نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم ولكن الأقانيم غير مذكورة بالاسم. وفي الواقع فإن عقيدة التثليث لم تذكر بشكل صريح في العهد الجديد إلا في إنجيل متي، ولذا نجد أن المسيحيين يعترفون بهذه المسألة هم أيضا، فإن لفظة التثليث والثالوث، غير مذكورة ويقدمون تعليلا لذلك فالعهد الجديد لا يحتوي على ألفاظ (ثالوثية) وليس هناك نصوص تأتي بعقيدة يعبر عنها بألفاظ مجردة، بل إن الله كشف عن حياته الخاصة بتدبيره الخلاصي حيث يدنو البشر من الأب في الروح والابن (1). ولا يفوتني هنا أن أذكر أن التثليث له جذوره العميقة في التاريخ، فهو ليس وليد المسيحية، بل كان منتشرا في مصر وفلسطين والصين والهند وغيرها من البلاد قبل مجئ المسيح (عليه السلام) وأهم قصة للتثليث مشابهة تقريبا للعقيدة المسيحية، هي أسطورة (أوزيريس) المصرية وتقول هذه الأسطورة أن (أوزيريس) قتله أخاه (ست)، وعثرت (أيزيس) على جسده فحنطته، ثم قام من بين الأموات، وأصبح إله العالم السفلي، وحملت (أيزيس) من (أوزيريس) بعد موته، وولدت له هورس، وكانت عبادة الإله (أوزيريس) في مصر في عصر البطالسة.
(1) معجم الإيمان المسيحي (164).
(١٠١)
ودفع هذا التشابه إلى قول بعض الآباء المسيحيين الأوائل أن في ديانة (أوزيريس) تمهيد الطريق وإعدادها لمجئ الإنجيل، إلا أن القصة المصرية، قصة الإله الذي مات وقام أسطورة وخرافة، أما سجل حياة يسوع المسيح (عليه السلام) وموته وقيامته كما ورد في الإنجيل فهو سجل تاريخي وواقعي (1). في الواقع هذا عرض إجمالي لعقيدة الثالوث الأقدس عند المسيحيين الذين يعتقدون أن الله سبحانه قد تجسد في شخص المسيح (عليه السلام) ومعنى قولهم أن (الكلمة، الله) قد تجسد، أي أن الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس صار جسدا، واتخذ الطبيعة البشرية، فصار يشبهنا في كل شئ (ما عدا الخطيئة) والكلمة صار جسدا، وحل بيننا (يو: 1: 14). فإن الله ليكشف عن نفسه نزل إلى الأرض، والتقى الإنسان بالصورة البشرية، فقد زار الله شعبه في يسوع المسيح (عليه السلام) بل زار البشرية كلها (2). ولكنه إذ أصبح انسانا بشرا، فهذا الأمر لم يخسره شيئا من ألوهيته، فلقد اكتفى أن يخفيها ويسترها متخليا وقتيا عن أمجاده الإلهية التي كانت في سلطته وحوزته (3).
(1) قاموس الكتاب المقدس: 904. (2) المسيح في الفكر الاسلامي: 312. (3) نفس المصدر: 272.
(١٠٢)
ولنا هنا بعد هذا العرض لعقيدة الثالوث الأقدس، تساؤلات وإشكالات نوردها ونبين مدى صحة هذه العقيدة، عقلا ونقلا من العهد الجديد نفسه.. كما سأتجنب التعرض للمباحث الفلسفية في هذا العرض، بل أقدمه بشكل سهل لا يصعب فهمه فنقول: أولا: أن أول إشكال يواجه الباحث في عقيدة اللاهوت المسيحي (الثالوث الأقدس) والتبني والتجسيد عامة، هو أن المسيحيين يغلقون باب العقل ويعطلونه، فهم يتمسكون بأن هذه العقيدة لا يمكن أن يمسها العقل والادراك البشري، بل هي فوقهما، فهي سر لا يفهم إلا بالإيمان الحقيقي والثابت بالمسيح (عليه السلام). وهنا أقدم مقدمة بسيطة لتوضيح مسألة مهمة وهي: أن الأمور والقضايا التي تواجهنا لا تخرج عن ثلاث حالات حسب العقل وهي: 1 – ما هو موافق للعقل: وهي الأمور التي يقبلها العقل ويذعن لها، كالقضية القائلة بأن الجزء أصغر من الكل، فالعقل البشري يوافقها ويصدقها. 2 – ما هو مخالف للعقل: وهي الأمور التي يرفضها العقل ويحكم ببطلانها، كاجتماع النقيضين أو ارتفاعهما، فالعقل يرفض هذه القضية مطلقا، مثلا أن نقول (زيد موجود وليس بموجود في نفس الوقت) فالعقل هنا يؤكد استحالة مثل هذه القضية، فهي من المحالات العقلية، فأما أن يكون زيد موجودا أولا.
(١٠٣)
3 – ما هو فوق العقل: وهي الأمور والحقائق الغيبية التي تقصر يد العقل عن تناولها والوصول إليها: فإن هناك أمورا فوق العقل، ولولا أخبار الوحي الإلهي عنها لم يكن للانسان أن يتعرف عليها، كبعض الأحكام الشرعية وكيفيتها، وكذلك الرابطة بين الأفعال الاختيارية للانسان في الحياة الدنيا ونتائجها الأخروية، فهذه الرابطة يعجز العقل عن إدراكها فهي لا تدخل في دائرته لأنها ترتبط بعالم الغيب، وغيرها من الأمور.. ولكن بقي هنا مسألة مهمة وهي أن القضايا التي هي فوق العقل والادراك البشري، يجب أن لا تدخل تحت الشق الثاني، أي أن لا تكون مخالفة للعقل وإلا صارت من المحالات التي يرفضها العقل ويبطلها، وهذا ما نجده بالضبط في عقيدة التثليث. فالمسيحيون حينما يواجهون هذه الإشكالات العقلية حول هذه العقيدة، يلجأون إلى لجم العقل وتعطيله بالقول أن العقل قاصر عن إدراك مثل هذه المسائل، لأنها من عالم الغيب الذي لاحظ للعقل فيه، ولأن الوحي قد جاء بها فيجب قبولها والاذعان لها، وإن كانت مخالفة للعقل، ويؤكدون أن الكثير من المسائل الدينية يحيلها العقل، وتقبل تعبدا وهذه العقيدة منها (1). وهذا الجواب فيه تناقض صريح، إذ كيف يستطيع الإنسان أن
(١) راجع الميزان في تفسير القرآن ج 3 / ص 355.
(١٠٤)
يميز دين الحق عن الباطل، أليس بالعقل؟ وحتى المسيح (عليه السلام) وتلاميذه فأنهم كانوا يجادلون ويناقشون اليهود بالأدلة والاستدلالات لكي يثبتوا أن المسيح (عليه السلام) مرسل من الله سبحانه، وأنه يدعوهم إلى أتباع العقل من خلال تطبيق ما تنبأ به العهد القديم بالنبي الموعود وحياة المسيح (عليه السلام) فهو النبي المنتظر والموعود حسب ما يدعيه المسيحيون.. فإذا كان العقل له الدور الرئيسي في تشخيص الدين الحق من الباطل، فكيف يقبل بعقيدة تشتمل على محالات وتناقضات يرفضها؟ وأما كيفية مخالفتها للحق فهي واضحة وبينة، وقد اعترف بها عدة من علماء التثليث، فالواحد حقيقة لا يمكن أن يكون ثلاثة حقيقة، فالمسيحيون كما ذكرنا يؤمنون بثلاثة أشخاص وأقانيم حقيقية متميزة الواحد عن الآخر ولكنهم متساوون في الجوهر، فهل يعقل أن يكون الواحد ثلاثة والثلاثة واحد!!! وأيضا يستلزم منه التركيب، فالإله الواحد مركب من ثلاثة أجزاء، وعلى هذا فهو بحاجة إلى أجزائه لتكتمل ألوهيته، والاحتياج والتركيب ينافيان الغنى والبساطة والتي هي من صفات الإله (واجب الوجود). إضافة إلى هذا فإن الله سبحانه بسيط الذات من جميع الجهات فيستحيل انفصال شئ منه (كما يدعي المسيحيون)، وحلوله في