« لم يسرفوا » : لأن المال الذي أعطاه االله لهم فيه حق لآخرين من الأهل والعيال والورثة فلا بد من رعايتهم لئلا يتركهم من يعول بهم يتسولون . « ولم يقتروا » : لأن في ذلك جناية على المال وكفراناً لنعمة االله على من ملكه . . . ذلك لأن االله رزق العبد لينتفع به وفي الوقت نفسه لينتفع به الآخرون من أفراد المجتمع لا ليحبسه ويحجر عليه . وإذاً فلا بد من الاعتدال في الإنفاق والمحافظة على النقطة ، والوسط بين الحالتين ، ولذلك أوصت الآية الكريمة أن يتحلى الإنسان في هذه الحياة بما فيه إنفاقه بمضمون الآية عندما تقرر قوله تعالى : « وكان بين ذلك قواماً » : والقوام الوسط العدل بين الافراط والتفريط وبين الاسراف والشح وبين الاسراع والتباطؤ . وبعد أن تعدد الآيات صفات هؤلاء المؤمنين المعتدلين تبشرهم بجزاء هذه الصفات ، وهذا الاعتدال الطبيعي في مسيرتهم الحياتية . ( أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاماً * خالدين فيها حسنت مستقراً . (١) ومقاماً ) ____________ (١) سورة الفرقان | آية : ٧٥ ـ ٧٦ .
=============== ( ١٣١ )
وكان من هؤلاء الذين ذكرت جزاءهم الآية الكريمة : المؤمنون المعتدلون في الانفاق ـ موضوع بحثنا ـ فقد جزاهم ربهم الغرفة ـ الجنة ـ تتلقاهم الملائكة بالتحية والسلام تكريماً لهم خالدين فيها حسنت مستقراً ومقاماً . التحذير من الوقوع في التهلكة : وفي وصايا أخرى تتعلق بموضوع بحثنا نرى القرآن الكريم يحذر المنفقين في أن يبسطوا أيديهم في إنفاقهم بما يضر بحالهم ويؤثر على الوضع المالي للمنفقين قال عز وجل : . (١) ( وأنفقوا في سبيل االله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) أما سبيل االله : هو كل طريق شرعه االله تعالى لعباده ، ويدخل فيه الجهاد والحج ، وعمارة القناطر ، والمساجد ، ومعاونة المساكين ، والأيتام ، وغير ذلك ، بل وكل ما أمر االله به من
أبواب الخير ، والبر ، وحينئذٍ فيكون السبيل هو الطريق . والآية تسير على نفس الخط الذي رسمته الآيات المتقدمة من ضرورة الاعتدال في الانفاق وعدم الإسراف فيه لأن الاسراف وانفاق المال يؤدي الى التهلكة وهي الضياع إذ أن أصل الهلاك . (٢) هو الضياع والهالك الفقير بمضيعة وإنما يكون بمضيعة لأنه كان غنياً موسراً فأصبح فقيراً معدماً ، فهو بمضيعة فقد ما يقوم مغاشه يقول الإمام أبو عبد االله الصادق ( عليه السلام ) : ____________ (١) سورة البقرة | آية : ١٩٥ . (٢) مجمع البيان في تفسيره لهذه الآية .
=============== ( ١٣٢ )
لو أن رجلاً انفق ما في يده في سبيل االله ما كان أحسن ولا وفق لقوله سبحانه : « ولا تلقوا . (١) بأيديكم إلى التهلكة » وعندما يحذر القرآن المنفقين عن إلقاء أنفسهم في التهلكة عند الإنفاق بغير اعتدال فإنه في نفس الوقت يوجههم الى السير المنظم في الطريق المستقيم كحد وسط بين الاسراف والتقتير لذلك ختمت الآية الموضوع بقوله عز وجل : . (٢) ( وأحسنوا إن االله يحب المحسنين ) وقد فسر قوله ( المحسنين ) بالمقتصدين . . (٣) والاقتصاد هو الاعتدال في الصرف الإنفاق بدون تبذير : ولا يقتصر الايصاء من القرآن على الاعتدال في الإنفاق من حيث القلة والكثرة ، بل هناك جهة أخرى لا بد من رعايتها ، وهي عدم التبذير فقد قال سبحانه : ( وآت ذي القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً * إن المبذرون كانوا إخوان . (٤) الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا ) قال في المجمع التبذير التفريق بالاسراف ، وأصله أن يفرق البذر إلا أنه يختص بما يكون على سبيل الافساد . وما كان على ____________ (١) مجمع البيان في تفسيره لهذه الآية . (٢) سورة البقرة | آية : ١٩٥ .
(٣) مجمع البيان في تفسيره لهذه الآية . (٤) سورة الاسراء | آية : ٢٦ ـ ٢٧ .
=============== ( ١٣٣ ) . (١) سبيل الإصلاح لا يسمى تبذيراً وان كثر وهذه النقطة لا بد من ملاحظتها ورعايتها لأن النتائج المترتبة على التبذير أخطر من النتائج التي تترتب على الاسراف في الانفاق والذي عبر القرآن عنه بالوقوع بالتهلكة ، أو في الآية المتقدمة أن المسرف يقعد ملوماً محسوراً . وذلك لأن الاسراف لا يخلف إلا الضرر على المنفق ، ومن يرثه حيث صرف المال كله وجلس معدماً محسوراً ، أما المبذر فإنه لا ينفق المال في حقه . « وعن مجاهد لوانفق المال في باطل كان مبذراً » . وفرق كثير بين إنفاقه كله وعلى الأخص لو كان في سبيل االله وبين إنفاقه في الباطل . ولذا رأينا الآية الكريمة قالت عن المبذرين إنهم . « كانوا إخوان الشياطين » : لأنهم لا ينفقون مالهم في الحق ، وفي طريق الخير ، ولذا كانوا إخواناً للشياطين وليتبوأ مقعده في النار من كان اخاً للشيطان وقريناً له . أما المسرفون : فلم يرد فيهم مثل ذلك بل أقصى ما جاء فيه ان يدخل الضرر على نفسه فيقعد ملوماً محسوراً . ____________ (١) لاحظ مجمع البيان في تفسيره لهذه الآية .
الشرط الثاث :
الإنفاق من الطيب ومما تحبون
الإنفاق من الطيب : الإنفاق إحسان من المعطي إلى الفقير وتعاطف بين افراد المجتمع واالله من وراء القصد يرعى هذه الأريحية ويبارك هذه الصفقات الخيرة . وإذا كان الأمر كذلك فمن الأفضل أن يقدم المحسن أطيب ما عنده إلى الفقير . وليس من اللائق أن يعطيه من الرديء ليتخلص منه . الرديء الذي إذا قبضه الفقير قبضه وهو يغمض عينيه ويطرق برأسه . والرديء الذي لو كان المعطي يريد بيعه لما اشتراه منه أحد إلا بأقل من ثمنه . هذا الرديء هل يصلح ان يقدم هدية إلى االله وتقرباً لنيل مرضاته ؟ وهل بهذا النوع يرجو المعطي ان تكون صفقته مع االله تجارة لن تبور ؟ وهل أن هذا الرديء هو الذي يأمل المعطي أن يأخذه الله منه قبل أن يأخذه الفقير ؟
=============== ( ١٣٥ )
انها تساؤلات لا بد للمنفق ان يجيب عليها أو يتأملها قبل أن يقدم النوع الرديء من المال الى الفقير . ولذلك ترى الآية الكريمة تحدد أبعاد نوعية ما يعطيه المحسن الى المحتاجين . ( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا . (١) الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن االله غني حميد ) وقد جاء في سبب نزول هذه الآية أن قوماً من الانصار في المدينة كانوا يأتون بالحشف من التمر فيدخلونه في تمر الصدقة الجيد فنزلت الآية تنهاهم عن ذلك . وقد تعرضت كتبت التفسير لهذه الرواية بشكل من التطويل ، والمهم هو ان هذه الرواية تعطينا ان الانفاق بعدما كان تضميداً لجراح الفقير ، ومواساة له في محنته ، فإن الخُلق الرفيع يقتضي أن تكون هذه المواساة على النحو الأحسن لتثمر وتؤثر أثرها الطيب في نفوس الضعفاء والمحرومين ليشعر كل فرد منهم بالعطف والمشاركة لهم في الطيب من العيش لا للتخلص من هذا الذي قدم لهم . ان شعور الفقير بأن ما دفعه إليه المحسن من النوع الرديء إنما كان للتخلص من رداءته ليترك في نفسه الأثر السيء أزاء المنفق الذي بدل المفاهيم الخيرة .
على انه ـ كما قلنا ـ في البين طرف ثالث دخل في هذه الصفقة وهو ـ االله سبحانه ـ وهو يصرح بأنه عز وجل غني عن صدقاتهم وإنما يريد الخير لهم ____________ (١) سورة البقرة | آية : ٢٦٧ .
=============== ( ١٣٦ )
« واعلموا أن االله غني حميد » : فهو غني عما تقدمونه للفقير تقرباً له وحصولاً لمرضاته ، ولكنه ـ في نفس الوقت ـ حميد يشكركم علىعطائكم لو أعطيتم . ولكن هذا الشكر انما يكون لو أعطيتم ، ولو كان ما قدمتوه لوجهه من طيب ما تقدمونه . ثم يعقب القرآن الكريم لينبه المنفقين بأن هذه الحالة التي تساوركم في دفع الرديء إنما تنشأ من حرصكم على المال وحبكم في المحافظة عليه ولذلك تأبى نفوسكم أن تقدموا الشيء الجيد لئلا تذهب خيار أموالكم فتصبحون معدمين فقراء وهذه وساوس شيطانية لا أساس لها فإن من قدم الله فعليه جزاؤه ، ومن كان جزاؤه على االله فكيف يخشى الفقر ؟ . وتدلل الآيات على ذلك بإجراء مقارنة بين وعدين أحدهما صادر من الشيطان والآخر من االله سبحانه وكم بين الوعدين من الفرق . . ( الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء واالله يعدكم مغفرة منه وفضلاً واالله واسع عليم ) (١) . « الشيطان يعدكم الفقر » : الشيطان يوحي بأن اعطاء المال الجيد ، أو مطلق بركم وإنفاقكم في سبيل االله يؤدي بكم بالنتيجة إلى الفقر . « ويأمركم بالفحشاء » : ____________ (١) سورة البقرة | آية : ٢٦٨ .
=============== ( ١٣٧ )
أي المعاصي والرذائل ، وقيل بالإنفاق من الرديء وسماه فحشاء لأن فيه معصية االله حيث أنه
لم يخرج مما عينه االله له فإن الغني إذا ترك الإنفاق على ذوي الحاجات من أقرابه وجيرانه ، وبقية أفراد المجتمع أدى ذلك إلى التقاطع ، وكل تركٍ لحقوق االله هو من الفحشاء . وبذلك تنتهي وعود الشيطان ومغرياته . « واالله يعدكم مغفرة منه وفضلاً » : وعدان من الشيطان سبقا . وها هما وعدان من االله تقررهما الآية الكريمة لمن ينفق عن طيب نفس ويخرج من جيد ماله لينعش به ذوي الدخل المحدود . أحدهما : أخروي . والآخر : دنيوي . أما الآخروي : فهو الوعد بالمغفرة للذنوب وبذلك ينال المنفق الجنة . وأما الدنيوي : فهو الفضل أي ويعدكم أن يخلف عليكم ما أنفقتموه ويتفضل عليكم بالزيادة . وقد سبق لنا أن نقلنا الآيات الكريمة التي وعد االله فيها المنفقين بمضاعفة الرزق وأن ما ينفقونه بنسبة كل واحد في قبالة سبعمائة . وقد جاء عن ابن عباس انه قال إثنان من االله وإثنان من الشيطان فاللذان من االله المغفرة على المعاصي ، والفضل في الرزق
=============== ( ١٣٨ )
. (١) والذان من الشيطان الوعد بالفقر ، والأمر بالفحشاء ولنقارن بين الوعدين : االله يعد بالفضل والزيادة . والشيطان يعد بالفقر . واالله يعد بالمغفرة رحمة منه . والشيطان يأمر بالفحشاء والرذيلة . وليقف الإنسان ويخير نفسه بأي من هذين الوعدين يأخذ ؟ . الوعد المشرق من االله الذي يفتح أمام المنفق النوافذ العريضة ليطل منها على مغفرة االله وآيات فضله . والوعد القاتم الكئيب من الشيطان ، الذي يغلق في وجه المنفق كل الابواب التي يرجوا أن يدخل منها إلى ساحة االله المقدسة لينعم بآلائه والطافه .
« واالله واسع عليم » : وتختم الآية الكريمة المقارنة بين الوعدين : وعد االله ووعد الشيطان بهذا العتاب الرقيق ، وان االله واسع ، فلماذا الخوف من الفقر وتصديق الشيطان بما يخوفهم به ، واالله واسع في عطيته ، وإنه اذا وعد وفى ؟ وحتى اذا لم يعد فهو الرازق ، وهو الرحيم وهو الودود وإذا صدر منه الوعد فإنما ليطمئن الإنسان بأنه سيلقى الجزاء ، بأحسن وبأكثر مما يتصوره المنفق فلا حاجة لوعد االله بعد ____________ (١) مجمع البيان في تفسيره لهذه الآية .
=============== ( ١٣٩ )
أن علم الإنسان أن مصدر العطاء هو االله سبحانه وان لطفه ورحمته لا يختصان بفئة دون فئة وقد جاء في الاخبار بأن رحمة االله يطمع فيها يوم القيامة حتى أبليس وهو أبغض الخلق إلى االله عز وجل . وأخيراً فإنه مضافاً إلى سعة عطاء االله فإنه : « عليم » : عليم بكل شيء ، ولا تخفى عليه خافية ، ومن ذلك ما يدفعه الإنسان ويقدمه في سبيله وطلباً لجلب مرضاته ، أو للرياء والسمعة والتقرب إلى الناس . وعليم بمن يدفع الرديء عن قلة يد وعدم وجود أحسن منه ، أو للتخلص منه مع وجود الأحسن منه . الإنفاق مما تحبون : ومن الإنفاق من الطيب ينتقل القرآن الكريم إلى توجيه جديد يوجه به المنفقين إلى مرحلة يربط فيها بين المنفقين والمحتاجين بشكل أكد مما سبق حيث يجعل من الآيتين شخصاً واحداً على نحو يفكر الغني بالفقير كما لو يفكر بنفسه فيختار له ما يختاره لها ويجنبه مما لا يرغب فيه يقول سبحانه : . (١) ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن االله به عليم ) البر هو فعل الخير ، أو التوسع في فعل الخير ، ومن خلال هذه الآية تتجلى روعة التوجيه حيث أغلقت في وجه المنفق طريق ____________ (١) سورة آل عمران | آية : ٩٢ .