0

تتمة في بيان الخشوع

  في المحجة البيضاء ما حاصله : إن الخشوع في الصلاة على قسمين

الأول : الخشوع القلبي وهو أن يكون تمام همّته في الصلاة ومعرضا عما سواها بحيث لا يكون في قلبه سوى المحبوب .

والثاني : الخشوع في الجوارح وهو يحصل بأن يغمض عينيه ولا يلتفت إلى الجوانب ولا يلعب بأعضائه …

وبالجملة لا تصدر منه حركة سوى الحركات الصلاتية ، ولا يأتي بشي من المكروهات .. ثم ينقل الروايات المتضمنة للأمور المكروهة في الصلاة .

وأقول : إن حقيقة الخشوع عبارة عن حالة قلبية تحصل للقلب من إدراك الجلال والجمال ، وبمقدار ما يدرك القلب منهما تزول عنه الإنّيّة والأنانية فيخضع ويسلّم لصاحب الجلال والجمال .. وبهذه العناية نسب الخشوع إلى الأرض والجبال ، فإن الأرض مسلّمة للعوامل الطبيعية وليس لها إرادة في إنبات النبات ، بل هي تسليم محض ، قال تعالى : ” ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ” ( فصلت 39 ) . وهكذا الجبل بالنسبة إلى نزول القرآن فإن أنيّة الجبل تندكّ ولا يمكنه المقاومة ، قال تعالى : ” ولو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدّعا من خشية الله ” ( الحشر 21 ) .

وبما أن صلواتنا ليست مشفوعة بالخشوع فإن ذلك ناجم إمّا عن نقص الإيمان ، أو فقدانه . وإن الاعتقاد والعلم مغايران للإيمان ، فالعلم بالله وأسمائه وصفاته وسائر المعارف الإلهية الذي يوجد فينا ، مغاير للإيمان وليس بإيمان .

{ 41 }

والدليل على ذلك إن الشيطان كما يشهد له الذات المقدسة الحق عالم بالمبدأ والمعاد ومع ذلك فهو كافر ، لأنه يقول :

” خلقتني من نار وخلقته من طين ” فهو إذاّ يعترف بالحق تعالى وخالقيته ، ويقول أيضاً :

{ أنظرني إلى يوم يبعثون } فيعتقد بالمعاد وهو كذلك عالم بالكتب والرسل والملائكة ، ومع ذلك كله خاطبه الله سبحانه بلفظ الكافر ، وأخرجه من زمرة المؤمنين .

فإذاً يمتاز أهل العلم من أهل الإيمان ، وليس كل من هو من أهل العلم أهل للإيمان ، فيلزم للسالك أن يدخل نفسه في سلك المؤمنين بعد سلوكه العلمي ، ويوصل إلى قلبه عظمة الحق وجلاله وبهاءه ، وجماله جلّت عظمته كي يخشع قلبه ، وإلا فمجرد العلم لا يوجب خشوعا كما ترونه في أنفسكم فإنكم مع كونكم معتقدين بالمبدأ والمعاد ، ومع اعتقادكم بعظمة الله وجلاله ليست قلوبكم خاشعة . وأما قوله تعالى :

{ ألم يأن للذين آمنوا أن يخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق }   فلعلّ المراد منه هو الإيمان الصوري أي الإيمان بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله ، وإلا فالإيمان الحقيقي يلازم مرتبة من الخشوع لا محالة أو أن المراد من الخشوع في هذه الآية ، هو الخشوع بمراتبه الكاملة ، كما أن العالم ربما يطلق على من وصل من حد العلم إلى حد الإيمان ، ويحتمل أن تكون الآية الشريفة { إنما يخشى الله من عباده العلماء } إشارة إلى هؤلاء .

وقد أطلق العلم والإيمان والإسلام في الكتاب والسنة على المراتب المختلفة منها وبيانها خارج عن وظيفة هذه الأوراق ، وبالجملة على السالك

{ 42 }

 لطريق الآخرة وخصوصا على السالك بالخطوة المعراجية الصلاتية أن يحصّل الخشوع بنور العلم والإيمان وان يمكّن هذه الرقيقة الإلهية ، والبارقة الرحمانية في قلبه بمقدار ما يمكنه ، فلعله يستطيع أن يحتفظ بهذه الحالة في جميع الصلاة من أولها إلى آخرها .

وحالة التمكّن والاستقرار وان كانت لا تخلو في أول الأمر من صعوبة وأشكال لأمثالنا ، ولكنها مع الممارسة والارتياض القلبي أمر ممكن جدّا .

شاهد أيضاً

0

خروع Ricinus Communis

نبات شجري يتبع العائلة الفربيونية، أوراقه ذات خمسة فصوص في شكل راحة اليد، وثماره تحتوى ...