مع الطب في القرآن الكريم – الدكتور محمد علي البار

وبالنسبة لاستقلال المشيمة الغدي، فهو مباشرتها بإفراز الهرمونات اللازمة لاستمرار الحمل بعد أن أصبحت الكميات التي يفرزها المبيض غير كافية، ولأن متطلبات الحمل من هذه الهرمونات تصبح أكبر بكثير من كفاءة المبيض.
أما نمو الجنين فيكون سريعا في هذه المرحلة، فبعد أن كان وزنه في نهاية الشهر الثالث (55) غ، وطوله (10) سم، يصبح وزنه عند تمام الحمل حوالي (3250) غ، وطوله (50) سم، وخلال هذه الفترة، يتكامل شكله الخارجي، فيصبح لون الجلد أحمر، وتنبسط تجعداته، وتسقط عنه الأوبار، وتنفتح الجفون، وتتكامل الأظافر…
وبهذا الاستعراض السريع لأهم ميزات هذه المرحلة نجد أن تلك المضغة قد أخذت بعدا آخر، اكتسبت فيه قدرة على الحركة، وابتدأ بها القلب بالنبضان بلا توقف، ولهذا البعد أشار القرآن بعد عرضه لسلسلة أطوار تخلق الجنين، حيث قال: (ثم أنشأناه خلقا آخر) ولعل أكثر الناس شعورا بهذا البعد ليس الطبيب وإنما الام الحامل التي ما إن تشعر بحركات جنينها حتى تحس بشئ لم تعهده من قبل، إنها تحس أو روحا أخرى تدب في أعماقها، فتظهر علامات الارتياح على ملامحها، وتعلو البسمة محياها، وإذا ما غابت عنها تلك الحركات مدة بسيطة، قلقت وتأرقت.
وأبعد من هذا فقد وجد العلماء أن الجنين يبدأ في آخر الحمل بالسماع، ومما يسترعي سمعه وهو في بطن أمه، ذلك الصوت الحنون الخالد الذي لا يعرف إلا الحب والحنان والعطاء.. إنه صوت خفقان القلب الكبير… قلب أمه، وهكذا تنشأ صلات الحب والمسؤولية بين الام ووليدها، في الوقت الذي تعاني فيه الام من الوهن والعذاب مالا يحتمله غيرها، ولذلك قال تعالى في سورة لقمان: (ووصينا الانسان بولديه حملته أمه وهنا على وهن وفصله في عامين أن اشكر لي ولولديك إلى المصير) [لقمان: 14].
وبعد أن وقفنا على أطوار خلقنا البديعة المدهشة، هل لنا أن نقدر الله حق

(٨٤)

قدره؟ هل لنا أن نرجو لله وقارا؟… (مالكم لا ترجون لله وقارا (13) وقد خلقكم أطوارا) [نوح: 13 – 14].
– تشخيص الحمل اليقيني والعدة:
إن الشعور بحركة الجنين، وسماع نبضات القلب، هما العلامتان اليقينيتان لتشخيص الحمل، وكل العلامات التي تسبقهما كانقطاع الطمث، وأعراض الوحام، وحتى إيجابية تفاعل الحمل الحيوي، لا تعتبر علامات يقينية نستطيع على أساسها القطع بحصول الحمل، فهناك حالات مرضية، يمكن أن تعطي نفس الاعراض، كالرحى العدارية، والورم، الكوريوني البشري، والحمل الهيستريائي.
وكما لا حظنا أن هاتين العلامتين: شعور الحامل بحركة جنينها، وسماع الطبيب لدقات قلب الجنين، يحصلان بعد الشهر الرابع، وهذا ما بينه القرآن الكريم منذ ألف وأربع مئة عام، حيث قال تعالى (والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) [البقرة: 234] إن وجه الاعجاز في هذه الآية الكريمة ظاهر بلا شك، وهي تقرر ما يسمى بعدة المرأة التي توفي زوجها، حيث حددت بالضبط المدة التي يصبح عندها أو بعدها تشخيص الحمل يقينيا.
أما عن الحكمة في هذه العدة فيعلمها الأطباء الشرعيون، إذ يجب أن يعرف ما إذا كان الحمل من الزوج المتوفى أم لا، وحتى لا تنسب المرأة حملا حملته سفاحا لزوجها المتوفى، وحتى لا ينكر أهل الزوج المتوفى بنوة الجنين الجديد لأبيه بغية التخلص من ميراثه، ويتهمون الام البريئة بأن حملها هذا سفاحا أو من زوجها الجديد.. وإلى آخر ما هنالك من المشاكل أو المظالم التي قد تقع.
– البعد الانساني ” الروح “:
البعد الانساني، هو البعد الذي جعل من الطين الرخيص، بشرا كريما تسجد له الملائكة المكرمون، قال تعالى: (إذ قال ربك للملائكة

(٨٥)

إني خلق بشرا من طين (71) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) [ص: 71] وهو بعد الحياة الانسانية – وليس الخلوية – الذي يمنحه الحق تبارك وتعالى للانسان، وهو ما يزال في بطن أمه، عندما يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح. وقد بين ذلك أيضا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: ” ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ” (1) وذلك بعد (120) يوما، أي بعد أربعة أشهر، وهذا ما يطابق معطيات العلم الحديث.
وهكذا نفهم ذلك البعد الذي خص الله به الانسان، فلم يعد مجرد عناصر أولية لا تساوي في قيمتها سوى بضع ليرات في ميزان البيع والشراء، كما لم يعد مجرد مجموعة خلوية حية، بل ميزه عن باقي مخلوقاته يوم جمع بين المادة والروح في خلقه، وبذلك كان الانسان خليفة الله في أرضه، ومهبط وحيه ورسالاته، وحامل أمانته قال تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان) [الأحزاب: 72] الظلمات الثلاث:
قال تعالى: (يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمت ثلث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون) [الرمز: 6] في الوقت الذي تتعرض فيه الخلايا المضغية للأطوار التي ذكرناها، يكون هناك ما يسمى بالخلايا المغذية التي تأخذ على عاتقها تأمين الغذاء والهواء لحصول الحمل، ثم يتشكل منها ملحقات الجنين والتي منها، هذه الأغشية الثلاثة التي تحيط ببعضها وهي من الداخل إلى الخارج:
(1) عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق ” إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد… ” رواه البخاري ومسلم. والحمد لله الذي بين وبعد مئات السنين صدق قول الرسول بالحجة والربهان الساطع، علما بأن هذا الحديث الصحيح، هو الحديث الوحيد الذي يرد قبله قول: الصادق المصدوق.
(٨٦)

شاهد أيضاً

المرأة حقوق وحرية وحجاب

الفصل الثالث: أسباب وكيفية العلاج خطأ. لا ينبغي دخول هذه الساحة بهذا الهدف، لأنه ينتهي …