الرئيسية / القرآن الكريم / التبيان في تفسير القرآن

التبيان في تفسير القرآن

فصل
في ذكر أسامي القرآن ، وتسمية السور والآيات
سمى الله تعالى القرآن بأربعة أسماء : سماه قرآنا في قوله تعالى : ” انا جعلناه
قرآنا عربيا ” ( 1 ) وفي قوله : ” شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن ” ( 2 ) وغير
ذلك من الآي
وسماه فرقانا في قوله تعالى : تبارك الذي انزل الفرقان على عبده ليكون
للعالمين نذيرا . ” ( 3 )
وسماه الكتاب في قوله : ” الحمد لله الذي انزل على عبده الكتاب ولم يجعل
له عوجا قيما ” ( 4 )
وسماه الذكر في قوله : ” انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون ” ( 1 )
وتسميته بالقرآن تحتمل أمرين : أحدهما – ما روي عن ابن عباس ، أنه قال
: ( هو مصدر قرأت قرآنا ) أي تلوته ، مثل : غفرت غفرانا ، وكفرت كفرانا
والثاني – ما حكي عن قتادة ، أنه قال ” هو مصدر قرأت الشئ إذا جمعت
بعضه إلى بعض ” قال عمرو بن كلثوم
ذراعي عيطل ( 2 ) ادماء ( 3 ) بكر * هجان ( 4 ) اللون لم تقرأ جنينا
اي لم تضم جنينها في رحمها . وقال قطرب في معناه قولان أحدهما هذا
وعليه أكثر المفسرين وقال قولا آخر معناه لفظت به مجموعا وقال معنى البيت
أيضا أي لم تلقه مجموعا وتفسير ابن عباس أولى ، لان قوله تعالى ( ان علينا
جمعه وقرآنه ، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ) ( 5 )
والوجه المختار أن يكون المراد وإذ تلوناه عليك ، وبيناه لك ، فاتبع تلاوته
ولو حملناه على الجمع – على ما قال قتادة – لكان يجب ألا يلزم اتباع آية آية من القرآن
النازلة في كل وقت ، وكان يقف وجوب الاتباع على حين الجمع ، لأنه علقه بذلك
على هذا القول ، لأنه قال : ” فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ” يعني جمعناه على ما قالوه
فاتبع قرآنه ، وكان يقف وجوب الاتباع على تكامل الجميع ، وذلك خلاف الاجماع
فالأول أولى
فان قيل : ( كيف يسمي القراءة قرآنا ، وإنما هو مقروء ؟ ) قلنا : ( سمي
بذلك كما يسمى المكتوب كتابا ، بمعنى : كتاب الكاتب ) قال الشاعر في صفة طلاق
كتبه لامرأته :
تؤمل رجعة مني وفيها * كتاب مثل ما لصق الغراء
يعني طلاقا مكتوبا
وتسميته بأنه فرقان ، لأنه يفرق بين الحق والباطل . والفرقان هو الفرق
بين الشيئين . وإنما يقع الفرق بين الحق والباطل بادلته الدالة على صحة الحق ،
وبطلان الباطل .
وتسميته بالكتاب لأنه مصدر من قولك ، كتبت كتابا ، كما تقول قمت
قياما . وسمي كتابا وإنما هو مكتوب ، كما قال الشاعر في البيت المتقدم . والكتابة
مأخوذة من الجمع في قولهم : كتبت السقاء إذا جمعته بالخرز قال الشاعر :
لا تأمنن فزاريا خلوت به * على قلوصك فاكتبها باسيار ( 1 )
والكتبة ، الخرزة . وكلما ضممت بعضه إلى بعض على وجه التقارب فقد
كتبته والكتيب ( 2 ) من الجيش ، من هذا لانضمام بعضها إلى بعض
وتسميته بالذكر ، ويحتمل أمرين : أحدهما – انه ذكر من الله تعالى ذكر به
عباده ، فعرفهم فيه فرائضه ، وحدوده . والآخر – انه ذكر وشرف لمن آمن به
وصدق بما فيه . كقوله ( وانه لذكر لك ولقومك ) ( 3 ) .
وأما السورة – بغير همز – فهي منزلته من منازل الارتفاع ، ومن ذلك
سور المدينة سمي بذلك – الحائط الذي يحويها لارتفاعه عما يحويه غيران سور
المدينة لم يجمع سورا ، وسورة القرآن تجمع سورا . وهذه أليق بتسميته سور
القرآن سورة . قال النابغة
ألم تر ان الله أعطاك سورة * يرى كل ملك دونها يتذبذب
يعني منزلة من منازل الشرف التي قصرت عنها الملوك .
واما من همز السورة من القرآن ، فإنه أراد به القطعة التي انفصلت من
القرآن وأبقيت وسؤر كل شئ بقيته . يقال اسأرت في الاناء أي أبقيت فيه
قال الأعشى بن ثعلبة ، يصف امرأة
فبانت وقد أسأرت في الفؤاد * صدعا على نأيها مستطارا
وتسمية الآية بأنها آية ، يحتمل وجهين أحدهما – لأنها علامة يعرف بها
تمام ما قبلها ، ومنه قوله تعالى [ أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا
وآخرنا وآية منك ] ( 1 ) يعني علامة لإجابتك دعاءنا . والآخر أن الآية القصة
والرسالة . قال كعب بن زهير
ألا أبلغا هذا المعرض آية * أيقظان قال القول إذا قال أم حلم
يعني رسالة فيكون معنى الآيات القصص ، قصة تتلو قصة روى واثلة بن الأصقع
أن النبي صلى الله عليه وآله قال ( أعطيت مكان التوراة السبع الطول ، وأعطيت مكان الزبور
المئين ، وأعطيت مكان الإنجيل ، المثاني ، وفضلت بالمفصل ) فالسبع الطول
1 – البقرة 2 – آل عمران 3 – النساء 4 – المائدة 5 – الانعام 6 – الأعراف
7 – ويونس . في قول سعيد بن جبير وروي مثل ذلك عن ابن عباس قال وسميت
السبع الطوال ، لطولها على سائر القرآن . وأما المئون ، فهو كل سورة تكون
مائة آية أو يزيد عليها شيئا يسيرا ، أو ينقص عنها شيئا يسيرا . وأما المثاني فهي
ما ثنت المئين ، فتلاها . فكان المئون لها أوائل ، وكان المثاني لها ثوان وقيل إنها
سميت بذلك ، لتثنية الله قيها الأمثال ، والحدود ، والقرآن ، والفرائض وهو
قول ابن عباس . وقال قوم ( المثاني سورة الحمد ، لأنها تثنى قراءتها في كل صلاة )
وبه قال الحسن البصري ، وهو المروي في أخبارنا قال الشاعر
حلفت بالسبع اللواتي طولت * وبمئين بعدد قد أميت
وبثمان ثنيت وكررت * وبالطواسين التي قد تليت
وبالحواميم التي قد سبعت * وبالمفصل اللواتي فصلت
وسميت المفصل مفصلا ، لكثرة الفصول بين سورها ببسم الله الرحمن الرحيم
وسمي المفصل محكما ، لما قيل إنها لم تنسخ . وقال أكثر أهل العلم ( أول المفصل
من سورة محمد صلى الله عليه وآله إلى سورة الناس ) وقال آخرون ( من ق ، إلى الناس )
وقالت فرقة ثالثة – وهو المحكي عن ابن عباس – أنه من سورة الضحى إلى الناس
وكان يفصل من الضحى بين كل سورتين بالتكبير ، وهو قراءة ابن كثير . وإن
قيل : ما وجه الحكمة في تفصيل القرآن على السور ؟ قيل : فيه وجوه من الجواب
أحدها – أن القارئ ، إذا خرج من فن إلى فن كان أحلى في نفسه وأشهى
لقراءته ومنها – ان جعل الشئ مع شكله ، وما هو أولى به هو الترتيب الذي يعمل
عليه ومنها – أن الانسان قد يضعف عن حفظ الجميع ، فيحفظ سورة تامة ويقتصر
عليها ، وقد يكون ذلك سببا يدعوه إلى غيرها ومنها – ان التفصيل أبين ، إذ كان
الاشكال مع الاختلاط والالتباس أكثر . ومنها – ان كلما ترقى إليه درجة درجة
ومنزلة منزلة كانت القوة عليه أشد ، والوصول إليه أسهل وإنما السورة منزلة يرتفع

شاهد أيضاً

الصيحة التي ستظل الأعناق لها خاضعة بقلم سالم الصباغ

الصيحة التي ستظل الأعناق لها خاضعة بقلم سالم الصباغ قراءة في علامات عصر الظهور   ...