحسين(ع) وقال له: (سر الى الحسين فاذا فرغنا مما بيننا وبينه سرت الى عملك. فقال له عمر بن سعد: ان رايت ان تعفينى فافعل. قال: نعم على ان ترد لنا عهدنا. . (86) فاستمهله ابن سعد حتى ينظر ثم عاد اليه مجيبا ومنفذا امر سيده ابن زياد) ولنا هنا وقفه، الرجل يريد الاماره ولا يطيق الصبر عنها ولا مانع لديه من ارتكاب اى جرم ليجلس بضعه ايام على الكرسى، وبنو اميه ائمه الضلال هم والشيطان سواء، يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان الا غرورا، يسوقون الناس من رغباتهم وشهواتهم ومكامن ضعفهم. فلما سار بجيشه لملاقاه الحسين دعاه الحسين لملاقاته وناجاه طويلا وقال له الحسين(ع): (ويل لك يا ابن سعد، اتقاتلنى وانا ابن من علمت. ّه تعالى. ذر القوم، وكن معى فانه اقرب الى الل فقال ابن سعد: اخاف ان يهدم دارى. فقال الحسين(ع): انا ابنيها لك. فقال: اخاف ان توخذ ضيعتى. فقال(ع): انا اخلف عليك خيرا منها من مالى بالحجاز. ثم قال: لى عيال وسكت. ّه على فراشك عاجلا ولا غفر لك يوم حشرك، فواللّه انى لارجو ان لا فانصرف عنه الحسين(ع) وهو يقول: مالك ذبحك الل تاكل من بر العراق الا يسيرا. . (87) فقال ابن سعد: فى الشعير كفايه عن البر) ّه لانه يخشى على اى خزى هذا واى عار تحس به الارض وهولاء الاوغاد يسيرون عليها، يخرج لقتل ابن بنت رسول الل ضيعته ويخشى ان يضيع ماله، اما عن دينه فلا يسال، ثم يزعم بعض الباحثين ان هذا القاتل الماجور من خير القرون، وهل ّه، لقد احسوا منه شيئا من التردد فى الاقدام على قتل الحسين وذهب الوشاه الى سيده رضى عنه ابن زياد وسيده يزيد؟، لا والل ابن زياد فارسل اليه: (اما بعد، فانى لم ابعثك الى حسين لتكف عنه ولا لتطاوله ولا لتمنيه السلامه والبقاء، ولا لتقعد له عندى شافعا، انظر فان نزل حسين واصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم الى سلما، وان ابوا فازحف اليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم فانهم لذلك مستحقون، فان قتل حسين فاوطىء الخيل صدره وظهره فانه عاق مشاق قاطع ظلوم وليس دهرى فى هذا ان يضر بعد الموت شيئا، ولكن على قول لو قد قتلته فعلت هذا به، ان انت رضيت لامرنا جزيناك جزاء السامع المطيع، وان ابيت فاعتزل عملنا وجندنا وخل بين شمر بن ذى جوشن وبين العسكر فانا قد امرناه بامرنا، والسلام). هذه هى شريعه بنى اميه وهى شريعه فرعون نفسها وشريعه كل طاغيه، ان ابن زياد، والى يزيد يحاصر الحسين بن ّه، ويخيره بين الاستسلام التام والذل الزوام او القتل على هذه الطريقه الهمجيه، ثم يقول بعض على، وابن بنت رسول الل المورخين ان هولاء كانوا يحكمون بالشريعه الاسلاميه، رجل لم يسل سيفا ليقتل مسلما او كافرا، رجل كل ذنبه انه يامر بالمعروف وينهى عن المنكر يكون هذا مصيره، اى خزى وعار تحمله الارض اذا حملت هولاء الاوغاد على ظهرها، وهذا ّه (ان لعنه اللّه على عمر بن سعد لم يتجاوز، كما يرى بعضهم، وان له اجرا واحدا، لانه مجتهد فى قتله لابن بنت رسول الل ّه ويبغونها عوجا وهم بالاخره كافرون)«الاعراف45-44/». الظالمين× الذين يصدون عن سبيل الل هذا هو صنيع بنى اميه مع خير هذه الامه، اما وابا، فكيف صنيعهم مع بقيه الامه؟!!، انها سياسه الاستعباد والعبوديه التى ورثناها منهم الى يومنا هذا. لم تكن قضيه فرديه ولا شخصيه كما يحاول انصار الحزب الاموى تسويغ مقتل الحسين(ع) او تسويغ استمرارهم فى السلطه بالمعطيات نفسها والاساليب عينها، يشيرون على خطى آبائهم واجدادهم، مثل: معاويه، ويزيد، وزياد، وابن زياد، وعمر بن سعد، وشمر بن ذى الجوشن.