الرئيسية / الاسلام والحياة / في رحاب الولي الخامنئي – الإمام علي عليه السلام 04 \ 17

في رحاب الولي الخامنئي – الإمام علي عليه السلام 04 \ 17

خاتمة:

 

آلام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام

معاناة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام

لقد عانى أمير المؤمنين عليه السلام مصاعب جمّة، ولعلّ ليس هناك من سمعه يبوح بشكاواه الأصليّة خلال حياته، وإن كان عليه السلام كثيراً ما يشتكي القوم ويؤنّبهم من على المنبر، ولم تقتصر شكواه على مساءلة الناس على عدم توجّههم إلى ميادين الجهاد، فلقد كان قلب أمير المؤمنين عليه السلام يعتصر ألماً؛ ففي دعاء كميل1 المعروف وهو من إنشائه عليه السلام يخاطب عليه السلام ربّ العالمين “إلهي وسيّدي ومولاي ومالك رقّي..”. ومن بين ما احتواه خطابه هذا المقطع الّذي طرق سمعي ومخيلتي بفائق حساسيته: “يا من إليه شكوت أحوالي”، فلقد كان عليه السلام يبثّ شكواه إلى الله وكان فؤاده يطفح بالألم، وكان الهاجس الّذي يقلق أمير المؤمنين عليه السلام يتعلّق بوضع الأمّة والمجتمع، ومسيرة الدين والاتجاه الديني في النظام الإسلاميّ الّذي كان حديث عهد يومذاك، وكذلك شعوره بثقل مسؤوليّته الّتي لم يفرط بواحد من الألف منها2.

شهادة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام

أشير هنا باقتضاب إلى ذكرى يوم الواحد والعشرين من شهر رمضان
________________________________________
1- مصباح المتهجد، الكفعمي، ص 849، وهو دعاء الخضر عليه السلام .
2- كلمة الإمام الخامنئي دام ظله ، في تاريخ: 21/ رمضان/ 1422ﻫ.ق.

عام أربعين للهجرة، وهو يوم استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام ، فكيف كان وضع الكوفة في مثل هذا اليوم؟

أنتم تتذكّرون تلك اللحظة الّتي عَلِمَ فيها أهالي طهران برحيل الإمام الخمينيّ قدس سره, ورأيتم كيف كان البكاء وكيف خَيّم الحزن على القلوب، مع فارق أنّ الإمام قدس سره كان مريضاً لمدّة من الزمن, وكان بعض الناس يخشى نزول المكروه.

بينما كان أمير المؤمنين عليه السلام حتّى قبل ساعة من ضربته يوقظ النائمين في المسجد، وصوت أذانه يدوي في أرجاء الكوفة، وكان الناس حتّى الأمس وحتّى البارحة يسمعون صوته الملكوتيّ, وفجأة تناهى إلى أسماعهم صوت هاتف يقول: “تهدّمت والله أركان الهدى، قتل عليّ المرتضى”3 وهكذا سمع أهالي الكوفة ومن بعدهم جميع العالم الإسلاميّ بشهادة أمير المؤمنين عليه السلام.

كان أمير المؤمنين عليه السلام قد أنبأ مرّات ومرّات بخبر شهادته، لعلّ جميع المقرّبين إليه كانوا يعلمون ذلك.

ففي زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حينما وقعت معركة الخندق وبرز فيها الإمام عليّ عليه السلام كان شاباً له من العمر نيف وعشرون سنة لعمرو بن عبد ود الّذي كان من أبطال العرب, وله في قلوب قريش وغيرها هيبة ما بعدها هيبة, وظنّوا أنّه سيقضي على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، وبارزه وقتله, جُرِح عليه السلام
________________________________________
3- بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 42، ص 239.

في تلك المبارزة في جبهته وسال منها الدم, ولما رآه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على تلك الحالة رقّ له قلبه, ومسح بمنديله الدم عن جبهته وأمر بتضميد جرحه، ثم اغرورقت عيناه بالدموع, وقال: “أين أكون إذا خُضّبت هذه من هذه؟”4 إشارة إلى اليوم الّذي تخضّب فيه محاسنه بدماء رأسه.

نقل محمّد بن شهاب الزهريّ رواية جاء فيها: “كان أمير المؤمنين عليه السلام يستتبع قاتله”, أي إنّه كان يترقّب أن يأتي هذا الشقيّ ويفعل فعلته، كان يحصي حركة الزمن, بانتظار وقوع هذه الحادثة, ويقول: “متى يكون إذا خضّبت هذه من هذه؟”5.

إذاً فهو كان يترقّب، والمقرّبون منه على علم بالأمر, إلّا أنّ عظم الحادثة مع أنّهم قد أخبروا عنها سلفاً قد أذهل الجميع…

قرأت رواية في كتاب بحار الأنوار جاء فيها أنّه كان يغمى عليه عليه السلام بين حين وآخر. كانت ابنته أم كلثوم جالسة أمامه تبكي، فلما فتح عينيه وقع عليها بصره, قال عليه السلام لها: “لا تعزّيني يا أم كلثوم، فإنّك لو ترين ما أرى لم تبك، إنّ الملائكة من السماوات السبع بعضهم خلف بعض والنبيّين يقولون: انطلق يا عليّ فما أمامك خير لك ممّا أنت فيه”6 7 ،.

لَمّا سقط السيف على رأس أمير المؤمنين عليه السلام وهو في محراب العبادة كانت العبارة الّتي سُمعت منه وتناقلتها المصادر هي “بسم الله
________________________________________
4- بحار الأنوار، ج42، ص 195.
5- م. ن.
6- في رحاب أئمّة أهل البيت عليهم السلام ، ج 2، ص 255.
7- كلمة الإمام الخامنئي دام ظله ، في تاريخ: 21/ رمضان/ 1417ﻫ.ق.

وبالله وعلى ملّة رسول الله، فزت وربِّ الكعبة”!8. فتلك الليلة الّتي هي بمثابة العزاء والمصيبة بالنسبة للمسلمين جميعاً، تحوّلت إلى ليلة ظفر وسرور وفوز بالنسبة لأمير المؤمنين عليه السلام الّذي كان على موعد معها. ويبدو أنّها كانت ليلة جمعة؛ ففي بعض الروايات كانت ليلة التاسع عشر ليلة جمعة، فيما تقول روايات أخرى: إنّ ليلة الحادي والعشرين كانت ليلة جمعة، وفي تلك الليلة أفطر عليه السلام عند أمّ كلثوم بالصورة الّتي سمعتم بها, حيث اقتصر إفطاره على الخبز والملح وهذا يعني الإفطار بخبز وحده في واقع الأمر حيث رُفع اللبن وبقي الخبز، فأمضى عليه السلام تلك الليلة بالعبادة حتّى الفجر حيث دخل المسجد، بعدها رفع صوته مؤذّناً ونزل إلى محراب الصلاة، وإذا بالمنادي ينادي أثناء الصلاة: “تهدّمت والله أركان الهدى!”. ومن المؤكّد أنّ الناس كانوا قد فهموا المعنى من “تهدّمت أركان الهدى”9، بَيْدَ أنّ المنادي سرعان ما أردف تلك العبارة بأخرى توضّح مفهومها إذ نادى: “قُتل عليّ المرتضى”10.

يقول لوط بن يحيى بن أبي مخنف11: “لما أحسّ الإمام بالضربة لم يتأوّه” أي إنّه لم يتأوَّه ولم يتألّم عندما نـزلت الضربة على رأسه وشقّت جبهته وهو في المحراب، “وصبر واحتسب، ووقع على وجهه وليس عنده أحد” إذ لم تبدأ الصلاة بعد وكان المسجد مظلماً فيما كان الناس
________________________________________
8- بحار الأنوار، العلامة المجلسيّ، ج 42، ص 239.
9- م. ن.
10- م. ن، ص 282.
11- أنظر: تاريخ الطبري، ج 4، ص 110.

مشغولين بالنافلة أشتاتاً، وعليه لم يفهم أحد ماذا جرى بادئ الأمر، “قائلاً: باسم الله وبالله وعلى ملّة رسول الله”12 ، فكانت أُولى العبارات الّتي تلفّظ بها بعد ضربته، هي تلك العبارات الّتي طرقت أسماعنا في حالات أُخرى، فبعد أن أُصيب سيد الشهداء عليه السلام ووقع على الأرض نُقلت عنه هذه العبارة: “بسم الله وبالله وعلى ملّة رسول الله”13. فقد بذلوا ثمرة حياتهم في هذا الدرب.

ثم نُقلت عن أمير المؤمنين عليه السلام هذه العبارة إذ قال: “فزت وربّ الكعبة” وجاء في رواية أُخرى أنّه قال: “لمثل هذا فليعمل العاملون”14 ، وهذا ما يبرهن على مدى اتصال هذه الروح الطاهرة المطهّرة بعوالم الملكوت حتّى في الوقت الّذي لَمّا يزل عليه السلام على قيد الحياة في هذه الدنيا “ثم صاح وقال: قتلني اللعين”15. وبعد مناجاته تلك صاح عليه السلام كي ينتبه الناس ولا يدعوا القاتل يهرب, فلمّا سمع الناس الضجّة أي سمعوا صوت أمير المؤمنين عليه السلام فزع إليه كلّ من كان في المسجد فتوجّه الجميع نحو محراب المسجد دون أن يعرفوا ماذا حصل وماذا عليهم أن يفعلوا ثمّ أحاطوا بأمير المؤمنين عليه السلام ، وهو يشدّ رأسه بمئزره والدم يجري على وجهه ولحيته وقد خضّبت بدمائه، فلما اجتمع الناس حوله وجدوه يشدّ جرحه بمئزرٍ له بالرغم من حالة الضعف وانفلاق هامته وأنّ
________________________________________
12- بحار الأنوار، ج 42، ص 281.
13- م. ن.
14- م. ن، ج35، ص261.
15- م. ن، ج42، ص 281.

لحيته الّتي كانت بيضاء قد تخضّبت بدمه وهو يقول: “هذا ما وعد الله ورسوله وصدق الله ورسوله” فلقد تحقّق وعدهما16 17 ،.

بعد أن وقعت تلك الفاجعة الكبرى، سُمع هاتف غيبيّ يقول: “تهدّمت والله أركان الهدى”18.

كان أهل الكوفة ومن حولها – ممّن بلغهم الخبر – في اضطراب، حيث كان أمير المؤمنين عليه السلام محبوباً من قِبَل الصغير والكبير، وكان الاضطراب بادياً على بعض الأصحاب المقرّبين من الإمام عليه السلام ، وفي الليلة الّتي سبقت استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام ازدحم الناس حول داره، يريدون عيادته إلّا أنّ حالة الإمام عليه السلام الصحيّة كانت قد ساءت ولم يعد بالإمكان عيادته، فخرج الإمام الحسن عليه السلام على ما ينقل واعتذر إليهم وأمرهم بالانصراف، فتفرّقوا إلّا الأصبغ بن نباتة لم تطاوعه نفسه بالانصراف، حتّى خرج الإمام الحسن عليه السلام بعد هنيئة فإذا به يرى الأصبغ لا يزال واقفاً، فقال له عليه السلام: أما سمعت ما قلته للناس؟ فقال: يا بن رسول الله لا طاقة لي على الانصراف، فأذن لي حتّى أرى الإمام، فدخل الإمام الحسن عليه السلام ثم خرج وأذن له في الدخول.

يقول الأصبغ: “فدخلت وإذا بالإمام أمير المؤمنين مسجّى على سرير المرض، وقد شُدَّ موضع جرحه بعصابة صفراء، فلم أستطع أن
________________________________________
16- كلمة الإمام الخامنئي دام ظله ، في تاريخ: 19/ رمضان/ 1424ﻫ.ق.
17- بحار الأنوار، العلامة المجلسيّ، ج 42، ص 281.
18- م. ن.

أُميِّز أيهما أشد صفرة، وجهه أم العصابة! وكان عليه السلام يُغمى عليه حيناً، ويفيق حيناً آخر، وفي واحدة من إفاقاته أخذ بيدي وحدّثني” – وهذا هو معنى قول الهاتف “تهدّمت والله أركان الهدى” حيث إنّ الإمام عليه السلام لم يترك هداية الناس حتّى وهو في هذه الحالة – فلم يضُنّ على الأصبغ بالحديث، فنقل له حديثاً مطولاً، ثمّ أغمي عليه، ثمّ لم يره الأصبغ ولا غيره من أصحاب الإمام عليه السلام ، حتّى انتقل إلى جوار رحمة ربّه في ليلة الحادي والعشرين وترك الدنيا والتاريخ متّشحين بثياب السواد19.

وعندما انتصف الليل أخذوا الجسد الطاهر ودفنوه ورجعوا، ولم يكن المشيّعون سوى أولاد علي عليه السلام وبعض خواصّ أصحابه. وقد فكّرت في مظلومية الإمام عليه السلام في ذلك التشييع المظلوم والدفن البعيد عن أنظار الناس وفي بيت الإمام عليه السلام المظلم، والأيّام الصعبة الّتي مرّت على أهل البيت عليه السلام…

لا حول ولا قوّة إلّا بالله العلي العظيم20.

اللّهم نقسم عليك بمحمّد وآل محمّد إلّا ما صلّيت وترحّمت وتحنّنت على أمير المؤمنين عليه السلام وجعلتنا من أتباعه وشيعته الحقيقيّين.

والحمد لله ربِّ العالمين
________________________________________
19- كلمة الإمام الخامنئي دام ظله ، في تاريخ: 21/رمضان/ 1425ﻫ.ق.
20- كلمة الإمام الخامنئي دام ظله ، في تاريخ: 21/ رمضان/ 1414 ﻫ.ق.

شاهد أيضاً

بيان تعزية الإمام الخامنئي للمجاهد العظيم سماحة السيّد حسن نصر الله إثر رحيل والدته المكرّمة

 يكفي كرامة لتلك المرحومة أنّ سيّد المقاومة المناضل خرج من حجرها الطّاهر ☑️ أصدر قائد ...