الرئيسية / بجوث اسلامية / الحسين في الفكر المسيحي – انطوان بارا

الحسين في الفكر المسيحي – انطوان بارا

الصفحة (108)

القارورة التي فيها تراب أرض كربلاء فإذا به يفور دماً ، وهو التراب الذي دفعه النبي (صلّى الله عليه وآله) إليها وأمرها أن تحتفظ به(1) ، وقد سمعت ليلتها صوتاً هاتفاً في جوف الليل ينعى الحسين (عليه السّلام) فيقول :

أيـها القاتلونَ جهلاً iiحسيناً      أبـشروا بالعذابِ iiوالتنكيلِ
قد لُعنتمْ على لسان ابنِ داو      دَ ومـوسى وصاحبِ الإنجيلِ
كلّ أهل السماء يدعو iiعليكُمْ      مـن نـبيّ ومرسلٍ iiوقبيل(2)

وفي يوم عاشوراء رأى ابن عبّاس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أشعث مغبّراً ، وبيده قارورة فيها دم ، فقال له : بأبي أنت واُمّي ما هذا ؟! قال : (( هذا دم الحسين وأصحابه ، لم أزل التقطه منذ اليوم ))(3) .

ويحدّث دعبل الخزاعي عن جدّه : أنّ اُمّه سعدى بنت مالك الخزاعيّة أدركت الشجرة التي كانت عند اُمّ معبد الخزاعيّة وهي يابسة ، وببركات وضوء النبي (صلّى الله عليه وآله) في أسفلها أورقت وأثمرت كثيراً . ولمّا قبض النبي (صلّى الله عليه وآله) قلّ ثمرها ، ولمّا قُتل أمير المؤمنين (عليه السّلام) تساقط ثمرها ، وكانوا يتداوون بورقها .

ـــــــــــــــ
(1) راجع مرآة الجنان لليافعي 1 / 134 ، وكامل ابن الأثير الجزء 38 ، ومقتل الخوارزمي 2 / 95 .
(2) راجع تاريخ ابن عساكر 4 / 341 فقد ذكرت الأبيات الثلاثة ، وفي تاج العروس 7 / 103 ذكر البيت الأوّل والثالث ـ نقلاً عن المقرم .

(3) تفرّد به الإمام أحمد / 242 وإسناده قوي ، وذكر في تاريخ بغداد للخطيب 1 / 142 ، وفي طرح التثريب / 22 .

الصفحة (109)

وبعد برهة نظروا إليها وإذا بساقها ينبع دماً ، فأفزعهم هذا الحادث ، ولمّا أظلم الليل سمعوا بكاءً وعويلاً ولم يروا أحداً ، وقائل يقول :

يـابنَ الشهيدِ ويا شهيداً iiعمُّهُ      خـيرُ الـعمومةِ جعفرُ iiالطيّارُ
عـجباً لـمصقولٍ أصاب iiحدّهُ      في الوجهِ منك وقد علاك غبارُ

وقد أخذ البيت الثاني أحد شعراء الشيعة القدامى ونظمه في ثلاث أبيات ، يقول فيها :

عجباً لمصقولٍ علاك iiفرندهُ      يومَ الهياجِ وقد علاك iiغبارُ
ولأسـهمٍ نفذتكَ دونَ iiحرائرٍ      يدعون جدّكَ والدموعُ iiغزارُ
هـلاّ تكسّرتِ السّهامُ وعاقها      عن جسمِكَ الإجلالُ والإكبارُ(1)

وإذا كانت الطبيعة والوحوش والأشياء قد انفلتت من إسارها ، وانفعلت حزناً على الحسين ، فإنّ الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله) الذي قال : (( حسين منّي وأنا من حسين )) . حضر المعركة التي عذّب فيها بضعته وريحانته ، وشاهد ذلك الجمع الحاقد المتألّب على استئصال أهله من جديد الأرض وبمرأى منه عويل الأيامى ونشيج الفاقدات وصراخ الصبية من الظمأ ، وقد سمع العسكر صوتاً

ـــــــــــــ
(1) مناقب ابن شهر آشوب 2 / 380 .

الصفحة (110)

هائلاً : ويلكم يا أهل الكوفة ! إنّي أرى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ينظر إلى جمعكم مرّة وإلى السماء اُخرى وهو قابض على لحيته المقدّسة . لكن الهوى والضلال المستحكم في نفوس ذلك الجمع المغمور بالأطماع ، أوحى إليهم ( إنّه صوت مجنون ) ، فصاح الجمع : لا يهولنّكم ذلك . وكان أبو عبد الله الصادق (عليه السّلام) يقول : (( لا أراه إلاّ جبرائيل ))(1) .

ولمّا حمل الرأس الشريف إلى دمشق ونصب في موضع الصيارفة وهناك لغط المارة وضوضاء المتعاملين ، فأراد سيّد الشهداء توجيه النفوس نحوه ليسمعوا عظاته ، فتنحنح الرأس تنحنحاً عالياً ، فاتجهت إليه الناس واعترتهم الدهشة حيث لم يسمعوا رأساً مقطوعاً يتنحنح قبل يوم الحسين (عليه السّلام) ، فعندها قرأ سورة الكهف إلى قوله تعالى : ( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً )(2) .

وصُلب على شجرة فاجتمع الناس حولها ينظرون إلى النور الساطع فأخذ يقرأ : ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ )(3)(4) .

وقال هلال بن معاوية : رأيت رجلاً يحمل رأس الحسين (عليه السّلام) والرأس يخاطبه فرّقت بين رأسي وبدني ، فرفع السوط وأخذ يضرب الرأس حتّى سكت(3) .

ويحدّث ابن وكيدة : إنّه سمع الرأس يقرأ سورة الكهف فشكّ في أنّه صوته أو غيره ، فترك (عليه السّلام) القراءة والتفت إليه يخاطبه : (( يابن وكيدة ، أما علمت أنّا معشر الأئمّة أحياء عند ربّهم يرزقون ؟ )) .

ــــــــــــــــ
(1) كامل الزيارات .

(2) سورة الكهف / 13 .

(3) سورة الشعراء / 227 .

(4) ابن شهر آشوب 2 / 188 .

(5) شرح قصيدة أبي فراس / 148 .

الصفحة (111)

فعزم على أن يسرق الرأس ويدفنه ، وإذا الخطاب من الرأس الشريف : (( يابن وكيدة ، ليس إلى ذلك من سبيل ؛ إنّ سفكهم دمي أعظم عند الله من تسييري على الرمح ، فذرهم فسوف يعلمون إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ ))(1) .

وقال المنهال بن عمرو : رأيت رأس الحسين بدمشق على رمح وأمامه رجل يقرأ سورة الكهف حتّى إذا بلغ إلى قوله تعالى : ( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً )(2) . نطق الرأس بلسانٍ فصيح : (( أعجب من أصحاب الكهف قتلي وحملي ))(2) .

ولمّا أمر يزيد بقتل رسول ملك الروم حيث أنكر عليه فعلته ، نطق الرأس الشريف بصوتٍ رفيع : (( لا حول ولا قوة إلاّ بالله ))(3) .

وحدّث ابن ليهعة : أنّه رأى رجلاً متعلقاً بأستار الكعبة يستغيث بربّه ثمّ يقول : ولا أراك فاعلاً . فأخذته ناحية وقلت : إنّك لمجنون ! فإنّ الله غفور رحيم ولو كانت ذنوبك عدد القطر لغفرها لك . قال لي : اعلم كنت ممّن سار برأس الحسين إلى الشام ، فإذا أمسينا وضعنا الرأس وشربنا حوله .

وفي ليلة كنت أحرسه وأصحابي رقود ، فرأيت برقاً وخلقاً أطافوا بالرأس ، ففزعت ودهشت ولزمت السكوت ، فسمعت بكاءً وعويلاً ، وقائلاً يقول : يا محمّد ، إنّ الله أمرني أن أطيعك ، فلو أمرتني أن أزلزل بهؤلاء الأرض كما فعلت بقوم لوط . فقال له : (( يا جبرائيل ، إنّ لي موقفاً معهم يوم القيامة بين يدي ربّي سبحانه )) .

ــــــــــــــــ
(1) شرح قصيدة أبي فراس / 149 .

(2) سورة الكهف / 9 .

(3) الخصائص ـ السيوطي 2 / 127 .

(4) مقتل العوالم / 151 .

الصفحة (112)

فصحت : يا رسول الله , الأمان . فقال لي : (( اذهب فلا غفر الله لك )) . فهل ترى الله يغفر لي(1) ؟

وفي بعض المنازل وضعوا الرأس المطهّر فلم يشعر القوم إلاّ وقد ظهر قلم حديد من الحائط وكتب بالدم :

أترجو أمّةٌ قتلت حسيناً        شفاعةَ جدّه يومَ الحسابِ(2) ؟!

وقبل أن يصلوا الموضع بفرسخ وضعوا الرأس على صخرة هناك ، فسقطت منه قطرة دم على الصخرة ، فكانت تغلي كلّ سنة يوم عاشوراء ، فيجتمع الناس هناك ويقيمون المأتم على الحسين حولها ، وبقي هذا إلى أيّام عبد الملك بن مروان ، فأمر بنقل الحجر فلم يرَ له أثر بعد ذلك(3) .

وقد روى ابن قولويه في الكامل : أنّهم كانوا يسمعون نوح الجن في الليالي التي قُتل فيها الحسين (عليه السّلام) ، ومن شعرهم :

أبكي ابنَ فاطمة الذي      مِن قتلهِ شاب الشعرْ
ولـقـتلِهِ iiزُلـزلتموا      ولقتلِهِ انخسف القمرْ

ـــــــــــــ
(1) اللهوف / 98 .

(2) مجمع الزوائد ـ لابن حجر 9 / 199 ، والخصائص ـ السيوطي 2 / 127 ، وتاريخ ابن عساكر 4 / 342 ، وتاريخ القرماني / 108 ، ومثير الأحزان / 53 . 

(3) نفس المهموم / 228 ، ونهر الذهب في تاريخ حلب 3 / 33 ، وكتاب الإشارات إلى معرفة الزيارات / 66 .

الصفحة (113)

وذكر ابن نما عن أبي حباب الكلبي قال : لمّا قُتل الحسين (عليه السّلام) ناحت عليه الجنّ فكان الجصّاصون يخرجون بالليل إلى الجبّانة فيسمعون الجنّ يقولون :

مـسح الحسينُ iiجبينَهُ      فله بريقٌ في iiالخدودِ
وأبوهُ من أعلا قريـ     ـشٍ جـدُّه خـيرُ iiالجدودِ

ويشير أبو العلاء المعرّي إلى قتل الحسين واحمرار السماء حزناً عليه في قصيدة يقول مطلعها :

عـلّلاني فـإنَ بيضَ iiالأماني      فُـنيتْ والـظلامُ لـيس بفانِ
وعلى الدهرِ من دماء الشهيديـ      ـنِ عـلـيٍّ ونـجـلِهِ iiشـاهدانِ
فـهما في أواخر الليل iiفجرا      ن وفــي أولـيـاتهِ iiشـفـقانِ
ثبتا في قميصه ليجيء iiالحشـ      ـر مـسـتعدياً إلــى iiالـرحمنِ

وممّا هو معروف أنّ المسيح كانت له سلطة على الجن والأرواح وجند الملائكة ، فقد كانت تأتمر بأمره (عليه السّلام) فتنقله بلمحة طرف إلى أي مكان ، ويأمرها فتنفّذ له ما يأمرها به ، وعندما تبكي الجن على مقتل الحسين ، فإنّ في هذه الحكمة الأعجوبة لمعجزة خارقة أتي بمثلها لعيسى (عليه السّلام) .

الصفحة (114)

وإذا كنّا قد خلصنا إلى أوجه الشبه بين عيسى والحسين (عليهما السّلام) ، وبين شهادتَيهما ، والمعجزات الكونيّة الخارقة التي تلتهما مباشرة ، فإنّا سنعرّج على أوجه الاختلاف القليل بين الشهيدَين العظيمَين .

الصفحة (115)

حكمةُ اختلاف الشهادتين

جاء عيسى (عليه السّلام) إلى اليهوديّة مبشّراً بالعهد الجديد بعد أن فسدت الضمائر ، وحرّفت السنّة ، وسنّت الشريعة ، وقامت دولة الأحبار والشيوخ والفرّيسيّين والصدوقيّين ، وقد أيّده الله سبحانه وتعالى بمعجزات لم يؤيّد بمثلها نبيّاً قبله أو بعده .

وقد لخّص (عليه السّلام) بعثه إلى اُمّة لعبت بوصاياها وحرّفت شرائعها حسب أهوائها واضطهدت كلّ الرسل الذين جاؤوا لهدايتها ، فقال : ( فبمَن أشبّه هذا الجيل ، ومَن يشبهون ؟ يشبهون أولاداً قاعدين في الساحة يصيح بعضهم ببعض ، زمّرنا لكم فلم ترقصوا ، ندبنا لكم فلم تبكوا ) .

جاء يوحنا المعمدان لا يأكل خبزاً ولا يشرب خمراً فقلتم : إنّ به مسّاً من الشيطان . وجاء ابن الإنسان ـ المسيح ـ يأكل ويشرب ، فقلتم : هو ذا رجل أكول سكّير صديق للعشّارين والخاطئين ، بَيْدَ أنّ الحكمة قد برّها جميع

شاهد أيضاً

ر عبداللهيان يحذّر الأوروبيين من الرد الايراني على تدخلاتهم

أمير عبداللهيان يحذّر الأوروبيين من الرد الايراني على تدخلاتهم أكد وزير الخارجية الايراني حسين امير ...