مواعظ شافية

المسؤوليّة تجاه العائلة

 أمّا موضوع حديثنا فهو المسؤوليّة تجاه العائلة. وهذا الموضوع ينبع من باب الحاجة إلى التوجيه النبويِّ الرساليّ، نتيجة ابتعاد مجتمعاتنا عن القيم الدينيّة والإلهيّة، ونتيجة تطوّر عالم الاتصالات وغزو التقاليد الغربيّة لمجتمعاتنا وتقاليدنا، فالوارد إلينا خطِر ومدمّر، وإن لم نكن على جهوزيّة للتصدّي له أو لم تكن لدينا المناعة المستمدّة من روح الدين والعلاقة مع الله تعالى، فإنّ السقوط في وادي الجهالة والضلالة حتميّ ومؤكّد إلا من رحم ربّي.

 

تتضمّن العائلة أو الأسرة، الّتي يسمّيها الإسلام بالحلقة الأضيق، الأب والأمّ والزوجة والأولاد. وهناك شبهة عند الناس في هذا الموضوع، فهم يفترضون أنّ الحلقة الأضيق هي الزوجة والأولاد. وبعضهم يفترض أنّهم عندما يستقلّون في حياتهم، فالوالد والوالدة أصبحا خارج الدائرة الأضيق، وهذا فهم خاطئ.

 

نأتي إلى النظرة الإسلاميّة في الموضوع الاجتماعيّ، إن على صعيد الفرد أو على صعيد العائلة، فرؤية الإسلام ترتكز إليهما بلحاظ:

 

1ـ أنّ الفرد هو أصل المجتمع، لذلك نجد كلّ تعاليم الإسلام وتشريعاته، وتعاليم الأنبياء عليهم السلام ، كلّها تركّز على تربيته وتنشئته.

 

2ـ أنّ العائلة هي في نظر رسالات السماء أساس تكوين أيّ مجتمع إنسانيّ، وفي أيّ مدينة أو أيّ وطن، أمّا في حالة أفراد مفكّكين، فيفقد المجتمع البشريّ طبيعته وينتج بدلاً عنه مجتمع منحرف لا يستطيع الاستمرار والبقاء.

 

فالعائلة، ولو في إطارها الضيّق، عندما تكون متعاونة متراحمة، فهي تشكّل خلايا البيئة الاجتماعيّة السويّة، وهذا ينعكس على المجتمع كلّه.

 

من هنا تأتي التعاليم والرسالات لتؤكِّد على الزواج، الّذي هو مستحبّ، بل واجب في بعض الأحيان. الإسلام يتحدّث عن انتقاء الزوج والزوجة، وتسهيلات الزواج،

 

 

وتقديمات الزواج، والحفاظ على الأسرة وبقائها، وتوزيع المسؤوليّات داخل الأسرة، كما يذكر تعقيدات موضوع الطلاق.

 

أزمة العائلة في الغرب

 

ابتلاءاتنا في المجتمع، هي فيما يأتينا من الغرب؛ ففي الغرب هناك مأساة على المستوى النفسيّ، برغم التطوّر العلميّ الهائل، وسنشهد خلال السنوات المقبلة، أزمات حادّة جدّاً في هذه الدول. إنّ ما نقرؤه من تقارير ودراسات حول مجتمعاتهم، والّذي يعكسونه في الأفلام السينمائية الّتي يصدّرونها إلى العالم العربيّ والإسلاميّ، كلّه يتحدّث عن تفكّك الأسرة، وارتفاع هائل في نسبة العزوبيّة. فلا توجد أسرة وعائلة طالما يظنّ الرجل والمرأة أنّهما يستطيعان تلبية حاجاتهما الجسديّة خارج إطار الأسرة، نتيجة الإباحيّة الّتي تنتشر في تلك المجتمعات. وهناك ارتفاع في نسبة الطلاق، ونسبة المولودين خارج الزواج الشرعيّ، حتّى خارج الزواج المدنيّ المتداول عندهم. وهذا ما يؤدّي إلى آثار روحيّة واجتماعيّة وأمنيّة سيّئة جدّاً.

 

هناك، عندما يكبر الوالدان، لا يسأل الأولاد عنهما، وإن سألوا يرمونهما في دور العجزة، وعندما يموتان تتكفّل البلديّة بدفنهما، وهذا ما يُريدون نقله إلى مجتمعنا!

 

وإذا دخلنا إلى الدائرة الأضيق (الأسرة) عندنا، ومن خلال بعض التوجيهات النبويّة والإسلاميّة، يمكن تجزئة هذه الدائرة الصغرى إلى ثلاثة أجزاء:

  • الزوج والزوجة.
  • الوالدان.
  • الأولاد.

 

الوالدان والعناية الإلهيّة

 

وسيقتصر حديثنا عن الوالدين اللّذين نالا عناية إلهيّة خاصّة؛ يقول الله عزّ

 

 

 

وجلّ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا* وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا11.

 

إنّ الله تعالى، انتقل وبشكل مباشر من الدعوة إلى عبادته وحده وعدم الشرك به إلى الأمر بالإحسان للوالدين، وهذا ما نراه متكرّراً قبل وفي كلّ آية ذكر فيها البرّ بالوالدين، وذلك لنرى المرتبة العظيمة لهما، فالبِرّ بالوالدين يرقى إلى مستوى توحيد الله سبحانه، ويضاف إلى هذا الفهم في إدراك أهميّة العلاقة بالوالدين أمور عديدة أيضاً منها:

 

1- الإرشاد والتوجيه الإلهيّ

 

إنّ الإرشاد والتوجيه الإلهيّ للإحسان بالوالدين، له مساحته الإنسانيّة، فلا يُشترط في الوالدين أن يكونا مسلمَين، حتّى إن كانا مشركَيْن فالمسؤوليّة لا تسقط؛ البِرّ والإحسان فرض واجب على كلّ مؤمن تجاه أبويه مؤمنين كانا أم مشركين من نفس المذهب أم من غيره، ملتزمين أم لا، من نفس الانتماء السياسيّ أو مخالفَين. فلا تجوز مقاطعة الأبوين على أيّ حال، حتّى ولو كانا مرتكبَين لذنب يوجب الخلود في النار ألا وهو الشرك بالله تعالى، يقول سبحانه: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا12.

 

روي عن معمّر بن خلاد قال: قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام: أدعو لوالدي إذا كانا لا يعرفان الحقّ؟ قال: “ادعُ لهما وتصدّق عنهما، وإن كانا حيّين لا يعرفان الحقّ فدارهما، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إنّ الله بعثني بالرحمة لا بالعقوق”13.

 

11- سورة الإسراء، الآيتان: 23 24.

12- سورة لقمان، الآية: 15.

13- الكافي، الشيخ الكليني، ج2، ص159.

 

شاهد أيضاً

0

مواعظ شافية

قالوا إنّ فتى من بني إسرائيل كان بارّاً بأبيه، وإنّه اشترى بيعا، فجاؤوا إلى أبيه ...