الرئيسية / صوتي ومرئي متنوع / 18 جدال في شهر العسل – السيد حسين الحيدري

18 جدال في شهر العسل – السيد حسين الحيدري

الفصل السابع عشر

يغطان في نوم عميق ولا يشعران بصوتِ الأذانِ ولا بالساعة التي توقظهم عند أول الفجر، يَفتحُ عليٌّ عينيه فيشاهد ضياءَ الصبح قد ملأ السماء، ولم يبقَ على طلوع الشمس إلا دقائق معدودات، يقفز فوراً مِنْ فِراشه ويُنادي على هدى بشدّةٍ، فتنهض فزعةً لا تدري ما الذي حدث، يخبرها بأنّ الشمس سوف تبزغ بعد دقائق، فيصليان بسرعة مِنْ دون إتيان المستحبات، وينهيان صلاتيهما قربَ طلوع الشمس، يردِّد علي مرّات ومرّات: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم يستغفر الله كثيراً ودموعه تسيل على وجنتيه، فتهوِّن هدى عليه الأمرَ بأننا لسنا مقصّرين، إذ لم ننتبه بسببِ التعبِ والنصب، لكنّ علي شَعَرَ بتقصيرٍ كبير، لأنهما تأخّرا في ذِهابهما للفراش، فكادتْ الصلاةُ أنْ تفوتهما، وقرّر أنْ لا يَسهَرَ بعدها أبداً.

هدى: والآن هل تسمح لي بطرح سؤالي.

علي: حباً وكرامة يا عزيزتي.

هدى: قد يُقال لكم بأنكم حتى لو كان مذهبكم هو المذهب الحق، لكنكم اليوم في زمن غيبة إمامِكم المهديّ، ترجعون في أمور دينكم إلى الفقهاء، فلماذا ترجعون للفقهاء؟ ثم إنهم متعدّدون ومختلفون فيما بينهم في الفتوى، رغم اعتمادهم على القرآن والسنة، فلماذا هذا الاختلاف؟

علي: أتصوّر بأنّ الرجوع للمراجع والفقهاء، هو من أوضح الواضحات.

هدى: وكيف ذلك؟

علي: لأنّ الرجوع لأهل الاختصاص، هو سيرة كلّ عقلاء الدنيا.

هدى: وضّحْ لي هذا الأمر.

علي: لو أردتِ بناءَ عمارةٍ أو جسرٍ فماذا تصنعين؟

هدى: أذهبُ للمهندس المعماري طبعاً وليس للطبيب.

علي: أو تكونين أنتِ مهندسةً مُتخصِّصة فتبنينه بنفسك.

هدى: هذا صحيح.

علي: ولو مرضَ طِفلـُكِ فستذهبين للطبيب لا للمهندس، أو تكونين متخصصة في علم الطبّ فتعالجينه بنفسك.

هدى: وهذا صحيحٌ أيضاً.

علي: ولو احتجتِ لتصليح كرسيِّكِ الخشبيّ، فستذهبين للنجار، أو تكونين نجّاراً فتصلحيه، بينما لو احتجتِ للحيم بابٍ حديديّ، فتذهبين للحداد لا للنجار، أو تكونين حداداً ماهراً فتلحميه.

هدى: فهمتُ مُرادَك مِنَ الرجوع لأهل الاختصاص، فماذا عن موضوعنا؟

علي: وكذلك الحال يا عزيزتي في المسائل الدينية – التي هي أهم من غيرها – فنقول حينئذٍ: إمّا أنْ تتخصّصي أنتِ في أمور الدين، فتكوني مجتهدةً من أهل الاختصاص في أحكام الدين، وإمّا تراجعين المتخصّص وهو الفقيه.

هدى: وما هي كيفية التخصّص في أحكام الدين؟

علي: تدرسين العربية من نحو وصرف وبلاغة، كمقدمة لِفهم القرآن وتفسيره وناسخه ومنسوخه وعامّه وخاصّه ومطلقه ومقيّده وواجبه ومستحبه ووو.

هدى: وهل يكفي التخصص بالعربية فقط؟

علي: كلا، بل وتدرسين السنة النبوية وعلم دراية الحديث وأقسامه وعلم الرجال ودراسة أحوال الرواة الواردين في سند الحديث، ثم دراسة المتن ومقارنته بباقي المتون في الموضوع الواحد، وبيان تعارضها أو توافقها، كما يجبُ التعرّف على الحديث الوارد من طرق باقي المذاهب لمعرفة آرائهم في الأحكام.

هدى: يعني لا يكتفي فقهاؤكم بدراسة السنة الواردة عندكم، حتى يدرسوا ما عندنا؟

علي: نعم، لأنه قد يحتاج الفقيه إلى معرفة الحكم عندكم، خصوصاً في باب تعارض الأحاديث، فيما لو لم يصل إلى معرفة الحكم الشرعي بوضوح.

هدى: وهل هناك علوم أخرى يجب عليه دراستها؟

علي: نعم، كدراسة أصول الفقه وقواعده المختلفة، ودراسة آراء الفقهاء السابقين وأدلتهم التفصيلية في كلّ حكم، وكذلك عَرْض الأحاديث على القرآن والسنة الثابتة، وترجيح الصحيح من السقيم منها.

هدى: إنها عملية معقدة وصعبة، وتحتاج لزمن طويل مِنَ الدراسة.

علي: ولذا فإنّ فقهاءنا يدرسون هذه العلوم مدة ثلاثين أو أربعين سنة أو أكثر، فإذا حصلتْ لديهم ملكة الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية مِنْ أدِلـَّتِها الأصلية، مِنَ الكتاب والسنة والإجماع والعقل، عندها يعملُ حَسَبَ اجتهادِهِ، ولا يرجع لِمجتهدٍ آخر، لأنه أصبحَ هو مِنْ أهل الاختصاص.

هدى: ولكنْ متى يرجعُ الناسُ إليه في أخذ الفتاوى منه؟

علي: عندما يكون أعلم وأعدل وأورع مِنْ غيره.

هدى: ولكن كيف يعلم عامة الناس مَنْ هو الأعلم والأورع؟

علي: بالبينة الشرعية، وذلك بسؤال إثنين أو أكثر من أهل الخبرة والاختصاص، مِمَّنْ درسوا عندَهُ وتعاملوا معه.

هدى: لقد توضّحتْ عندي فكرة الرجوع لأهل الاختصاص.

علي: فالعاقلُ لا يقبل بتطفُّل المتطفلين مِمَّنْ لا اختصاص لهم، فهل يُعقل أنْ أستعملَ دواءً لِمَرضي أو لِمَرض غيري مثلاً، وأنا لستُ مختصّ بالطبّ ولا بالأدوية، فأعرِّض نفسي أو غيري للهلاك.

هدى: طبعاً موضوعُ الطبِّ مهمٌ جداً، لأنّ فيه خطراً على حياة الإنسان.

علي: وهل أحكام الدين أقلّ أهمية مِنْ صحة البدن، أليست أحكام الدين الصحيحة تقودنا لسعادة الدنيا والآخرة؟ وعدم الاهتمام بها أو أخذها مِنْ غير أهل الاختصاص، قد يؤدِّي بنا للهلاك والشقاء؟

هدى: صدقتَ، فأحكامُ الدين أهمّ مِنْ غيرها.

علي: فلابدّ مِنَ الرجوع لأهل الاختصاص في الدين، وهم الذين قضوا كلَّ أعمارهم – ربما أكثر من خمسين سنة – لِدراسة أحكام الدين.

هدى: صحيح، إذا كان العقلاء يقبلون برجوعهم للطبيب الذي تخصّص لمدة ستة سنوات في علم الطب، فلابدّ أنْ يقبلوا برجوع الجاهل للمتخصّص في علم الدين لِمدّةِ أربعين سنة أو أكثر، لقد فهمتُ معنى رجوع الجاهل للمُتخصّص، ولكنك ذكرتَ شرطاً آخراً وهو الأورع والأعدل، رغم أننا عند مراجعتنا للطبيب أو المهندس لا ننظر لمثل هذا الشرط.

علي: لأنّ أحكام الدين كما قلنا هي أهمّ مِنْ غيرها، وأنّ فتوى المجتهد قد تحتاج إلى شجاعة وخوف مِنَ الله، خصوصاً مع وجود ضغوط مِنْ قِبَلِ الحُكَّام أو غيرهم مِنَ المتسلطين، بين ترهيبهم وتخويفهم وبين ترغيبهم بالأموال والمناصب، لذا نشترط أنْ يكون في أعلى درجات الورع والزهد.

هدى: فأنتم تقلـِّدون المختصّين في أمور الدين، بسبب قيام الدليل العقلي دون النقلي؟

علي: بل إنّ الدليل النقلي جاءَ أيضاً لكي يُعاضِدَ الدليلَ العقلي.

هدى: وهل لك أنْ تذكر شيئاً مِنَ الأدلة النقلية في ذلك؟

علي: ورد عن إمامنا العسكري ع قوله: (فأمّا مَنْ كان مِنَ الفقهاء صائِناً لِنفسه حافظاً لِدينه مُخالفاً لِهواه مُطيعاً لأمر مولاه فللعوام أنْ يقلـِّدوه) وورد عن الإمام المهدي (عج) قوله: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم).

هدى: وهل هذه الأحاديث مرويّة عندكم في مصادركم؟

علي: نعم، أما الحديث الأول فقد رواه الحرُّ العاملي في وسائله ج27 ص131، وأما الثاني فرواه الحرُّ أيضاً في الوسائل ج27 ص140، وإنما ذكرتُ الوسائل فقط لأنه مِنْ أهمّ كتبنا الحديثية، وإلا فقد ذكرهما كثيرون.

هدى: نعود لمسألة الرجوع للمتخصّصين الذي شرحته لي، فأقول: إني  لم أسمعْ بوجودِ أمثال ذلك في مذاهبنا.

علي: بالعكس، فهذا الأمر لا يقتصر على مذهبٍ دون آخر ولا دين دون آخر، فالجميع لديهم متخصّصون في أمور الدين ويسألهم أتباعهم عنها.

هدى: (تفكر قليلاً) نعم نعم، صدقتَ في ذلك، والآن أجبني عن سؤالي الآخر، وهو أنّ مراجعكم يعتمدون على القران والسنة، فلماذا تختلف فتاواهم فيما بينهم؟!

علي: أولاً: مثلُ هذا الاختلاف موجودٌ في كلّ المذاهب الإسلامية، ولا يختص بمذهبنا،  فكم اختلف أبو حنيفة والشافعي والمالكي وابن حنبل بينهم، رغم أخذهم مِنْ القرآن والسنة، حتى رويتم عن النبي ص أنه قال: (اختلاف أمتي رحمة).

هدى: نعم، سمعتُ بهذا الحديث كثيراً.

علي: بل يوجدُ أعجبَ مِنْ ذلك عِندَكم، فإنّ هناك عدة آراء للفقيه الواحد عندكم، فيُقال: هذا هو أحد رأيي الشافعي، أو أحد رأيي أبي حنيفة.

هدى: وهذا صحيح، فقد مرّ عليّ مثل هذا الكلام خلال دراستي، ولكنْ لم أفهم معناه.

علي: أيْ أنّ للفقيه الواحد رأيين في المسألة الواحدة، موجودين في كتابين مِنْ مؤلفاته، وثانياً: هذا الاختلاف موجودٌ في كلّ العلوم، فربما اختلف طبيبان في مسألة طبية، رغم دراستهم في كلية واحدة وعند نفس الأساتذة وتخرّجا في سنة واحدة، فكيف لو كانتْ دراستهما في كليتين متفاوتتين، وأساتذة مختلفين وسنين متباينة؟

هدى: ولكن ما سببُ الاختلاف؟

علي: قد يكون للاختلاف أسبابٌ طبيعية، سواء عند فقهاء المذاهب، أو أيّ علمٍ آخر.

هدى: وماذا تقصد بالأسباب الطبيعية؟

علي: أقصد أنه قد يكون سببه اختلاف الفهم، لأنّ الله لم يخلق الناس بمستوى واحد مِنَ الفهم، فقد يَفهمُ عالمٌ مِنْ حديثٍ أو آيةٍ شيئاً، بينما لا يفهم الآخرُ منهما ذلك.

هدى: صدقتَ، فاختلاف الفهم يؤدِّي كثيراً لاختلاف الحكم.

علي: وقد يكون بسبب الوثوق براوي الحديث أو عدمه.

هدى: وكيف؟

علي: مثلاً كم رأينا رواةً يوثقهم ابنُ حبان ولا يوثقهم الذهبيُّ أو العكس، وهكذا بالنسبة لِبقيّة علماء الرجال في آرائهم المتفاوتة في وثاقة الرواة.

هدى: وما هو السببُ في نظرك؟

علي: السببُ يرجع لدراسة أحوال كلّ راوي يقع في سند الأحاديث، فيحتاج لاجتهادٍ كي يَستنبط العالمُ بأنّ راوي الحديث ثقة، فيقبل حينئذٍ حديثه ويُفتي بالحكم الشرعي وفقه، أو يكونُ غير ثقة أو مجهول الحال لديه، فلا يقبل حديثه ولا يُفتي بالحكم الشرعي وفق ذاك الحديث.

هدى: فيحدثُ الاختلاف بين الفقهاء.

علي: نعم، وهذا الاختلاف موجودٌ عند كلِّ فقهاء المذاهب الإسلامية.

هدى: يبقى السؤال المهم وهو إذا كان فقهاؤكم مختلفين مثل باقي فقهاء المذاهب الإسلامية، فما هو امتيازُ فقهائِكم عن غيرهم؟

علي: أتذكرين حديثَ الثقلين، الذي أمرَ النبي ص فيه بالتمسك بالقرآن وأهلِ البيت؟

هدى: نعم أتذكرُه.

علي: فجميع فقهائِنا يأخذونَ بالأحاديث الواردة عن طريق أهل البيت دون غيرهم.

هدى: أتريدُ أنْ تقول بأنّ الاختلاف بينهم سيكون قليلاً.

علي: بالضبط هو كذلك، فإنّ جميع فقهائِنا متـَّفِقون بينهم على الأصول العامة والقواعد الكبرى، ويختلفون في الأمور الفرعية الجزئية.

هدى: اشرحْ لي ذلك أكثر لكي أفهم مرادَك.

علي: لقد  تكلمنا سابقاً عن الاختلاف الموجود بيننا وبين باقي المذاهب الإسلامية، في الأذان والوضوء والجهر بالبسملة والتكتف وغيرها.

هدى: صحيح.

علي: فكلُّ فقهائِنا متفقين على رأي واحد فيها، بينما شاهدنا الاختلاف الكبير بين فقهائكم في كلِّ مسألةٍ منها.

هدى: وما يضرُّنا هذا الاختلاف بينهم؟

علي: أولاً: لقد قلنا سابقاً بأنّ الحق واحد لا يتعدد، فأيّهم على الحق؟ وثانياً: ما هو الدليل النقلي أو العقلي على الأخذ بهذه المذاهب الأربعة دون غيرها؟ رغم أنّ آراءَهم تحتملُ الخطأ والصواب، لأنهم لم يشاهدوا النبي ص، حتى نقول بأنهم سمعوا منه تلك الأحكام، وإذا كانوا قد اجتهدوا في زمانهم، فهل عَقـُمَتْ عقولُ باقي الرجال عن الاجتهاد، أو أنه ورد نصٌّ دينيٌّ يمنع غيرَهم مِنَ الاجتهاد، ثم إذا كان اتـِّباعُهُم هو اتـِّباعٌ لِلحق وعدم اتباعهم هو الضلال، فكيف عاش المسلمون قرابة مائتي سنة قبل أنْ يُولد هؤلاء الفقهاء وقبل أنْ يتصدّوا للفتوى؟

هدى: لم أفكـِّرْ بمثل هذه الأسئلة العويصة قبل اليوم أبداً، ولا أعلم جواباً مُقنعاً لها.

علي: ثم إنّ أصحابَ هذه المذاهب قد ماتوا.

هدى: وما المشكلة في ذلك؟

علي: لقد أمرنا الله تعالى في كتابه المجيد أنْ نسأل أهلَ الذكر، بقوله تعالى (فاسألوا أهلَ الذِكر إنْ كنتم لا تعلمون) فكيف نسألهم وهم ميِّتون؟

هدى: نرجعُ إلى ما دوّنوا مِنْ كتب.

علي: ولكنْ هذا رجوع للكتب، وليس سؤالاً لأهل الذكر، بينما الآية أمَرَتـْنا أنْ نسألهم، ولم تقلْ: ارجعوا لِكتبهم.

هدى: نعم صحيح، وسؤالهم يعني بأنهم أحياء كي يُسألوا فيُجيبوا، ولكنْ الذي فهمه علماؤنا مِنَ الأدلة، هو جواز تقليد هؤلاء الفقهاء الأربعة، حتى لو كانوا أموات.

علي: بالعكس يا عزيزتي، فقد صرّحَ علماؤكم بعدم جواز تقليد الأموات.

هدى: ومَنْ صرّحَ بذلك؟

علي: ذكر ابن حزم في (الأحكام) ج6 ص97، عن القاضي الباقلاني أنه قال: (مَنْ قلد فلا يقلد إلا الحيّ، ولا يجوز تقليد الميّت)، فكلام الباقلاني صريحٌ في عدم جواز تقليد الأئمة الأربعة لأنهم أموات.

هدى: صحيحٌ بأنّ الباقلاني وابن حزم هما مِنْ كِبار علمائنا، ولكنّ رأي عالم واحد أو اثنين ليس هو رأي الكلّ.

علي: وقال الفخرُ الرازي في المحصول: (اختلفوا في غير المجتهد هل يجوز له الفتوى بما يحكيه عن المُفتين، فنقول: لا يخلو، إمّا أنْ يحكي عن ميت أو عن حي، فإنْ حكى عن ميت لم يجز له الأخذ بقوله، لأنه لا قول للميت!، لأنّ الإجماع لا ينعقد على خلافه حياً، وينعقد على موته، وهذا يدلّ على أنه لم يبقَ له قولٌ بعد موته، وقد حكى الغزالي في المنخول إجماع أهل العلم على المنع مِنْ تقليد الأموات) راجعي إرشاد الفحول ص269، فالغزالي ينقلُ الإجماعَ على المنع مِنْ تقليد الأموات، والأئمة الأربعة أموات.

هدى: شيءٌ عجيبٌ وغريبٌ جداً، لم أتصوّره مُطلقاً، خصوصاً والغزالي  ينقل الإجماع عليه، ولكنْ ماذا عن تقليدكم أنتم لمراجعكم الأموات؟

علي: نحنُ نشترط أنْ يكون الفقيه والمرجع الذي نقلده ونتبعه على قيد الحياة، فلا يجوز عندنا تقليد الفقيه الميّت.

هدى: يعني إذا ماتَ الفقيهُ عندكم فسوف تتركون آراءه؟

علي: كلا يا عزيزتي، فالفقهاء الأحياء يستفيدون مِنْ آراء القدماء، ولكنهم يناقشون آراءهم، فإذا كانتْ عليها أدلة مِنَ الكتاب والسنة قبلوها، وإلا فيردّونها بالأدلة أيضاً.

هدى: تقصد بأنّ الفقيه الحيّ عندكم لا يقبل رأياً فِقهيّاً من فقيهٍ ميّت، إلا إذا كان مدعوماً بالأدلة القوية؟

علي: بل إنه لا يقبل رأياً مِنْ فقيه ميّتٍ أو حيّ، إلا إذا قام على الأدلة القوية.

هدى: وماذا لديك من إيرادات أخرى على الفقهاء الأربعة الذين يتبعهم أهل السنة؟

علي: ربما كان بعضهم يُسأل عن خمسين مسألة فلا يجيبون عن واحدة منها، فليس كلّ المسائل القديمة لديهم فيها فتوى، فكيف بحدوث مئات المسائل المستحدثة خلال هذه السنين الطويلة منذ زمانهم وحتى زماننا هذا، كيف سيجيبوننا عنها؟

هدى: مِنْ أين أتيتَ بهذا الكلام، وأين سألوهم خمسين مسألة فلم يجيبوا عن واحدة؟

علي: روى النووي في شرح مقدمة المهذب ج1 ص57 تحقيق محمد نجيب مطبعي، وكذلك الشوكاني في إرشاد الفحول ص254 – 255: (كان مالك يُسأل في الخمسين مسألة فلا يُجيب في واحدةٍ منها).

هدى: إنه لشيء غريب جداً ما أسمعه منك، فلقد كانتْ الصورة بيضاء حول اتـِّباعنا لهؤلاء الفقهاء، ولكنك جعلتها سوداء بكثرة الإشكالات والإيرادات.

علي: وسوف أزيدك بما يُضاعف تعجّبكِ واستغرابكِ.

هدى: يا ستار يا الله استر علينا، وماذا تريدُ أنْ تقوله أكثر مما قلته سابقاً؟

علي: الفقهاء الأربعة كانوا يَنهونَ الناسَ عن تقليدهم، إلا إذا علم المتـَّبعُ أدلة الحكم الذي حكموا وأفتوا به لأجلها، وأما مع عدم العلم بأدلة فتاواهم، فلا يصحّ تقليدهم.

هدى: حقاً إنّ هذا الأمر مِنَ الغرابةِ بحيث لا يُمكن قبوله مطلقاً، وهنا لابدّ لي أنْ أقطع بوقوعك في الاشتباه فيه، فعوامُ الناس إنما تتبع الفقهاء لأنهم لا يستطيعون الوصول إلى الأدلة مِنَ القرآن والسنة، فكيف يُطالـَبون بمعرفة الأدلة على الحكم الذي يُفتي به أبو حنيفة أو الشافعيّ أو غيرهما.

علي: إذنْ سوف أضطرّ لأنقلَ لكِ المصادرَ الكثيرة التي تثبت ما قلتـُه لكِ.

هدى: انقلها إنْ استطعتَ ذلك، ولا أظنك يا عزيزي ستربح السباق هذه المرة أبداً.

علي: روى الماوردي في الحاوي ج1 ص7 قال: قال المزني في أول مختصره: (اختصرتُ هذا مِنْ عِلم الشافعيّ ومِنْ قوله، لأقرأه على مَنْ أرادَهُ مِنْ إعلامه بنهيه عن تقليده وتقليد غيره، لينظر فيه لدينه ويحتاط لنفسه).

هدى: (تنظر لزوجها بتعجّبٍ شديدٍ) حسناً وهل لديك قولٌ لغيره؟

علي: وقال السيوطي في الرد ص42: (ما زال السلف والخلف يأمرون بالاجتهاد ويحضّون عليه، وينهون عن التقليد ويذمّونه ويكرهونه، وقد صنف في ذمِّ التقليد كالمُزني وابن حزم وابن عبد البر وأبي شامة وابن قيم الجوزية وصاحب البحر المحيط).

هدى: أتصور بأنه سوف يحدثُ خللٌ في عقلي، لأنّ كلّ ما كنتُ أتصوره سابقاً من البديهيات، جئتَ ونسفته نسفاً كاملاً.

علي: ويقول ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام في مبحث التقليد: (كلُّ مَنْ قلد صحابياً أو تابعياً أو مالكاً أو أبا حنيفة أو الشافعي أو أحمد …. يبرؤون منه في الدنيا والآخرة …. وأيضاً فإنّ هؤلاء الفقهاء – يقصد الأئمة الأربعة – قد نـَهَوْا عن تقليدِهم وتقليد غيرهم، فقد خالفهم مَنْ قلـَّدهم …) وقال: (وهل أباح مالكٌ وأبو حنيفة والشافعي قط لأحدٍ تقليدهم؟ حاشا لله مِنْ هذا، بل واللهِ قد نهوا عن ذلك ومنعوا منه، ولم يفسحوا لأحدٍ فيه …. ولا يحلُّ لأحدٍ أنْ يقلد آخرَ لا حياً ولا ميتاً، …. لأنّ كلَّ طائفةٍ من الحنفية والمالكية والشافعية مقرّةٌ بأنّ التقليد لا يحلُّ، وأئمتهم الثلاث قد نهوا عن تقليدهم، ثم مع ذلك خالفوهم وقلدوهم، وهذا عجبٌ ما مثله عجب).

وقال ابن الجوزي: (اعلم أنّ المقلدَ على غير ثقةٍ فيما قلد فيه، وفي التقليد إبطالُ منفعةِ العقل لأنه خلق للتأمّل والتدبّر …. واعلم أنّ عموم أصحاب المذاهب يعظم في قلوبهم الشخص فيتبعون قوله من غير تدبّر بما قال، وهذا عينُ الضلال، لأنّ النظر ينبغي أنْ يكون إلى القول لا إلى القائل)، راجعي تلبيس إبليس ص124 – 125، والشوكاني في قوله المفيد ص66.

هدى: لا أدري ماذا أقول لك بعد كلِّ هذه الأقوال التي لم يطرق سمعي واحدٌ منها مِنْ قبلُ، ولكنْ قل لي: هل لِعلماء الوهابية رأيٌ مشابهٌ لرأي علماء أهل السنة؟

علي: نعم، فقد قال ابن تيمية في مجموع فتاويه ج20 ص211: (وهؤلاء الأئمة – أي الأربعة – نهوا الناس عن تقليدِهم في كلِّ ما يقولون، وذلك هو الواجب).

وقال تلميذه ابن قيم الجوزية في أعلام الموقعين ج2 ص261 – 263: (وقد نهى الأئمة عن تقليدهم وذمّوا من أخذ أقوالهم بغير حُجّة، فإنّ طريقتهم كانتْ اتباع الحجة والنهي عن تقليدهم …. وأعجب من هذا أنّ أئمتهم – أي المقلـَّدين بالفتح – نهوهم عن تقليدهم، فعصوهم وخالفوهم وقالوا: نحن على مذاهبهم)، وقد ذكر ابن قيم الجوزية في كتابه أعلام الموقعين ج2 ص201 – 279، واحداً وثمانين وجهاً في إبطال تقليد الأئمة الأربعة، فراجعيه إن شئتِ التعرّف على المزيد.

هدى: بل هذا يكفي يا عزيزي، ولا أحتاج لأكثر من ذلك.

علي: وإني لأستغرب مِنْ أتباع الأئمة الأربعة، حيث قلدّوهم وتركوا أستاذهم الذي أخذوا العلم منه ودرسوا عنده، رغم أنّ النبي ص لم يأمُرْ باتباع هؤلاء الأربعة وأمرَ باتباع أستاذهم، وكلُّ مَنْ ذكرَ الأستاذ مَدَحَهُ مَدْحاً كثيراً عجيباً.

هدى: ومَنْ هو أستاذ هؤلاء الأئمة الأربعة، وأين أمر النبي ص باتباعه؟

علي: هو الإمام جعفر الصادق ع، سادسُ الأئمة الاثني عشر من أهل البيت ع.

هدى: ولكن هذه دعوى تحتاج لإقامة الدليل عليها، وإلا فهي دعوى باطلة.

علي: صدقتِ وأحسنتِ، أمّا الدليلُ على كونهم درسوا عند الإمام الصادق ع إمّا مباشرة أو غير مباشرة أي عند تلاميذه ع.

هدى: أخبرني عمن درس عند الإمام الصادق مِنَ الأئمة الأربعة مباشرة.

علي: أبو حنيفة ومالك بن أنس.

هدى: والآن اُذكرْ الذين يشهدون بذلك مِنْ علمائنا.

علي: هناك شهاداتٌ كثيرة لِعلمائكم أقرّوا بهذه الحقيقة، منهم:

قال الجاحظ في رسائله ص106 طبع المكتبة التجارية بمصر: (وجعفر بن محمد الذي ملأ الدنيا علمه وفقهه، ويُقال إنّ أبا حنيفة مِن تلامذته وكذلك سفيان الثوري، وحسبُك بهما في هذا الباب).

هدى: ولكنه لم يجزم بذلك، بل قال: ويقال، أي إنه غير متأكد منه.

علي: وقال محمّد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول ج2 ص111 طبع مؤسسة أمّ القرى: (هو من عظماء أهل البيت وساداتهم عليهم السلام ذو علوم جمة، وعبادة موفرة، وأوراد متواصلة، وزهادة بينة، وتلاوة كثيرة، يتتبع معاني القرآن، ويستخرج من بحر جواهره، ويستنتج عجائبه، ويقسم أوقاته على أنواع الطاعات…..- الى أن يقول: – نقل عنه الحديث واستفاد منه العلم جماعة من الأئمة وأعلامهم مثل يحيى بن سعيد الأنصاري وابن جريح ومالك بن أنس والثوري وابن عيينة وشعبة وأيوب السجستاني وغيرهم رض، وعدّوا أخذهم عنه منقبة شُرِّفوا بها وفضيلة اكتسبوها).

 هدى: لقد ذكر ابنُ طلحة مالكَ بن أنس ولم يذكرْ أبا حنيفة مِنْ تلامذته.

علي: لا تعجلي يا عزيزتي، فستأتيك شهاداتهم في ذلك، فقد قال الصفدي في الوافي بالوفيات ج11 ص126 ـ 128 طبع فرانز شتايز: (جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، هو المعروف بالصادق ……- إلى أنْ قال – وحدَّثَ عنه أبو حنيفة، وابن جريج وشُعبة والسفيانان ومالك ووهيب وحاتم بن إسماعيل ويحيى القطان وخلق غيرهم كثيرون).

هدى: اعتذر منك لكثرة أسئلتي، صحيحٌ بأنّ الصفدي ذكرَ هنا أبا حنيفة ومالك، ولكنْ بعنوان التحديث عنه، وليس كونه استاذاً لهما.   

 علي: إنّ أهمّ شيءٍ في التتلمُذ عند الأستاذ، هو نقلُ أحاديث النبي ص في العقائد والأحكام والتفسير والأخلاق، ثمّ توضيحها وشرحها.

هدى: نعم نعم، كلامُك صحيحٌ مائة في المائة، خصوصاً في ذلك الزمان.

علي: وقال ابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمة ص211 – 219 طبع دار الأضواء: (كان جعفر الصادق عليه السلام من بين إخوته خليفة أبيه ووصيـّه والقائم من بعده، برز على جماعة بالفضل وكان أنبههم ذكراً وأجلّهم قدراً، نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان …. ولم ينقل العلماء عن أحد من أهل بيته ما نقل عنه من الحديث، وروى عنه جماعة من أعيان الأمة مثل يحيى بن سعيد، وابن جريج، ومالك بن أنس والثوري وأبو عيينة وأبو حنيفة وشعبة وأبو أيوب السجستاني وغيرهم).

هدى: ما شاء الله، وهنا ذكر ابن الصباغ أيضا مالكاً وأبا حنيفة.

علي: وقال النووي في تهذيب الأسماء واللغات ج1 ص155 طبع دار الفكر: (الإمام أبو عبد الله جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم الهاشمي المدني الصادق… روى عنه محمّد بن إسحاق ويحيى الأنصاري ومالك والسفيانان وابن جريج وشعبة ويحيى القطان وآخرون).

وقال ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة في آخر كلامه عن الإمام الباقر ع ص305 طبع دار الكتب العلمية: (وخلّف ستة أولاد أفضلهم وأكملهم جعفر الصادق، ومن ثمّ كان خليفته ووصيّه، ونقل عنه الناس من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته في جميع البلدان، وروى عنه الأئمة الأكابر كيحيى بن سعيد وابن جريج ومالك والسفيانَين وأبي حنيفة وشعبة وأيوب السختياني…).

هدى: حقاً إنه كما تقول وهو شيءٌ غريبٌ جداً، فإذا كان كلُّ هذا المدح والتعظيم للأستاذ، فلماذا تركه الناس وهو من سادات أهل بيت النبي ص، وتوجّهوا إلى تقليد تلاميذه؟ ألهم شكٌ في إمامته أو فضله؟

علي: كلا يا عزيزتي، بل قال ملا علي القاري في شرح الشفا ج1 ص43 ـ 44 طبع دار الكتب العلمية: (جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن أبي طالب الهاشمي المدني المعروف بالصادق… متفقٌ على إمامته وجلالته وسيادته).

وقال الشبراوي الشافعي في الإتحاف بحب الأشراف ص146 ـ 147 في نسخة مصورة مطبوعة بالمطبعة الأدبية بمصر: (السادس من الأئمة جعفر الصادق، ذو المناقب الكثيرة والفضائل الشهيرة، روى عنه الحديث أئمة كثيرون مثل مالك بن أنس وأبي حنيفة، ويحيى بن سعيد وابن جريج والثوري وابن عيينة وشعبة وغيرهم رض، …. وغُرر فضائله وشرفه على جبهات الأيام كاملة، وأندية المجد والعز بمفاخره ومآثره آهلة).

هدى: ولكني لا زلتُ أجهل سببَ تركِ تقليده، وتقليد غيره من تلاميذه؟

علي: جوابُ هذا السؤال مُشكلٌ بل صعبٌ، لذا أقترح أنْ نتركه لوقتٍ آخر.

هدى: وما هو الإشكال أو الصعوبة فيه، ألم نبحث ما هو أصعب منه وأكثر إشكالاً؟

علي: صدقتِ يا عزيزتي، ولكنّ جوابَ هذا السؤال سوف يثيرُ حساسيات لا داعي لإثارتِها، فأرجوكِ أنْ تـَدَعِي الخوضَ فيه الآن.

هدى: لا أستطيع تركه، بل لقد شوّقتني أكثر لكي أعرف السبب.

علي: السبب هو أنّ حكام بني أمية وبني العباس كانوا لا يريدون لفكر أهل البيت ع أنْ ينتشر بين الناس، لذلك طلبوا من مالك وأبي حنيفة أنْ يألفوا في الفقه كتباً، ثم يقوم الحكام بإجبار الناس على اتـِّباعها.

هدى: ولكنّ هذا الكلام مرفوضٌ جُملةً وتفصيلاً.

علي: ألم أقلْ لكِ يا عزيزتي إنه موضوعٌ يثيرُ الحساسية.

هدى: ولكنكَ إذا أقمتَ الدليلَ عليه، فسوف أقبله دون تردُّد.

علي: حسناً إذن استمعي لما سوف أنقله لكِ، يقول المقريزي في خططه ج2 ص333: (استمرتْ ولاية القضاة الأربعة من سنة 566 ه‍ حتى لم يبقَ في مجموع أمصار الإسلام مذهبٌ يُعرفُ مِنْ مذاهبِ الإسلام غيرَ هذه الأربعة، وعُوْدِيَ مَنْ تمَذهَبَ بغيرها، وأفتى فقهاؤهم في هذه الأمصار بوجوب اتباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها، والعمل على هذا إلى اليوم، وأعلن الظاهر بيبرس سدَّ بابَ الاجتهادِ، وما زالَ أمرُ بيبرس نافذاً بالرغم مِنْ زوال ملكه).

هدى: وهل بيبرس نبي أو وصي نبي حتى يُتبَع كلامه، أليس هو ملكٌ من الملوك؟

علي: نعم، ما هو إلا ملكٌ يخطئ ويصيب، وكلامُهُ ليس بحجة على أحد.

هدى: فلماذا أغلقوا بابَ الاجتهاد على غير أئمة المذاهب الأربعة؟

علي: قلتُ لكِ إنها السياسة.

هدى: ولكني لا أستطيع قبول ذلك ببساطة وسهولة.

علي: استمعي لشهادة أخرى، حيث ذهب السيد سابق في كتابه فقه السنة ج1 ص14: (إلى أنّ للحكام دوراً كبيراً في إيجاد هذه المذاهب).

هدى: سبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أحقاً ما تقوله يا علي؟

علي: هذا قول علمائكم، قال عبد المتعال الصعيدي في (ميدان الاجتهاد) ص14: (وإني أستطيع أنْ أحكم هنا بأنّ منع الاجتهاد قد حصل بطرق ظالمة وبوسائل القهر والإغراء بالمال، ولا شكّ أنّ هذه الوسائل لو قـُدِّرَتْ لغير المذاهب الأربعة التي نقلدها الآن، لبقي لها جمهور يقلدها أيضاً، ولكانتْ الآن مقبولة عند مَنْ يُنكرها).

هدى: ولكنك قلتَ قبل قليل: إنّ الحكام طلبوا من مالك وأبي حنيفة أنْ يألفوا في الفقه كتباً، ثم يقوم الحكام بإجبار الناس على اتـِّباعها.

علي: قال ابن قتيبة في كتابه الإمامة والسياسة ج2 ص202، وهو ينقل كلام مالك بن أنس: (ثم قال – أي المنصور العباسي – لي: يا أبا عبد الله، ضع هذا العلم ودوِّنهُ ودوِّنْ منه كتباً، وتجنب شدائد عبد الله بن عمر ورخص عبد الله بن عباس وشواذ عبد الله بن مسعود، واقصد إلى أواسط الأمور وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة رض، لنحمل الناس إنْ شاء الله على علمك وكتبك ونبثها في الأمصار، ونعهد إليهم أنْ لا يخالفوها ولا يقضوا بسواها. – يقول مالك بن أنس: – فقلتُ له: أصلح الله الأمير إنّ أهلَ العراق لا يرضون علمنا ولا يرون في عملهم رأينا، فقال أبو جعفر: يُحملون عليه ونضرب عليه هاماتهم بالسيف، ونقطع طي ظهورهم بالسياط، فتعجَّلْ بذلك وضعها، فسيأتيك محمد المهدي ابني العام القابل إنْ شاء الله إلى المدينة، ليسمعها منك فيجدك وقد فرغت من ذلك إنْ شاء الله).

هدى: رغم كلّ ما تنقله، لكنّ ضميري ووجداني لا يَسمح لي بأنْ أحكم على ملايين البشر مِمَّن قلدوهم بالضلال.

علي: لم يَقـُلْ أحدٌ بأنّ مَنْ اتـَّبعهم ضالٌ أو مُنحرفٌ، لأنّ أكثر الناس ممن اتبعوهم، يعتقدون بصحّة اتّباعهم لذلك اتبعوهم، ولو ثبت لديهم بُطلانها لم يتبعوهم.

هدى: ولكني رغم أني قد فهمتُ كلّ هذه الحقائق، إلا أنني أجدُ مِنَ الصعوبةِ بمكان على الإنسان، أنْ يتركَ مذهبَهُ الذي آمن به هو وآباؤه وعشيرته طوال عمره.

علي: مَنْ قامتْ عليه الحجة والبُرهان على بُطلان مذهبه، وصحّة غيره مِنَ المذاهب، ورغم ذلك استمرّ تابعاً مذهبَ آبائِهِ مِنْ دون دليل، فستنطبق عليه الآيات الذامّة للكفار مِثلَ قوله تعالى: (بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون) أو قوله سبحانه: (إنا وجدنا آباءنا على أمّة وإنا على آثارهم مقتدون)، فدليلهم الوحيد هو اتباع آبائهم.

هدى: نستجيرُ بالله من غضب الله، أنا أقرُّ لك بأنني حينَ أستمعُ لِحُججكَ وأدلتِكَ أشعرُ في نفسي بقناعةٍ تامةٍ بها، ولكنّ نفسي لا تطاوعني فأحاولُ بكلِّ جُهْدي أنْ أجدَ فيها نقصاً، لئلا أضطرّ لِتركِ مذهبي، ولكنّ محاولاتي تبوءُ بالفشل في كلِّ مَرّة.

علي: عزيزتي هدى، أعتقدُ بأنّ الطريقَ الوحيد لِقبولِ الحقّ هو الدعاء والتوسل إلى الله والتضرّع إليه ببكاء وعويل في منتصف الليل خصوصاً في حالة السجود، كي يفتح الله قلوبنا لقبول الحق ويوفقنا لاتباعه، فكم من مُعجزةٍ أظهرها النبي ص لقومه، وقد تيقنتْ أنفسهم بصدقِ دعواه، لكنهم جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم.

هدى: صحيحٌ والله، وأدعو اللهَ أنْ يُزيلَ كلَّ عقبةٍ مِنْ نفوسنا لكي نتقبَّلَ الحقَّ بسهولةٍ ويُسرٍ واطمئنان، وأرجوك يا علي أنْ تدعو الله لي أيضاً.

علي: بإذن الله تعالى، وأحبُّ أنْ يكون خِتام كلامنا قصّة جميلة ينقلها أبو حنيفة.

هدى: أهوى القصص المهيِّجة ولو كانت خياليّة، فكيف لو كانت قصصاً حقيقيّة؟!

علي: قال أبو حنيفة: (ما رأيتُ أحداً أفقه من جعفر بن محمد، لمّا أقدمه المنصور الحيرة، بعثَ إليّ فقال: يا أبا حنيفة إنّ الناس قد فـُتِنوا بجعفر بن محمّد، فهيّئْ لهُ مِنْ مسائلكَ تلك الصعاب، قال: فهيـّأتُ له أربعين مسألة ثم بعثَ إليّ أبو جعفر فأتيته بالحيرة فدخلتُ عليه، وجعفرٌ جالسٌ عن يمينه، فلما بَصُرْتُ بهما دخلني لِجعفر من الهيبة ما لم يدخلني لأبي جعفر، فسلمتُ وأذِن لي، فجلستُ ثم التفتَ إلى جعفر، فقال: يا أبا عبد الله تعرفُ هذا، قال: نعم، هذا أبو حنيفة ثم أتبعها: قد أتانا، ثم قال: يا أبا حنيفة هاتِ مِنْ مسائلكَ نسألُ أبا عبد الله، وابتدأتُ أسأله، وكان يقول في المسألة: أنتم تقولون فيها: كذا وكذا، وأهل المدينة يقولون: كذا وكذا، ونحن نقول: كذا وكذا، فربما تابعنا وربما تابع أهل المدينة وربما خالفنا جميعاً، حتى أتيتُ على أربعين مسألة، ما أخلّ منها بمسألة، ثم قال أبو حنيفة: أليس قد روينا أنّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس).

هدى: عجيبٌ أمر الخليفة المنصور، يخشى مِن افتتان الناس بعلم الإمام الصادق، وما ضرّه لو افتتن الناس بابن رسول الله ص وقد مدحه الجميع؟

علي: هذا الذي قلتُه سابقاً، فالحكام لا يريدون لِفقه أهلِ البيت أنْ ينتشر بين الناس.

هدى: ولكنك لم تذكر لي مَنْ روى هذه القصة؟

علي: ذكرها المزّي في تهذيب الكمال ج5 ص79 طبع مؤسسة الرسالة، والذهبي في سير أعلام النبلاء ج6 ص257 ـ 258 طبع مؤسسة الرسالة، ومناقب أبي حنيفة للموفق ج1 ص173، وجامع أسانيد أبي حنيفة ج1 ص222 وغيرهم، واللفظ الذي أوردناه منقولٌ مِنَ التهذيب.

هدى: إذا كان نفس أبي حنيفة يقول: (ما رأيتُ أفقه من جعفر بن محمد)، فما بال الناس لا تتبع الإمام جعفر الصادق وتتبع أبا حنيفة؟

علي: أما نحنُ فنتـَّبع الإمام جعفر الصادق ع، لذلك سُمِّينا جعفريّة نسبة إليه.

هدى: ألستم تتبعون جميع الأئمة الاثني عشر، فلماذا سُمِّيتم جعفرية؟

علي: لأنّ أكثرَ فقهنا أخذناه عن الإمام جعفر الصادق ع.

هدى: ولكنْ لماذا أخذتم فقهكم عنه دون غيره مِنَ الأئمة؟

علي: نحن نأخذ فقهنا مِنْ كلّ الأئمة ع، ولكني قلتُ بأنّ أكثر فقهنا أخذناه عن الإمام جعفر الصادق ع.

هدى: لكن هذا لا يحلّ الإشكال ولا يجيب عن السؤال، وأعيدُ عليك السؤال: لماذا أخذتم أكثر فقهكم عنه دون غيره من الأئمة؟

علي: لأنّ الإمام الصادق ع عاش بين أواخر الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية.

هدى: وماذا يعني أنْ يعيش الإمام بينهما؟

علي: يعني أنّ الدولة الأموية في أواخر أيامها كانت ضعيفة، وكذلك الدولة العباسية في بداية نشوئها كانت ضعيفة أيضاً، فاستغلّ الإمام ع هذا الظرف المناسب فنشر العلوم والمعارف الإسلامية المختلفة.

هدى: وما عِلاقة ضعف الدولتين بنشره للعلوم الإسلامية؟

علي: ألم أخبركِ قبلَ قليل بأنّ الحكام كانوا لا يريدون لِفكر أهل البيت أنْ ينتشر؟

هدى: صحيح، أخبرتني بذلك.

علي: فإذا كانت الدول أقوياء، فإنهم سوف يمنعون أهلَ بيت النبي ص عن نشر العلوم، ولكنْ حينما تكون الدولة ضعيفة، فإنها لا تريد أنْ تفتح عليها أبواباً أخرى تسبّب نقمة الناس عليها أكثر، فيؤدّي ذلك لِضعفها ثم سقوطها.

هدى: إنه تحليلٌ سياسيٌّ رائع، ما كنتُ لأصلَ إليه بتفكيري لِوحدي، ولكنْ يأتي هنا السؤال المُلِحّ، وهو لماذا يمنعون أهلَ البيت مِنْ نشر أفكارهم.

علي: لأسباب كثيرة، منها أنّ فكر أهل البيت ع هو الفكر الإسلامي الأصيل، الذي يمنع الظالمين مِنَ الظلم والاستئثار بالأموال العامة أو ارتكاب المنكرات.

هدى: هذا سببٌ جميلٌ جداً، فما هي الأسباب الأخرى؟

علي: ومنها أنّ الناس سوف يتعرّفون على فضائل أهل البيت ومناقبهم وزهدهم وكرمهم، مُقارنةً بظلم الحكام وفسقهم وفجورهم وتبذيرهم، فيقولون حينئذٍ بأنّ هؤلاء الأئمة مِنْ أهل البيت ع أولى بالخلافة مِنْ حُكام الجور مِنْ بني أمية وبني العباس.

هدى: أحسنتَ، فلقد تذكرتُ الآن ما نقلتَهُ لي سابقاً عن الذهبي، حينما يترجم لواحدٍ مِنْ أئمةِ أهل البيت يقول عنه: (كان أهلاً للخلافة).

علي: صدقتِ، وكذلك إذا نشرَ أهلُ البيت ع علومَهم الواسعة والمتنوعة، حتى قيل عنهم كما مرّ عن الإمام الصادق ع: (ونقل عنه الناس مِنَ العلوم ما سارتْ به الركبان)، وبالمقابل يرون جهلَ الحُكام بأبسط مسائل الدين، فسوف يرجعون إليهم ع ويجتمعون حولهم ويتبعونهم، وهذا الأمر يُرهب الحكام على مرّ العصور ويُخيفهم.

هدى: أفهمُ ممّا مَرّ مِنْ شرحك وتحليلك، بأنّ جميعَ المسلمين حتى الذين يقلدون أئمة المذاهب الأربعة، مدينون لإمامكم الصادق بالخصوص بعلومهم الدينية، فلولا دراستهم عنده لما أصبحوا فقهاء.

علي: صدقتِ والله، لذلك كان أبو حنيفة يقول: (لولا السنتان لهلك النعمان) والنعمان بن ثابت هو اسم أبي حنيفة.

هدى: وأين وَجَدْتَ هذه الكلمة منسوبةً لأبي حنيفة؟

علي: وجدتها في مختصر التحفة الاثني عشرية للآلوسي ص9 طبع السلفية بالقاهرة، وفي كتاب الإمام الصادق لعبد الحليم الجندي ص252.

هدى: يا ليتني تعرفتُ على أهلَ بيت النبي ص معرفةً تامةً مِنْ صِغري، حتى لا أقعَ في الحيرة التي أنا فيها مُنذ عرّفتني على أهل بيت النبي ص.

علي: يقول الشاعر:

إذا شئتَ أنْ تبغي لِنَفسِكَ مذهبـاً ** يُنجـّيك يومَ الحشر مِنْ لهبِ النــار

فدعْ عنك قولَ الشافعيِّ ومالـكٍ ** ‌ وأحمـدَ والمرويّ عن كعبِ أحبـار

وَوَالِ أناساً قولـُهـم وحديثـُهــم **   روى جدُّنا عن جبرئيل عن الباري

هدى: سبحان الله، ما أجمله مِنْ شعر يلامسُ الوجدان، ويجري إلى شغاف القلب.

علي: أووووه .. هل تعلمين بأنّ صلاة الظهر قد حلت منذ فترة طويلة.

هدى: وا أسفاه نحن مشغولين بالحوار حتى نسينا أنفسنا والوقت يمرُّ مسرعاً.

علي: هكذا ينقضي العمر بسرعة، هيا نصلي لعل الله يفتح قلوبنا لمرضاته.

هدى: اللهم آمين بحق محمد سيد المرسلين وآل بيته الطيبين.

علي: صلوات الله عليهم أجمعين.

هدى: نعم صلوات الله عليهم أجمعين.

شاهد أيضاً

وصية الإمام الخميني(قده) إلى السالكين

بني: لم أقصد من هذه الإشارات إيجاد السبيل لأمثالي وأمثالك لمعرفة الله وعبادته حق العبادة ...