الرئيسية / اخبار اسلامية / البدعة مفهومها وحدودها
0

البدعة مفهومها وحدودها

أولاً: توّهم المبالغة في التعبّد لله تعالى

ونعني بذلك الخروج عن الحدّ المعقول في التعبّد لله تعالى، أو بعبارة أُخرى الاتيان بشيء مخالف لتعاليم الشريعة تحت عنوان الاجتهاد في العبادة لله تعالى ومن أمثلة ذلك:

1 ـ استأذن عثمان بن مظعون النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الاستخصاء، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «ليس منّا من خصي أو اختصى، إنَّ اختصاء أُمّتي الصيام، إلى أن قال: ائذن لي في الترهب، قال: إنَّ ترّهب أُمتي الجلوس في

____________

(1) بحار الانوار، للمجلسي 28: 80 | 11 باب 1 كتاب الفتن والمحن. والآية من سورة الانشقاق 4: 19.


الصفحة 53


المساجد لانتظار الصلاة»(1).

ونحن نسأل عن هذا الدافع الذي يدفع ابن مظعون ليطلب من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يخصي نفسه أو أن يترهب ! إنّه ليس له من دافع سوى أنّه يرى أنّ ممارسة الحياة الاجتماعية على طبيعتها إنّما يكون سبباً لانصراف الانسان عن التوجه نحو العبودية لله سبحانه وتعالى ! لكن أليس ذلك تطرّفاً في فهم العبودية لله ؟ كل ذلك يجري والرسول صلى الله عليه وآله وسلم حيٌّ بينهم وهم يشهدون سيرته وهو أعظم الناس عبودية لربّه وأعظمهم معرفة به وقرباً إليه.

2 ـ ونظير ذلك ما رواه الكليني عن الامام الصادق عليه السلام قال:… «إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج من المدينة إلى مكة في شهر رمضان ومعه الناس وفيهم المشاة، فلما انتهى إلى كراع الغميم دعا بقدح من ماء فيما بين الظهر والعصر، فشرب وأفطر، ثم أفطر الناس معه، وثَمَّ أُناس على صومهم، فسمّاهم العصاة، وإنّما يؤخذ بآخر أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم»(2).

فهل في موقف هؤلاء العجيب ما يمكن تفسيره سوى ظنّهم أنَّهم ببقائهم على صيامهم يتقربون أكثر إلى الله ؟! وهم إنّما يخالفون حكماً حكم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم !

3 ـ روى جابر بن عبدالله: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان في سفر فرأى رجلاً عليه زحام قد ظُلِّل عليه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «ما هذا ؟» قالوا: صائم، قال صلى الله عليه وآله وسلم: «ليس من البرِّ الصيام في السفر»(3).

____________

(1) الاعتصام، للشاطبي 1: 325.

(2) الكافي، للكليني 4: 127 | 5 باب كراهية الصوم في السفر.

(3) مسند أحمد 3: 319 و 399.


الصفحة 54


إنّ الانسان الساذج الذي لا يفهم الدين بصورة صحيحة يتخيّل أنّه لو بقي على صيامه في السفر فإنَّ عمله سيكون أكثر قبولاً عند الله تبارك وتعالى، لاَنّه تحمل فيه مشقّة أكبر !

4 ـ والاَعجب من ذلك ما رواه مالك في الموطأ: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى رجلاً قائماً في الشمس فقال: «ما بال هذا» ؟ قالوا: نذر أن لا يتكلم ولايستظلّ من الشمس، ولا يجلس، ويصوم. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مروه فليتكلم وليستظلّ وليجلس وليتم صيامه»(1).

5 ـ وروى البخاري عن قيس بن أبي حازم: دخل أبو بكر على امرأة… فرآها لا تكلَّمُ فقال: ما لها لا تَكلَّمُ ؟ قالوا: حجَّت مُصمتة، قال لها: تكلمي فإنّ هذا لا يحلّ، هذا من عمل الجاهلية فتكلّمت..(2).

6 ـ وروي عن الزبير بن بكّار أنّه قال: «سمعتُ مالك بن أنس وقد أتاهُ رجل فقال: يا أبا عبدالله من أين أحرم ؟ قال: من ذي الحليفة، من حيثُ أحرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم…، قال: فإنّي أُريد أن اُحرم من المسجد من عند القبر، قال: لا تفعل فإنّي أخشى عليك الفتنة. فقال: وأي فتنةٍ هذه ؟ إنّما هي أميال أزيدها ! قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنّك سبقتَ إلى فضيلة قصّر عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ إنّي سمعتُ الله يقول:(… فَليَحذَرِ الَّذينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أمرِهِ أنْ تُصِيبَهُم فِتنَةٌ أو يُصِيبَهُم عَذَابٌ أليمٌ)(3).

7 ـ «روي أن سلمان الفارسي رضي الله عنه جاء زائراً لاَبي الدرداء فوجد أُمَّ

____________

(1) موطأ مالك: 309 | 9 كتاب الايمان والنذور، طبعة دار الكتاب العربي ـ بيروت.

(2) صحيح البخاري 5: 52 باب أيام الجاهلية، ط مؤسسة التاريخ العربي.

(3) الاعتصام، لابي اسحاق الشاطبي 1: 132. والآية من سورة النور 24: 63.


الصفحة 55


الدرداء مبتذلة، فقال: ما شأنكِ ؟ قالت: إن أخاك ليست له حاجة في شيء من أمر الدنيا.

فلما جاء أبو الدرداء رحّب بسلمان وقرَّب إليه طعاماً، فقال لسلمان: أطعم، فقال: إنّي صائم. قال: أقسمت عليك إلاّ ما طعمت. فقال سلمان: ما أنا بآكل حتى تأكل، وبات عنده، فلما جاء الليل قام أبو الدرداء، فحبسه سلمان، وقال: يا أبا الدرداء، إنّ لربّك عليكَ حقاً، وانَّ لجسدك عليك حقاً، ولاَهلك عليك حقاً، فصُم وافطر، وصلِّ ونم، واعطِ كلَّ ذي حقٍ حقّه. فأتى أبو الدرداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره بما قال سلمان، فقال له مثل قول سلمان»(1).

8 ـ في حديث طويل عن الاِمام الصادق عليه السلام: «إنّ الصحابي سعد بن أشجع قال: إنّي أُشهد الله، وأُشهد رسوله، ومن حضرني، أنّ نوم الليل عليَّ حرام، والاَكل بالنهار عليَّ حرام، ولباس الليل عليَّ حرام، ومخالطة الناس عليَّ حرام، وإتيان النساء عليَّ حرام، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا سعد لم تصنع شيئاً، كيف تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، إذا لم تخالط الناس، وسكون البرية بعد الحضر كفر للنعمة، نَمْ بالليل، وكُل بالنهار، والبس ما لم يكن ذهباً، أو حريراً، أو معصفراً، وآتِ النساء..»(2).

9 ـ روي عن أنس أنّه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما أُخبروا، كأنّهم استقلّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؟، قال أحدهم:

____________

(1) بحار الانوار، للمجلسي 67: 128 | 14 باب 51 عن تنبيه الخواطر 1: 2.

(2) بحار الانوار، للمجلسي 67: 128 ـ 129 | 15 باب 51 عن نوادر الراوندي: 25 ـ 26.


الصفحة 56


أما أنا فإني أُصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ أما والله إنّي لاَخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم، وأفطر، وأُصلي، وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني..»(1).

هكذا يتوهّم هؤلاء أنّهم بقيامهم ببعض الاَعمال ذات الطابع العبادي، يجهدون بها أنفسهم، إنّما يتقربون بذلك إلى الله أكثر مما لو اقتصروا على ماجاءت به الشريعة من الاَعمال العبادية.

ومثلما يتحدث القرآن الكريم عن الجهاد في سبيل الله، فإنّه يتحدث أيضاً عن نصيب الحياة الذي يجب ان يأخذه الاِنسان من دُنياه:(قُلْ مَنْ حَرّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتي أخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيّباتِ مِنَ الرِّزقِ قُلْ هِيَ للَّذينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ…)(2).

إنَّ القرآن الكريم وفي أماكن متعددة يشجب ظاهرة الرهبنة وتحميل النفس للمشاق والصعوبات البالغة مما لم يأمر به الله سبحانه وتعالى، وفي مقابل ذلك وجّه الانسان والمجتمع نحو السلوك المتوازن الذي يحفظ معاً حقّ الله وحقَّ الناس وحقّ النفس.

إنَّ ظاهرة الرهبنة تعبّر عن أوضح صورة لاعتزال الحياة وبالتالي انصراف الانسان عن دوره الرسالي التغييري، وهي تنشأ عادةً لدى الاَفراد بسبب الاعتقاد بأنَّ تكثيف الجانب الروحي العبادي على حساب

____________

(1) صحيح البخاري 7: 2 كتاب النكاح، طبعة مؤسّسة التاريخ العربي ـ بيروت.

(2) الاعراف 7: 32.


الصفحة 57


الجوانب الاُخرى هو الموجب للاقتراب من رضى الله سبحانه وتعالى.. ولعلَّ للرهبنة دوافع أُخرى:

عن ابن مسعود قال: كنتُ رديف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على حمار، فقال: «يا ابن أُمّ عبد، هل تدري من أين أحدثت بنو اسرائيل الرهبانية ؟ قلتُ: الله ورسوله أعلم، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى، يعملون بمعاصي الله، فغضب أهل الايمان، فقاتلوهم، فهُزم أهل الايمان ثلاث مرات، فلم يبق منهم إلاّ القليل، فقالوا: إنْ ظهرنا لهؤلاء أفنونا ولم يبقَ للدين أحدٌ يدعو إليه، فتعالوا نتفرق في الاَرض، إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا به عيسى ـ يعنون محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ـ فتفرقوا في غيران الجبال، وأحدثوا رهبانية، فمنهم من تمسّك بدينه، ومنهم من كفر، ثم تلا هذه الآية:(ورهبانيةً ابتدَعُوها ما كتبناها عَليهم إلاّ ابتِغاء رضوانِ اللهِ فما رَعوَها حقَّ رعايتها فآتينا الذينَ آمنُوا مِنهم أجرَهُم وكثيرٌ منهم فاسِقُونَ)(1)، ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: يا ابن أُمّ عبد، أتدري ما رهبانية أُمتي ؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، قال صلى الله عليه وآله وسلم: الهجرة والجهاد والصلاة والصوم والحج والعمرة..»(2).

وقد انتشرت ظاهرة الاعتزال والرهبنة في المجتمع الاسلامي لاَسباب ودواعي كثيرة، من بينها تفشي الظلم والفساد ووقوع الفتن والاضطرابات.

 

https://t.me/wilayahinfo

[email protected]

الولاية الاخبارية

شاهد أيضاً

1c453b8864f01cab075ee026b95a9465506c6030a3d58d2ab047363891b9a53d

حول حمزة بن عبد المطّلب عليه السلام

حمزة بن عبد المطّلب(رضي الله عنه)(1) قرابته بالمعصوم عم رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وعم ...