الإنفاق في سبيل الله \عز الدين بحر العلوم

الأول : « كالذي ينفق ماله رئاء الناس ، ولا يؤمن باالله ولا باليوم الآخر »
الثاني :« فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصاب وابل فتركه صلداً لا يقدرون على شيء
مما كسبوا »
ومع التمثيل الأول : « كالذي ينفق ماله رئاء الناس » .
وحينئذ يكون حال المنفق حال من يرائي في عمله ليوجه الأنظار إليه ليحمد على ما يفعل ،
وبذلك يحبط عمله .
وقد جاء عن النبي ( صلى االله عليه وآله ) انه قال :
« إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ يسمع أهل الجمع اين الذين كانوا يعبدون الناس ؟ قوموا خذوا
أجوركم ممن عملتم له فإني لا أقبل عملاً خالطه شيء من الدنيا وأهلها » .
« ولا يؤمن باالله واليوم الآخر »:
وهذه صفة أخرى للمشبه به أي المنفق الذي ينفق بالمنّ والأذى عمله كعمل المرائي الذي لا
يؤمن باالله واليوم الآخر . . . إذ لو كان المرائي يؤمن باالله واليوم الآخر لقصد في فعله وجه االله
ولأختار الطرق التي بينها سبحانه وأراد من عباده السير عليها .
وقد جاء عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه قال : قال رسول االله ( صلى االله عليه وآله
وسلم ) :
« من أسدى إلى مؤمن معروفاً ثم آذاه بالكلام ، أو منّ عليه فقد أبطل االله صدقته ، ثم ضرب
فيه مثلاً فقال : كالذي ينفق ماله

===============
( ١٥١ )

. (١) رئاء الناس ـ إلى قوله ـ واالله لا يهدي القوم الكافرين »
وقد أكدت الآية الكريمة على تعرية عمل المنفق الذي لا يرد الفقير ولكن يشفع عمله بالمنّ
والأذى بتشبيه ذلك العمل بمنظر مألوف للناس في نطاق مشاهدهم العادية فقال تعالى :

« فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً لا يقدرون على شيء مما كسبوا
. «
وصفوان : هو الحجر الأملس .
والوابل : هو المطر العظيم .
والصلد : المتجمد .
وقد شبه االله سبحانه عمل المنفق المرائي وهو يرجوا الثواب من عمله بهذا المشهد الذي لا
يثمر شيئاً وهو مشهد الحجر الصلد الذي يكون عليه مقدار من التراب فينزل عليه المطر فيزيل
ذلك التراب ويبقى الحجر الصلد لا يثمر شيئاً لعدم وجود تراب ليزرع فيه .
وبالأخير لا ثمر في هذين المشهدين .
عمل المرائي المنان .
وعمل من يزرع في مثل هذا الحجر الصلد .
كله هواء في شبك كما يقول المثل المعروف .
____________
(١) وسائل الشيعة ٦ | ٣١٧ .

صفات ممدوحة في المنفق ١ ـ صدقة السر :
من شروط الأنفاق : ينتقل القرآن الكريم إلى أدب العطاء ، فنجد فيما يخص الموضوع آية
واحدة توجه المنفق إلى كيفية العطاء بما يضمن له ثواباً أكثر فيما لو كانت عطيته على النحو
الذي بينته الآية الكريمة في قوله تعالى :
( إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من
. (١) سيئاتكم واالله بما تعملون خبير )
وطبيعي أن يكون العطاء الى المحتاج سراً أفضل من الاعلان به . . . وذلك لأن صدقة السر
تحقق أهدافاً ثلاثة بينما صدقة العلن لا تحقق إلا هذفاً وحداً .
أما الأهداف التي تحققها صدقة السر فهي :
أولاً : عطاء من المنفق إلى الفقير وإصَّال خيرٍ له ، به يُسدُّ حاجته .
____________
(١) سورة البقرة | آية : ٢٧١ .

===============
( ١٥٣ )

ً ثانيا : ان صدقة السر بعيدة عن الرياء إذ الرياء إنما يتحقق مع الإظهار والإعلان بالشيء ،
أما مع الإخفاء فلا معنى للرياء لعدم إطلاع أحد على العطاء غير الفقير ، وبذلك تسلم عملية
الإنفاق من الشوائب غير المحبوبة .
ثالثاً : إن صدقة السر تحفظ الفقير كرامته ، ولا تجرح شعوره إذ الكثير من الناس لا يقبلون
أن تهدر كرامتهم ولو كان ذلك من طريق الإحسان إليهم ، فلا يريدون أن يعرف عنهم أنهم
بحاجة وعَوَز ولذلك قالت عنهم الآية الكريمة :
. (١) ( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف )
كل هذه المميزات لا نجدها متوفرة في صدقة العلن لأحتمال أن يصاحبها الرياء ـ وفي
الوقت نفسه ـ قد يتضايق منها الفقير فيما لو كان غير راغبٍ بأن يفهم الناس عنه بأنه محتاج
وفقير ـ كما قلنا ـ .
هذا هو الفارق بين الصدقتين : صدقةِ السر ، وصدقةِ العلن .
مضافاً إلى أنه قد وردت أخبار كثيرة في فضل صدقة السر ، وأنها تحقق أهدافاً عديدةً :
منها : أنها تطفىء غضب الرب ، وتطفيء الخطيئة ، وتنفي الفقر وتزيد في العمر ، وتدفع
سبعين ميتةَ سوء ، وتدفع سبعين باباً من البلاء .

وقد جاء عن النبي ( صلى االله عليه وآله ) قوله : « سبعة يظلهم االله يوم لا ظل إلا ظله ـ
إلى أن قال ـ :
____________
(١) سورة البقرة | آية : ٢٧٣ .

===============
( ١٥٤ )

. (١) ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لم تعلم يمينه ما تنفق شماله »
وهذا الرجل بهذه النفسية الطيبة يخفي عطاءه حتى لا يعلم به أحد ، وهو واحد من السبعة
الذين يظلهم االله يومن القيامة ، وعطاؤه يطفيء غضب الرب ـ وفي الوقت نفسه ـ محبوب الله .
هذا الرجل لماذا نال هذه الدرجات ؟
ويأتي الجواب واضحاً بأنه حصل على كل ذلك لأنه ستر أخاه المؤمن ، وحفظ له كرامته ،
ولم يجرح عواطفه .
ومن الواضح أن االله يحب الساترين ، ويمنحهم الثواب ويجزل لهم العطاء .
وقد سار أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) على هذا النهج ، فكانوا يخفون عطاءهم فإذا ضرب
الليل باجنحته ، ولف المدينة بظلامه الدامس قاموا ليتفقدوا البؤساء ، والمحتاجين يطرقون أبواب
الفقراء ليوصلوا لهم الطعام ، والكساء ، والنقود .
وسنتطرق إلى هذا الموضوع بشكل أوسع في فصل قادم .
« وقد اختلفوا في الصدقة التي يكون إخفاؤها أفضل فهل هي الصدقة الواجبة أم المستحبة ؟
فقيل : صدقة التطوع إخفاءها أفضل لأن إخفاءها يبعدها عن الرياء ، وأما المفروضة فلا
يدخلها الرياء ، بل على العكس لوأخفاها الإنسان للحقته تهمة منع الحق المفروض فإظهارها
أفضل من
____________
(١) وسائل الشيعة ـ ٦ : ٢٧٥ ـ ٢٧٦ .

===============
( ١٥٥ )

التستر بها » .
يقول الإمام أبو عبد االله الصادق ( عليه السلام ) موضحاً هذا المعنى :

« الزكاة المفروضة تخرج علانية ، وتدفع علانية ، وغير الزكاة إن دفعه سراً أفضل ، وقيل
. (١) الأخفاء في كل صدقة من زكاة ، وغيرها أفضل »
أما إذا رجعنا إلى القرآن الكريم فإن الآية الكريمة مطلقة لا تفصل بين الصدقتين الواجبة
والتطوعية بل تقول :
« وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم » .
ونظراً لإطلاق هذه الآية والتفصيلات في الأخبار كما عرفت فقد خرج الفقهاء بالنتيجة التالية
:
وهي أن مطلق الصدقة زكاة كانت أو غيرها من الصدقات المستحبة إخفاؤها أفضل من
اعلانها لما بيناه من وجود الفائدة في الإخفاء .
ولكن إذا كان الإخفاء موجباً لاتهام الإنسان بعدم إخراج الزكاة ، أو برمية بالبخل والشح ، أو
كان المنفق يقصد من وراء إظهار الصدقة تشجيع الآخرين ، وتعويدهم على فعل الخير وإنعاش
هؤلاء الضعفاء المحرومين ففي مثل هذه الموارد لا بد من الاعلان للأسباب المذكورة ، أما إذا لم
يحصل شيء من ذلك فإن الأخفاء أفضل نظراً لما يحققه من الأهداف السامية ـ كما بينا ذلك ـ
.
____________
(١) لاحظ مجمع البيان في تفسيره لهذه الآية .

===============
( ١٥٦ )

٢ ـ الإيثار على النفس :
من الصفات الممدوحة التي يرغب االله أن يتحلى بها المنفق هي ما ذكرته الآية الكريمة في
قوله سبحانه :
. (١) ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة )
نفوس خيرة مؤمنة تتوجه إلى خالقها في كل صغيرة ، وكبيرة لتكسب رضاه ، ولتوطد العلاقة
معه .
نفوس آمنت بربها فتسابقت إلى العمل بما يرضيه فقالت عنهم الآية الكريمة :
« ويؤثرون على أنفسهم » .
والإيثار : هو احتساب الشيء ،وتقديمه علىماسواه في الوقت الذي تكون حالة مثل هؤلاء
الأشخاص كما عبرت عنهم الآية :
« ولو كان بهم خصاصة » .

والخصاصة : هي الحاجة ، والاملاق فإذا كان الإيثار على النفس مع الحاجة الشديدة الملحة
فإن ذلك غاية ما يتصور في تحلي الواحد من هؤلاء بالخلق الرفيع .
ومن هم هؤلاء الذين ذكرهم القرآن ، وأهاب بنفوسهم الرفيعة ؟
يقول المفسرون : هؤلاء قوم اكلهم الفقر ، فكانوا بأشد الحاجة إلى المال ولكنهم مع ذلك
حفظوا أنفسهم ، وقدموا ما
____________
(١) سورة الحشر | آية : ٩ .

===============
( ١٥٧ )

عندهم من المال إلى السائل ؛ والمسكين يبتغون بذلك رضا االله ، والتقرب إليه ، فوصفهم سبحانه
بأنهم « المفلحون » فقال في نهاية الآية المذكورة :
« فأولئك هم المفلحون » .
وهم الفائزون بما وعدهم به من الثواب الجزيل .
وقد قيل في سبب نزول هذه الآية « أن رجلاً جاء الى النبي ( صلى االله عليه وآله ) فقال :
أطعمني فإني جائع ، فبعث النبي إلى أهله فلم يكم عندهم شيء فقال : من يضيفه هذا الليلة ؟
فأضافه رجل من الأنصار ، وأتى به إلى منزله ولم يكن عنده شيء إلا قوت صبية له ، فأتوا
بذلك إليه ، وأطافؤا السراج ، وقامت المرأة إلى الصبية ، فعللتهم حتى ناموا ، وجعلا يمضغان
لسانيهما لضيف رسول االله ( صلى االله عليه وآله ) فظن الضيف أنهما يأكلان معه حتى شبع
الضيف ، وباتا طاويين فلما أصبحا غدوا إلى رسول االله فنظر إليهم ، وتبسم ، وتلا عليهم هذه
الآية :
وقد عقب الشيخ الطبرسي في تفسيره على هذه الآية بقوله :
« وأما الذين رويناه بإسناد صحيح عن أبي هريرة إن الذي أضافه وأنام الصبية وأطفأ السراج
. (١) هو علي بن أبي طالب وفاطمة ( عليهما السلام )
لقد أضاف الإيثار المذكور ثواباً آخر إلى ثواب الإنفاق نفسه ، وبذلك حصل المنفق الذي آثر
غيره عليه على ثوابين :
ثواب على عطائه وإنفاقه لوجه االله سبحانه .
وثواب على إيثاره غيره على نفسه .
____________
(١) مجمع البيان : الموضع السابق .

===============
( ١٥٨ )

الذين يسخرون من المتصدقين :
كما توجد نفوس مؤمنة خيرة تتجه إلى خالقها للتقرب إليه كذلك توجد نفوس شريرة همّها
النفاق ، والبعد عن ساحة االله ، ورضوانه .
وهذا القسم الثاني عندما نلاحظ أعمالهم في المجتمع نجدهم لا هم لهم إلا العبث ، والشغب ،
وإيذاء المنفقين بالسخرية منهم على إنفاقهم وهؤلاء هم المنافقون الذين يعيبون على المنفقين
إنفاقهم ، ويطعنون في عملهم ويؤولون ذلك على حسب ما تشتهيه نفوسهم القذرة .
في هؤلاء يقول سبحانه :
( الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم
. (١) فيسخرون منهم سخر االله منهم ولهم عذاب أليم )
وفي سبيل نزول هذه الآية « قيل أن عبد الرحمن بن عوف جاء الى النبي ( صلى االله عليه
وآله ) بصرةٍ من دراهم تملأ الكف ، وأتاه عتبة بن زيد الحارثي بصاع من تمر وقال : يا رسول
االله : عملت في النخل بصاعين فصاعٌ تركته لأهلي ، وصاع أقرضته ربي .
فقال : معتب بن قشير ، وعبد االله بن بنثل إن عبد الرحمن بن عوف رجل يحب الرياء ،
ويبتغي الذكر بذلك ، وإن االله غني عن الصاع من التمر ، فعابوا المكثر بالرياء ، والمقل
. (٢) بالاملاق
____________
(١) سورة التوبة : آية | ٧٩ .
(٢) مجمع البيان في تفسيره لهذه الآية .

===============
( ١٥٩ )

أن الحقد الدفين يظهر من خلال هذا العيب فلا المكثر في الصدقة مقبول في نظرهم ، ولا
المقل بل هم في دوامة من السرخية لمن تطوع بالصدقة . . . لذلك رد االله سخريتهم بقوله
سبحانه :
« سخر االله منهم » .
وطبيعي أن سخر االله هي : أن كتب لهم نار جهنم خالدين فيها ولهم عذاب اليم .

٣ ـ عدم رد السائل :
هذه صفة ممدوحة من صفات المنفق وهي : قبول السائل وعدم رده .
يقول الخبر عن الإمام جعفر بن محمد الصادق ( عليه السلام ) :
« إن رسول االله ( صلى االله عليه وآله ) ما منع سائلاً قط إن كان عنده أعطى وإلا قال : يأتي
. (١) االله به »
وجاء فيما ناجى االله به موسى بن عمران ( عليه السلام ) أنه قال :
. (٢) « يا موسى أكرم السائل ببذل يسير أو بردٍ جميل »
كل ذلك لئلا يخرج السائل كسير القلب مردوداً من قبل المعطي .
ثم من يدري فلعل عملية السؤال تكون امتحاناً من االله للمنفق ليراه االله ويكشف عما تجيش به
نفسه من حبه للخير للجميع بغض
____________
(١ و ٢) مجمع البيان في تفسيره لهذه الآية .

===============
( ١٦٠ )

النظر

شاهد أيضاً

المرأة حقوق وخرية وحجاب

الفصل الرابع: الوجه المشرق   القيام بعمل ثقافي كبير حول قضية المرأة وحقوقها ورفع الظلم …