الرئيسية / مقالات اسلامية / كلامكم نور / الاكتفاء بما روي في اصحاب الكساء – العلامة السيد الجلالي
16

الاكتفاء بما روي في اصحاب الكساء – العلامة السيد الجلالي

يحتوي هذا التلخيص على أحاديث انتقيتها من كتاب «تأريخ مدينة دمشق» للحافظ ابن‏عساكر (المتوفى 571 هـ) وقد مضى على ذلك عقدان من الزمن تقريباً وكان المعنيُّون بالتراث آنذاك يُعدُّون بالأصابع، وحيث إنّي وجدتُ نقصاً فاحشاً في وفاة النبي(ص) يُستبعد جدّاً أن يكون قد أهملهُ قلم مؤلف منيع كابن عساكر سعيتُ في تحصيل المفقود شرقاً وغرباً ولكن من دون جدوى،

 

وكأنَّ يداً أثيمة حاولت القضاء عليهِ.
والأغرب هو الصمت المطبق من المُحققين الكرام على كثرتهم عن هذه النقيصة الفاحشة، ولولا التلخيص الأمين لابن منظور الأفريقي (ت / 711 ه) المتشيِّع، لما أمكن الوقوف على تسلسل الأحداث برواية ابن عساكر.
أمَّا اليوم حيث إنَّ لنشر المخطوطات سوقاً عامرة، فقد قامت أقلام يقظة في إحياء الكتاب أو أجزاء مهمَّة منه، واستعنتُ بها لتقويم النص، وأهمها:
1 – طبعة المجمع العلمي العربي بدمشق، أصدرت المجلدة الأُولى بتحقيق الدكتور صلاح الدين المنجِّد سنة 1371 = 1957، ومجلدات متفرقة أُخرى بتحقيق آخرين، ولكنها غير كاملة.
2 – طبعة الشيخ عَبْد القادر أفندي بدران بعنوان «التأريخ الكبير» في سبعة مجلدات، عام 1331، وقد حذف فيهِ الأسانيد وانتقى مااستساغ، وأقل مايُقال فيهِ: إنّهُ إزراء بقيمة الأسانيد، مع أنّها غير كاملة، وتجاهلت قيمة الأحاديث المُكررة.
3 – طبعة الشيخ مُحَمَّد بن رزيق الطرهوي، دار النشر – بيروت في 19 مجلداً، جمع فيهِ مخطوطات الكتاب بالتصوير وسهَّل بذلك مالم يكُن متيسراً قبل، ولم يذكر فيهِ تأريخ الطباعة، والظاهر أنَّها سنة 1980 م، وهي شبه كاملة.
4 – طبعة محبِّ الدين أبي سعيد عمر بن عرامة العمروي، دار الفكر – بيروت، 1415 ه= 1995م، وطبع منهُ خمسون مجلداً.
5 – طبعة الشيخ مُحَمَّد باقر المحمودي لترجمة الإمام علي والإمام الحَسَن من الكتاب، مؤسسة المحمودي للمطبوعات – بيروت، 1400 = 1980.
وهذا التلخيص يحتوي على الأحاديث المُنتقاة في أصحابِ الكساء خاصة من رواية الحافظ ابن‏ عساكر في كتابهِ، وكان الأجدر تحقيقها تحقيقاً لائقاً، لكن حيث أنَّ يدي قاصرة عن المصادر في الوقت الحاضر رأيتُ تقديمها كما هي عسى أن تكون خطوة في إحياء التُراث الأصيل.

 

 

نسب المؤلف ونسبته:

لُقّب المؤلف في عصره بالحافظ ونسب إلى موطنه دمشق ومذهبه الشافعي، ذكر القاسم ابن‏ عساكر (ولد المؤلف) في نسب والده:
علي بن الحَسَن بن هبة اللَّه بن عَبْد اللَّه بن الحُسَين -مصغراً-.
وذكر كناهم كالآتي:
أَبُو القاسم بن أبي مُحَمَّد بن أبي الحَسَن -مكبراً- بن أبي مُحَمَّد بن أبي علي‏(1).
ولم يتعدّ القاسم الظهور الأربعة للمؤلّف.
وترجم المؤلف والده الحَسَن ملقباً أباه بالمزكّي – على صيغة الفاعل – بما نصّه:
الحَسَن بن هبة اللَّه بن عَبْد اللَّه بن الحُسَين، أَبُو مُحَمَّد بن أبي الحُسَين المزكي، والدي(ره)، صحب الفقيه أبا الفتح نصر بن إِبْرَاهيم المقدسي وسمع منه الصحيح البخاري وغيره، واستجيز له من جماعة من شيوخ العراق كأبي الفضل أَحْمَد بن الحُسَين بن خيرون، والقاضي أبي بكر مُحَمَّد بن المظفر بن بكران الشامي وغيرهما، سمعت منه شيئاً يسيراً.
وهنا تكمن عدّة أسئلة:
لماذا لم يُعرف المؤلف بلقب والده «المزكّي»؟
ولماذا لم يستجز هو، بل استجيز له؟
ومن هو المستجيز، هل هو ولده المؤلف أو غيره؟
ثم لماذا سمع منه ولده المؤلف شيئاً يسيراً؛ مع أنّ من عادته الإكثار من الرواية ممّن يجده أهلاً؟
ولعل المؤلف أعرض عن لقب المزكي -على اسم الفاعل- لئلّا يلتبس بالزكيّ -صفة- وهم خؤولته من آل القرشي.

 

لماذا «ابن عساكر»؟

إنّ أقدم مصدر يذكر المؤلف بهذا اللّقب هو عَبْد الرَّحمن بن الجوزي (ت / 597) حيث قال: انّه أَبُو النظر الدمشقي المعروف بابن عساكر(2).
وحكى كرد علي: أنّ المؤلف ما كان يرتاح إلى هذا اللّقب‏(3).
ومن الواضح أنّ هذا ليس من ألقاب الفقهاء ولا المحدّثين، فحقيق لمثل المؤلف أن يستكره ذلك، وصدق عَبْد الوهاب السبكي (ت / 771) حيث قال: «لا نعلم أحداً من جدوده يسمّى عساكر وإنّما هو اشتهر بذلك»(4).
وأمّا أنّه لماذا اشتهر بذلك؟ فلم يشر إلى ذلك أحدٌ، وأظن – واللَّه العالم – أنّ اللقب «ابن عساكر» اشتهر في عصره لصلته الوثيقة بالدولة الحاكمة والسلطة العسكرية في البلاد، وقد لُقِّب المؤلف في نسخة من خريدة القصر ب «ثقة الدولة»، وفي نسخة أُخرى‏ «ثقة الدين». ولم يجمع بينهما ممّا يظهر أنّ النسّاخ أو العماد اختار أحدهما له‏(5).
وهذا النوع من الصلة لا تستحبّها العامّة. ومهما كانت الأسباب لهذه الصلة الوثيقة بدولتين قامتا على أساس طائفي هما النورية والصلاحية اللتان استهدفتا القضاء على الحكم الفاطمي الشيعي، كانتا على تعاون تام مع المؤلف، فاللقب «ابن عساكر» أقرب إلى المعنى في قولنا: «ابن الحكومة» أو «ابن الشرطة» فحقيق لحافظ مثل المؤلف أن يستكره اللقب.
ويتّهم صلاح الدين المنجّد ابن الجوزي بقوله: «… ولعلّ إثباته الاسم كان لغيظ منه في نفسه، وقدكان ينتقصه… ولعلّ حنبلية ابن الجوزي هي السبب في غمزه وتنقيصه»(6).
وهذا كلام غير مستقيم؛ فإنّ ابن الجوزي لم يذكر إلّا ما كان معروفاً في عصره ولو كان هذا غمزاً ونقصاً لما تقبله أُسرة المؤلّف من بعده، بل إنّا لانجد لهذه‏الأُسرة بعد المؤلف لقباً تُعرف به سوى لقب «ابن عساكر» وإن كان المؤلف لم يعرف في عصره بين عارفي فضله بذلك، فقد أكثر وصفه عَبْد الكريم السمعاني (ت / 562) بقوله: «صديقنا ورفيقنا أَبُو القاسم علي بن الحَسَن بن هبة اللَّه الدمشقي الشافعي الحافظ»(7).
وكذا في غير موضع من التحبير منها في ج‏1: 259 و 262 و291 و321 و382 و436 و506 وج 2: 21 و 22 و 34 وغيرها، والشهرة بلقب عند الخاصّة وآخَرَ عند العامّة أمر شائع.

من تواريخ حياته:

449 ه ولد في العشر الآخر من المحرم بدمشق.
519 ه توفي والده في 21 رمضان.
521 ه حجّ بيت اللَّه الحرام، وعرج على بغداد طلباً للحديث.
525 ه عاد إلى دمشق.
529 ه رحل إلى خراسان طلباً للحديث.
533 ه عاد إلى دمشق مستقلاً بالدرس.
571 ه توفي في 11 رجب عن 72 عاماً.

ترجمة ابن عساكر:

ونكتفي في ترجمة المؤلف بما ذكره اثنان من معاصريه:
أوّلهما: عَبْد الكريم السمعاني (ت/ 562 ه)، فقد وصف المؤلف في كتابه «الأنساب» بقوله: «صديقنا ورفيقنا أَبُو القاسم علي بن الحَسَن بن هبة اللَّه الدمشقي (الشافعي) الحافظ».
ونقل العماد الاصفهاني (ت/ 597) عن السمعاني قوله: «كان أَبُو القاسم بن أبي مُحَمَّد من أهل دمشق: كثير العلم، غزير الفضل، حافظاً، متقناً، ثقة، ديّناً، خيّراً، حَسَن السمت، جمع بين معرفة المتون والأسانيد، مثبتاً، محتاطاً، رحل في طلب الحديث. ورد بغداد سنة عشرين وخمس مئة ورجع إلى دمشق، ورحل إلى خُراسان على طريق أذرْبَيجان. ثم وافيت نيسابور سنة تسع وعشرين، وصادفته بها، وكنت أسمع بقراءته، واجتمعت معه ببغداد سنة ثلاث وثلاثين، وبدمشق سنة خمس وثلاثين، وسألته عن مولده فقال: في العشر الآخر من محرم سنة تسع وتسعين وأربع مئة»(8). ثم زاد العماد الاصفهاني (ت / 597) قوله: «فلمّا وصلتُ إلى الشام، وأقمتُ بدمشق، تردّدتُ إليه، ورأيته قد صنّف تأريخ دمشق. وذكر أنّه في سبع مئة كُرّاسة، كل كُرّاسةٍ عشرون ورقة. وسمعت بعضه منه. وأورد من شعره فيه.
ودخل إليّ بُكرة يوم الأربعاء تاسع عشر شهر ربيع الأوّل سنة إحدى‏ وسبعين فعرضت عليه ماأورده السمعاني في حقّه، وسمعت المقطعات الثلاث اللّامية، والتائية والعينية من لفظه، وقال: صدق السمعاني، والآن أنت قد سمعته منّي. ووعدني أن يكتب لي من شعره ما أورده في هذا الكتاب.
وهو الحافظ الذي قد تفرّد بعلم الحديث، والاعتقاد الصحيح، المنزّه عن التشبيه، المحلّى بالتنزيه، المتوحّد بالتوحيد، المظهر شعار الأشعريّ بالحد الحديد، والجد الجديد والأيد الشديد»(9).
واستدرك ياقوت الحموي (ت/ 626) على كلامهما بما وجده في جزءٍ عمله ولد المؤلف – أَبُومُحَمَّد القاسم – في أخبار والده من ذكر مصنّفاته وآثاره وتبعهم آخرون وأجمعُ ما كتب عن حياة المؤلف هو ما صدّر به المجلدة الأُولى من الكتاب، تحقيق صلاح الدين المنجّد، المطبوعة بدمشق 1371 = 1951.
كما أبدع المحقّق في تقديم مشجرتين في أشهر رجال بني عساكر صاعداً ونازلاً ورجال بني‏القرشي -أخوال المؤلّف- حتى القرن الثامن، حيث إنّ أُمّ المؤلف من هذه الأُسرة الاُموية(10).
ولنختم في ترجمته بما نظمه المؤلف في آخر كتابه «تبيين كذب المفتري على أبي‏الحَسَن الأشعري» المطبوع‏(11).
فإنّها ترجمة ذاتية شعرية تعبّر عن همّته العالية في جمع الحديث، وأنّ شخصيته الذاتية خفيت على أصحابه.

يامعشر الإخوان لو ظفرت يدي
بمساعد ومؤيد وملاطف

 

لشرحت ما حاولت شرحاً بيّناً
وشفعت سالف ذاك بالمستأنف

 

تاللَّه أوفى حلفة للحالف
ما ينغض العلماء غير مخارف

 

يامن تواعدني لفرط جهالة
أُكفف وعيدك لي فلستُ بخائف

 

لو كنت تعرفني لما خوّفتني
فذر الوعيد فلست لي بالعارف

 

ما لنت قطّ لغامز متغشمر
كلا، ولا لاينت حيف الحائف

 

فأنا الشجى في حلق كل منافق
وأنا القذى في عين كلّ مخالف

 

وأنا الذي سافرت في طلب الهدى
سفرين بين فدافد وتنائف

 

وأنا الذي طوّفت غير مدينة
من أصبهان إلى حدود الطائف

 

والشرق قد عاينت أكثر مدنه
بعد العراق وشامنا المتعارف

 

وجمعت في الأسفار كل نفيسة
ولقيت كل مخالف ومؤالف

 

وسمعت سنّة أَحْمَد من بعد ما
أنفقت فيها تالدي مع طارفي

 

ورويتها بأمانة وصيانة
ونزاهة تنفى سفاهة قارف

 

واخترت عقداً لم تشبّه بدعة
بل يقتفيه خالف عن سالف

 

فالمنصفون يصحّحون عقيدتي
والمنكرون لها لترك تناصف

 

فعلامَ تلحاني؟! لحاك إلهنا
في مدح من أعيا مديح الواصف

ومنها يعرف أنّ المؤلّف كان يرى نفسه وحيداً، وهذا شأن العظماء الذين لم يعتمدوا إلّا على اللَّه، وأنّ هدفه الوحيد كان جمع السُنّة بأمانة أنفق فيها تالده وطارفه.
كما أشار إلى رحلته سنة 521 ه إلى بغداد وسنة 529 ه إلى خراسان في طلب الحديث، ومن هنا نقف على أنّ صلته بالدولة لم تكن إلّا لتحقيق هذا الهدف.

شاهد أيضاً

2

الاكتفاء بما روي في أصحاب الكساء -عز الدين بحر العلوم

09) (ابن العَواتِك):4 – أخْبَرَنا أَبُو القاسم بن السَّمَرْقَنْدي، أنبأنا أَبُو الحُسَين بن النَقُّور، أنبأنا ...