الرئيسية / مقالات اسلامية / الاسلام والحياة / دروس في ولاية الفقيه – وحدة ولاية الأمر في عصر الغيبة
00

دروس في ولاية الفقيه – وحدة ولاية الأمر في عصر الغيبة

 الدرس الرابع: وحدة ولاية الأمر في عصر الغيبة

 أهداف الدرس

  1. يستدلّ الطالب إلى وحدة الولاية بالأدلّة العقلائيّة.
  2. يتبنّى وحدة الولاية بالنصوص الشرعيّة.

 تمهيد

 

لقد مهَّد الإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف لغيبته وانقطاعه عن الناس بما عُرف بالغيبة الصّغرى، والتي نصَّ فيها على أشخاص بأسمائهم وجعلهم وكلاءه ونوابه وسفراءه، إليهم يرجع الناس في مسائلهم وهم بدورهم يرجعون إلى الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، أمّا بعد وفاة السفير الرابع فقد جعل الإمام الولاية من بعده – بما دلّت عليه الروايات المتقدّمة – لأشخاص يحملون صفات معيَّنةً محدّدة تقدّم ذكرها أيضاً، ولم ينصّ عليها لشخص واحد بعينه، وعند توفّر الشروط في واحد من الفقهاء يتعيّن تلقائيّاً.

 

لكن لو فرضنا تعدّد الفقهاء الذين تتوفّر فيهم الشروط المتقدّمة، فهل تكون الولاية لكلّ واحد منهم أو لمجموعهم أو لأحدهم فقط؟ ولعلّ هذا الموضوع هو من أهمّ الأبحاث التي تختصّ بولاية الفقيه في العصر الحاضر.

 

وحدة ولاية الفقيه

 

قبل الدخول في صلب الموضوع ينبغي الإشارة إلى أنَّ البحث عن وحدة الولاية وتعدّدها سيكون بحسب القاعدة الأوليّة، أي ما ينبغي أن يكون عليه الأمر في الظروف الطبيعيّة, بعيداً عن الظروف القاهرة التي تفرض التعدّد أو تفرض الوحدة. فإذا كانت القاعدة الأوليّة تقتضي وحدة الولاية، ومنعت الظروف من

 

 

 توحيدها وفرضت التعدّد، فعندئذٍ لا مانع منه، كما هو كلّ حكم أوّليّ تقتضي الضرورة رفع اليد عنه، وهو أولى من ترك الأمور كليّاً. كما أنَّ القاعدة الأوّليّة لو فرضت التعدّد، وكان الظرف يقتضي الوحدة فإنَّه لا مانع منها عندئذٍ.

 

كما أنّه لا شكّ بأنَّ وحدة ولاية الفقيه غالباً ما تكون هي الخيار الأفضل للأمَّة، لكنَّ البحث لن يكون في الأفضل، بل في الأصل ومقتضى القاعدة. وليس البحث أيضاً بلحاظ شخص استثنائيّ، أو زمن استثنائيّ، يُلزمنا بالوحدة أو بالتعدّد كما يحدث أحياناً، وإنَّما بقطع النظر عن الأشخاص والخصوصيّات الزمانيّة والمكانيّة.

 

أدلّة وحدة ولاية الأمر

 

إنَّ القاعدة الأوّليّة تقتضي وحدة ولاية الأمر في عصر الغيبة، وفيما يلي نعرض الأدلّة على ذلك:

 

حكم العقلاء:

 

إنَّ ما يحكم به العقلاء في جميع الأمم والشعوب والأديان أنَّ وجود رأس واحد لهذه الجماعة هو أمر لازم لصالح الجماعة, وأنَّ تعدّد القادة سوف يؤدّي إلى الإخلال بسير الأمّة نحو الرّقي والكمال المادّيّ والمعنويّ، وسوف يفرض الإنقسام على الناس ويتيح الفرصة لتفكّك الجماعة, واذا كان المسلمون أمّة واحدة، تحمل هدفاً واحداً وعقيدة واحدة ومصادر مسيرتها في الحياة واحدة, فلا بدّ وأن يكون الشخص الذي يسير بها واحداً.

 

روح الشريعة:

 

فإنَّ الشريعة الإسلاميّّة في كلِّ أحكامها السياسيّّة والاجتماعيّّة والأمنيّة والعسكريّة تفرض أن تكون الأمّة الإسلاميّّة أمّة واحدة، تفرض الوطن الإسلاميّ وطناً واحداً، وليس فيها ما يفرض تعدّد الكيانات والأمم الإسلاميّّة، وممّا يساعد على ذلك ما كان عليه المسلمون من تصدّي إمامٍ أو خليفة واحد في زمانه

 

 

 

حتى لو كان معه عدد آخر من الأئمّة عليهم السلام، وهذا أمر مرتكز في أذهان عامّة المسلمين، وقد بقي هذا الأمر حيّاً يعيش في ذاكرتهم في مختلف العصور، حتّى جاء الاستعمار الحديث بثقافة الكيانات المتعدّدة، وقسّم الأمم والأوطان، لأهداف سياسيّّة معروفة..

 

النصوص الصريحة:

 

لقد دلّت النصوص صراحة على وحدة القيادة في العالم الإسلاميّ، ونكتفي في هذا المبحث بذكر روايتين فقط:

 

1- الرواية المعتبرة عن الإمام الصادق عليه السلام “ما لكم وللرئاسات إنَّما للمسلمين رأس واحد”1 .

 

2- عن الفضل بن شاذان عن الإمام الرضا عليه السلام: “فإن قيل فلِمَ لا يجوز أن يكون في الأرض إمامان في وقت واحد أو أكثر من ذلك؟ قيل لعلل منها: أنَّ الواحد لا يختلف فعله وتدبيره، والإثنين لا يتفق فعلهما وتدبيرهما، وذلك أنَّا لم نجد اثنين إلّا مختلفي الهمّ والإرادة, فإذا كانا اثنين ثمَّ اختلف همُّهما وإرادتهما وكان كلاهما مفترضي الطاعة لم يكن أحدهما أولى بالطاعة من صاحبه, فيكون في ذلك اختلاف الخلق والتشاجر والفساد. ثمَّ لا يكون أحد مطيعاً لأحدهما إلّا وهو عاصٍ للآخر، فتعمّ المعصية أهل الأرض..”2 .

 

1- المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء,الطبعة الثانية المصحّحة، ج 69 ص 215.

2- م. ن، ج 6 ص 61.

 

 خلاصة

 

 

إنّ البحث عن وحدة الولاية وتعدّدها سيكون بحسب القاعدة الأوّليّة، أي ما ينبغي أن يكون عليه الأمر في الظروف الطبيعيّة، وما هو مقتضى القاعدة، بعيداً عن الظروف القاهرة التي تفرض التعدّد أو تفرض الوحدة.

 

إنّ القاعدة الأوّليّة تقتضي وحدة ولاية الأمر في عصر الغيبة ودليل ذلك:

 

أوّلاً: إنّ ما يحكم به العقلاء في جميع الأمم والشعوب والأديان أنّ وجود رأس واحد لهذه الجماعة هو أمر لازم لصالح الجماعة، وأنّ تعدّد القادة سوف يؤدّي إلى الإخلال بسير الأمّة نحو الرقي والكمال الماديّ والمعنويّ.

 

ثانياً: إنّ الشريعة الإسلاميّّة في كلّ أحكامها السياسيّّة والاجتماعيّّة والأمنيّة والعسكريّة تفرض أن تكون الأمّة الإسلاميّّة أمّة واحدة.

 

ثالثاً: النصوص الصريحة التي دلّت على وحدة القيادة في العالم الإسلاميّ.

 

ولاية الفقيه في كلمات العلماء

 

 

الشهيد الثاني (911-966 هـ): يقول قدس سره: “فالفقيه في حال الغيبة وإن كان منصوباً للمصالح العامّة لا يجوز له مباشرة أمر الجهاد بالمعنى الأوّل”3.

 

والشهيد الثاني هنا يثبت الولاية للفقيه, ويستثني منها الجهاد الإبتدائيّ.

 

3- الشهيد الثاني، زين الدين بن عليّ العامليّ، مسالك الأفهام، مؤسسة المعارف الإسلاميّّة، قمّ، إيران، ج3، ص9.

 

للمطالعة

 

وحدة الأمّة الإسلاميّّة

 

من أهمّ المفردات التي تَميّز بها خطّ الإمام الخمينيّ قدس سره وأخذت حيّزاً مهمّاً من تفكيره وأسلوب عمله هي مسألة “وحدة الأمّة الإسلاميّّة” التي كان طرحها من جانبه كجزء لا يتجزّأ من “شموليّة الطرح الإسلاميّ” الذي يتنافى مع التمزّق والتفتيت الذي تعيشه الأمّة في واقعها.

 

ولا شكّ أنَّ وحدة الأمّة هي الأصل الثابت الذي لا محيص عنه.

 

قال تعالى في كتابه: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾4 .

 

وقال تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾5 .

 

وفي هذا المجال يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: “بحكم الإسلام يجب أن يكون المسلمون يداً واحدة وكذلك التكليف الآن هو أن يكون لجميع المسلمين وحدة كلمة”.

 

ومن الواضح أنَّ هذا الطرح الوحدويّ للأمّة كان شعاراً كما كان هدفاً مباشراً لجهاد الإمام وكفاحه الطويل وفي هذا المجال يقول: “إنَّ هدفنا هو الإسلام ووحدة كلمة المسلمين في كلّ أرجاء العالم، والإتحاد مع الدول الإسلاميّّة كلّها”.

 

ومن هنا، لم يكن الاختلاف المتحقّق بين المسلمين سبباً لتثبيط عزيمة الإمام قدس سره  بل عمل على تجاوز واقع التجزئة الذي تعيشه الأمّة، وحاربه بكلّ ما أُوتي من قوّة، من أجل تصحيح مسيرة هذه الأمّة العظيمة وإعادة وحدة الكلمة إليها، تحت راية التوحيد لله التي تقتضي وحدة المسلمين جميعاً.

 

ولهذا نجد أنَّ الإمام قدس سره يعلن عن الاستعداد التامّ للعمل مع جميع

4- سورة الأنبياء: 92.

5- سورة آل عمران: 103.

 

المخلصين على قاعدة “وحدة الأمّة” وفي هذا الصدد يقول:”إنَّني أمدُّ يد الأخوَّة إلى جميع المسلمين الملتزمين في العالم، وأطلب منهم أن ينظروا إلى الشيعة باعتبارهم أخوة أعزَّاء لهم، وبذلك نشترك جميعاً في إحباط هذه المخطّطات المشؤومة”.

 

كما يعتبر الإمام رحمه الله أنَّ قيام الدولة الإسلاميّّة في إيران هو وسيلة من وسائل توحيد الأمّة نظراً للإمكانات التي تتوفّر لها ويقول: “نحن لا نملك الوسيلة إلى توحيد الأمّة الإسلاميّّة وتحرير أراضيها من يد المستعمرين، وإسقاط الحكومات العميلة لهم، إلّا أن نسعى إلى إقامة حكومتنا الإسلاميّّة، وهذه بدورها سوف تتكلّل أعمالها بالنجاح”.

 

ويرى الإمام رحمه الله أنَّ وحدة الأمّة هي الطريق لتحريرها وإعادة العزّة والكرامة والحريّة والاستقلال لها وقطع أيدي المستعمرين والأعداء عنها، وفي هذا المجال يقول: “إذا كان المليار مسلم منسجمين مع بعضهم البعض فمن يستطيع أن يكسرهم؟” ويقول: “إنَّكم أيّها المسلمون، وما تملكون من الثروات الماديّة التي لا تُقدَّر، وأهمّ منها الثروة الإلهيّة والمعنويّة التي هي الإسلام، تستطيعون أن تكونوا قوّة لا تستطيع القوى الكبرى معها أن تتسلّط عليكم، ولن تكونوا معرّضين من اليمين واليسار لهجومهم وسرقة كلّ ما تملكون”، ويقول أيضاً: “إذا تعامل المسلمون وفق الأوامر الإسلاميّّة وحافظوا على وحدة الكلمة، وتركوا الاختلاف والتنازع الذي هو أساس هزيمتهم، فإنّهم تحت راية لا إله إلّا الله سوف يُصانون من اعتداءات أعداء الإسلام وناهبي العالم، وسوف يقطعون أيدي الشرق والغرب عن بلاد المسلمين”.

 

من أنوار العشق الخمينيّ قدس سره، ص 38 – 39

 

 

 

 

شاهد أيضاً

0

تأريخ القرآن – الدكتور محمد حسين الصغير

02 وحي القرآن ما برحت حياة النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم موضع عناية ...