الرئيسية / صوتي ومرئي متنوع / روح العبادة الآداب المعنوية للعبادات

روح العبادة الآداب المعنوية للعبادات

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين، وبعد…

 

روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: “أفضل الناس من عشق العبادة فعانقها، وأحبّها بقلبه، وباشرها بجسده، وتفرّغ لها، فهو لا يبالي على ما أصبح من الدنيا، على عسر أم يسر[1].

العبادة في الإسلام اسم يطلق على كلّ ما يصدر من الإنسان المسلم من أقوال وأفعال وأحاسيس، استجابةً لأمر الله تعالى، وتطابقاً مع إرادته ومشيئته. فلا حصر ولا تحديد لنوع الأعمال أو الأفكار أو الأقوال، التي يعبد بها الله… فالصلاة، والصدقة، والجهاد، والتفكّر في خلق الله، ومساعدة الضعيف، وإصلاح الفاسد، وأداء الأمانة، والعدل بين الناس، ورفض الظلم… فكلّ تلك الأعمال هي عبادة، ما دام الداعي إلى فعلها هو الاستجابة لأمر الله تعالى. وقد جاء في الأحاديث الواردة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام، ما يوضِّح هذا المفهوم الإسلامي، ويشخِّص أبعاده الواسعة الشاملة: فمنها، بل أفضلها طلب الحلال، ومنها نظر الولد إلى والديه حبّاً لهما، ومنها عفّة البطن والفرج، ومنها العلم بالله، والتواضع له، ومنها التفكّر في أمر الله.

وإذا دقّقنا في معنى العبادة الخاصّ، نجد بأنّ أصل معنى العبادة مأخوذ من الذلّ، يُقال: طريق معبّدٌ، إذا كان مذلّلاً قد وطئته الأقدام. غير أنّ العبادة في الشرع لا تقتصر

 

على معنى الذلّ فقط، بل تشمل معنى الحبّ أيضاً، فهي تتضمّن غاية الذلّ لله وغاية المحبّة له، فيجب أن يكون الله أحبَّ إلى العبد من كلّ شيء، وأن يكون الله عنده أعظم من كلّ شيء، عن الإمام علي عليه السلام قال: “إذا أحبّ الله عبداً، ألهمه حسن العبادة”[2].

إلّا أنّ هذه اللفظة (لفظة العبادة) لها استعمال خاصّ عند الفقهاء، فقد أطلقوها بشكل اصطلاحي على العبادات المحدّدة في الفقه بصورة خاصّة، والتي تحتاج إلى نيّة القربة إلى الله تعالى، كالصوم، والصلاة، والحجّ، والزّكاة، والخُمس، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدُّعاء…

ولا يخفى أنّ العبادة روحٌ ولبٌّ وعلاقة تواصل بين العبد وربّه، سبحانه، فإذا اقتصرت العبادة على الحركات، وتخلّف عنها لبّها وجوهرها من الخشوع والخضوع لله، والذلّ والانكسار بين يديه، كان العبد مؤدّياً لصورة العبادة لا لحقيقتها، فشرود القلب وغفلته في آدائه للعبادة من أعظم الآفات التي تؤدّي لعدم قبول العمل. ولتجاوز هذا، ذكر العلماء أسباباً لبعث الروح في عباداتنا، منها:

– التفكّر بالله تعالى، وهي من أرقى الممارسات العبادية في الإسلام، وأكثرها قدرة على ربط الإنسان بخالقه وشدّه إليه.

– تحديث القلب وتذكيره بالتعبّد لله سبحانه، وأنّ سعادته في تحسين عبادته لربّه، والقيام لله بحقّه.

– التهيّؤ للعبادة والاستعداد لها، ويكون التهيّؤ لكلّ عبادة بحسبه، فالتهيّؤ للصلاة بالوضوء والحضور إلى المسجد مبكراً.

– الإقبال على العبادة بقلب فارغ من مشاغل الدنيا وملهياتها، والابتعاد عمّا يشوّش القلب أثناء العبادة، كالأصوات والزخارف ونحوها.

 

وينبغي أن نشير أخيراً بأنّ منهج العبادة في الإسلام منهج فطري ذو طبيعة اجتماعية حركية، لا يؤمن بالفصل بين الدُّنيا والآخرة، فهو لا يدعو إلى محاربة المطالب الجسدية من الطعام، والشراب، والزواج، والراحة، والاستمتاع بالطيِّبات، بدعوى أنّها تعارض التكامل الروحي والتقرّب من الله، بل وازن بمنهاجه موازنة تامّة بين الروح والجسد، ولم يفصل بينهما، لأنّ الإسلام لا يرى في مطالب الجسد حائلاً يقف في طريق تكامل الروح، أو عائقاً يعرقل تنامي الأخلاق، بل يؤمن بأنّ هدف الجسد والروح من حيث التكوين الفطري هدف واحد، ومنهاج تنظيمها وتكاملها منهاج واحد.

 

والحمد لله رب العالمين

[1]  الشيخ الكليني، محمّد بن يعقوب: الكافي، ج 2، ص 83، تحقيق وتصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية – طهران، مطبعة الحيدري، 1365 ش، ط 4، باب العبادة، ح 3.

[2]  الريشهري، محمّد: ميزان الحكمة، ج 1، ص 508، تحقيق ونشر وطبع دار الحديث، لا ط، باب ما يترتب على محبّة الله.

شاهد أيضاً

في رحاب الشيعة – الشيخ باقر شريف القرشي 06

اتهامات رخيصة واتهمت الشيعة بغير إنصاف بتهم رخيصة لا قيمة لها في المقاييس والموازين العلمية ...