زاد المبلغ في عاشوراء الجزء الأول

16

الموعظة السادسة والأربعون: حسن الجوار
وعن الإمام عليّ (عليه السلام): «جار السوء أعظم الضرّاء وأشدّ البلاء»[1].

وذلك لأنّ العلاقة مع جار السوء ليست علاقة عابرة، بل علاقة دائمة ويوميّة وحياتيّة.

إيذاء الجار

عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره»[2].

عن الإمام الرضا (عليه السلام): «ليس منّا من لم يأمن جاره بوائقه»[3].

عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتاه رجل من الأنصار، فقال: إنّي اشتريت دارًا من بني فلان، وإنّ أقرب جيراني منّي جوارًا من لا أرجو خيره ولا آمن شرّه، قال: فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليًّا وسلمان وأبا ذرّ -ونسيت آخر وأظنّه المقداد- أن ينادوا في المسجد بأعلى أصواتهم بأنّه لا إيمان لمن لم يأمن جاره بوائقه، فنادوا بها ثلاثا»[4].

تفقّد الجار

عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «ما أقرّ بي من بات شبعانًا وجاره المسلم جائع»[5].

وعن (صلى الله عليه وآله): «من منع الماعون جاره منعه الله خيره يوم القيامة، ووكله إلى نفسه، ومن وكله إلى نفسه فما أسوأ حاله»[6].

[1] الشيخ الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، ص222.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص667.

[3] المصدر نفسه، ص666.

[4] الشيخ الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج12، ص125.

[5] الشيخ الطوسيّ، الأمالي، ص520.

[6] الشيخ الصدوق، الأمالي، ص515.

315

301
الموعظة السادسة والأربعون: حسن الجوار
عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) -لأصحابه-: «ما آمن بالله واليوم الآخر من بات شبعانًا وجاره جائع»، فقلنا: هلكنا يا رسول الله، فقال: «من فضل طعامكم ومن فضل تمركم وورقكم وخلقكم وخرقكم، تطفئون بها غضب الربّ»[1].

حقّ الجار

عن الإمام زين العابدين (عليه السلام): «أمّا حقّ جارك فحفظه غائبًا، وإكرامه شاهدًا، ونصرته إذا كان مظلومًا، ولا تتبع له عورة، فإن علمت عليه سوءًا سترته عليه، وإن علمت أنّه يقبل نصيحتك نصحته فيما بينك وبينه، ولا تسلمه عند شديدة، وتقيل عثرته، وتغفر ذنبه، وتعاشره معاشرة كريمة»[2].

عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) -في حقوق الجار-: «إن استغاثك أغثته، وإن استقرضك أقرضته، وإن افتقر عدت عليه، وإن أصابته مصيبة عزّيته، وإن أصابه خير هنّأته، وإن مرض عدته، وإن مات اتبعت جنازته، ولا تستطل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلّا بإذنه، وإذا اشتريت فاكهة فأهد له، فإن لم تفعل فأدخلها سرّا، ولا تخرج بها ولدك تغيظ بها ولده، ولا تؤذه بريح قدرك إلّا أن تغرف له منها»[3].

حدّ الجار

عن الإمام عليّ (عليه السلام): «حريم المسجد أربعون ذراعا، والجوار أربعون دارًا من أربعة جوانبها»[4].

[1] الشيخ الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج17، ص209.

[2] الشيخ الريشهريّ، ميزان الحكمة، ج1، ص488.

[3] المصدر نفسه، ج1، ص488.

[4] المصدر نفسه.

316

302
الموعظة السابعة والأربعون: الاختلاط المحرّم
الموعظة السابعة والأربعون: الاختلاط المحرّم

التنبيه إلى كون الاختلاط من أكبر المفاسد الاجتماعيّة التي ينبغي محاربتها والحذر منها.

الموعظة

مفاسد الاختلاط المحرّم وآثاره
عدم الخضوع في القول
التزيّن والتبرّج في المجالس
الخوض في الأحاديث اللهويّة
اجتناب المزاح

تصدير الموعظة

الإمام عليّ (عليه السلام): «لا يخلو بامرأة رجل، فما من رجل خلا بامرأة إلّا كان الشيطان ثالثهما»[1].

[1] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، ج14، ص265.

317

303
الموعظة السابعة والأربعون: الاختلاط المحرّم
الموعظة السابعة والأربعون: الاختلاط المحرّم

التنبيه إلى كون الاختلاط من أكبر المفاسد الاجتماعيّة التي ينبغي محاربتها والحذر منها.

الموعظة

مفاسد الاختلاط المحرّم وآثاره
عدم الخضوع في القول
التزيّن والتبرّج في المجالس
الخوض في الأحاديث اللهويّة
اجتناب المزاح

تصدير الموعظة

الإمام عليّ (عليه السلام): «لا يخلو بامرأة رجل، فما من رجل خلا بامرأة إلّا كان الشيطان ثالثهما»[1].

[1] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، ج14، ص265.

317

304
الموعظة السابعة والأربعون: الاختلاط المحرّم
من الأمور المهمّة التي نبّهت عليها الشريعة في إطار تنظيم العلاقة بين الرجل بالمرأة خارج دائرة الزوجيّة والمحارم، أنّها دعت إلى تجنّب الاختلاط المحرّم الذي اعتبرته أرضًا خصبة للوقوع في الكثير من الانحرافات السلوكيّة التي قد يجد فيها الإنسان نفسه في لحظة ما قد فقد كلّ الدفاعات النفسيّة التي تقف في وجه وسوسات الشيطان والهوى والنفس الأمّارة بالسوء ليصبح صريعًا تحت سلطة إبليس.

فأرادت لهذه العلاقة أن تبقى في سموّها الإنسانيّ والإيمانيّ محذّرة من الوقوع في انحدارات الشهوة السلبيّة التي لا تشكّل خطرًا على الفرد فحسب، بل تدمّر مجتمعًا ودولًا، وهذا ما نشهده في الكثير من بقاع الأرض اليوم.

مفاسد الاختلاط المحرّم وآثاره

وأكّدت الروايات الشريفة الحنيفة على مراعاة جملة أمور في أيّ مجلس اختلاط حرصًا من الوقوع في الخطأ، بل ويمكن القول: إنّ كثيرًا من العلاقات المحرّمة والتي قد تصل إلى حدّ الزنا -أحيانًا- واللقاءات المحرّمة والخلوات المحرّمة وما يترتّب عليها من مفاسد اجتماعيّة تبدأ من الاختلاط المحرّم الذي ينبغي أن ينأى الإنسان بنفسه به حرصًا على نفسه وأهله وعياله.

عدم النظر

قال -تعالى-: ﴿قُل لِّلمُؤمِنِينَ يَغُضُّواْ مِن أَبصَٰرِهِم وَيَحفَظُواْ فُرُوجَهُم ذَٰلِكَ أَزكَىٰ لَهُم إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا يَصنَعُونَ ٣٠ وَقُل لِّلمُؤمِنَٰتِ

318

305
الموعظة السابعة والأربعون: الاختلاط المحرّم
يَغضُضنَ مِن أَبصَٰرِهِنَّ وَيَحفَظنَ فُرُوجَهُنَّ﴾[1]. وغضّ البصر خفضه وهو يتحقّق من خلال عدم التحديق والإمعان. وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة، وكفى بها لصاحبها فتنة»[2].

وعندما تحذّر النصوص من النظر معنى ذلك أنّه من غير الممكن للإنسان أن يمعن النظر في الطرف الآخر المحرّم دون أن يدخله شكّ أو ريبة أو تلذّذ أو سوى ذلك ممّا يشكّل مقدّمة للحرام؛ لأنّه سيصبح حالةً طبيعيّة واعتياديّة يغفل المرء عن سلبيّاتها وأخطارها.

عدم الخضوع في القول

قـال -تعالى-: ﴿يَٰنِسَاءَ ٱلنَّبِيِّ لَستُنَّ كَأَحَدٖ مِّنَ ٱلنِّسَاءِ إِنِ ٱتَّقَيتُنَّ فَلَا تَخضَعنَ بِٱلقَولِ فَيَطمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلبِهِ مَرَضٞ وَقُلنَ قَولٗا مَّعرُوفٗا﴾[3].

ومعنى الخضوع في القول أن تقدّم المرأة نفسها بطريقة مثيرة من خلال ترقيق القول وتلحين الكلام وتحسين الصوت وإبراز الأنا المصطنعة والظهور بمظهر الجمال والكمال المزيّف وكلّ ما من شأنه أن يحرف من في قلبه مرض من الرجال نحو الفساد والرذيلة.

التزيّن والتبرّج في المجالس

فإنّ الاختلاط بين الرجل والمرأة إذا رافقه تزيّن أو تطيّب أو لبس ألبسة ملفتة فإنّه من الطبيعي أن يدخل الشيطان إلى هذه المجالس

[1] سورة النور، الآية 30.

[2] الشيخ الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج20، ص52.

[3] سورة الأحزاب، الآية 32.

319

306
الموعظة السابعة والأربعون: الاختلاط المحرّم
ليجرّ أصحابها إلى النظر الحرام والقول الحرام ومن الممكن إلى الفعل الحرام كذلك.

الخوض في الأحاديث اللهويّة

والمراد أنّ طبيعة الحديث بين الرجل والمرأة غير المحارم إذا تمّ ينبغي الاقتصار فيه على حدّ الضرورة وعدم الدخول في أحاديث جانبيّة وحوارات مصطنعة ونقاشات لا تهدف إلّا لتقوية العلاقة بين الطرفين، ومع الأسف أن يعتبر البعض أنّ هذا المظهر من المظاهر الحضاريّة والتي تزيد من هامش الحرّيّة الفرديّة لدى الإنسان مع أنّ الإسلام اعتبره من أكبر المفاسد الاجتماعيّة وأبعدها عن الرقيّ والحضارة، وإنّ كثيرًا ممّا هو شائع اليوم من محادثات على صفحات الإنترنت ومواقع التعارف والأحاديث الخاصّة يندرج في هذا الإطار وتفتح الباب واسعًا أمام العلاقات المشبوهة والمحرّمة.

اجتناب المزاح

فإنّ كثرة المزاح تفتح الطريق للانزلاق في مسائل خاصّة والدخول في تفاصيل قد تؤدّي إلى محرّمات، فقد ورد عن أبي بصير أنّه قال: كنت أقرئ امرأة كنت أعلّمها القرآن، فمازحتها بشيء، فقدمت على أبي جعفر (عليه السلام)، فقال لي: «أيّ شيء قلت للمرأة؟»، فغطّيت وجهي، فقال: «لا تعودنّ إليها»[1].

[1] الشيخ الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج20، ص198.

320

307
الموعظة السابعة والأربعون: الاختلاط المحرّم
إنّ مراعاة ما ذكرناه من أمور كفيل بالحفاظ على المرأة ومكانتها وصونها عن الامتهان والمذلّة التي قد تتعرّض لها المرأة بفعل الاستغلال الرخيص لها… وهذا ما أكّد عليه أهل البيت (عليهم السلام) من خلال تعاليمهم وسيرة نسائهم الفاضلات اللواتي كنّ قدوة لنساء العالمين، كالسيّدة زينب (عليها السلام) التي كان يحرص أمير المؤمنين (عليه السلام) عليها- كما نقل- حتّى أنّه كان يطفأ سراج المسجد كي لا يرى أحد خيالها… ومن هنا، يعزّ على آل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما جرى على نسائهم يوم عاشوراء حيث سبيت فيه نساؤهم.

321

308
الموعظة الثامنة والأربعون: حرمة الدم في الإسلام
الموعظة الثامنة والأربعون: حرمة الدم في الإسلام

بيان خطورة قتل النفس بغير حقٍّ، وعِظم ذلك في الإسلام.

محاور الموعظة

أنواع القتل
قلب العبد قبل القتل
أوّل عمليّة قتل
من أعان على القتل
أعظم القتل

تصدير الموعظة

النبيّ (صلى الله عليه وآله): «لزوال الدنيا جميعًا أهون على الله من دمٍ سُفِكَ بغير حقٍّ»[1].

وعنه (صلى الله عليه وآله): «لا يغرَّنَّكم رحب الذِّراعين بالدم فإنّ له عند الله قاتلًا لا يموت». قالوا: يا رسول الله، وما قاتل لا يموت؟ فقال: «النّار»[2].

[1] المنذريّ، الترغيب والترهيب، ج3، ص293، رواه البيهقي وقريب منه مع اختلاف يسير عند مسلم والترمذيّ.

[2] الشيخ الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج19، ص4.

322

309
الموعظة الثامنة والأربعون: حرمة الدم في الإسلام
الأحكام الشرعيّة الصادرة متفاوتة من حيث الشدّة والضعف، وهي مختلفة باختلاف موضوعاتها، ولذا نجد أنّ الإسلام قد احتاط في بعضها كالفروج والدماء، ومعنى الاحتياط في الأوّل هو التشدّد في أحكام العلاقات الجنسيّة؛ وذلك لمنع التناسل من طريق الحرام أو الشبهة؛ وذلك لأنّ المولود من طريق الحرام سوف تترتّب عليه أحكام شرعيّة خاصّة علمًا أنّ كلّ ما حصل فهو خارج إرادته وليس له مدخليّة في ذلك، ومع هذا فلا يمكن إصلاحه تكوينيًّا، وأيضًا لا يجوز قتله تحت أيّ عنوان فالآثار المتأخّرة سببها الخطأ المتقدّم ولكيلا نصل إلى المتأخّر احتاطت الشريعة في المتقدّم.

وأمّا بالنسبة للاحتياط في الدماء، بمعنى أنّ الإسلام قد أصدر مجموعة من الأحكام يتشكّل منها منظومة من القوانين ذات الطابع التشريعيّ، وهي على مرحلتين: ففي الأولى منها، هي تلك الأحكام التي تقف حائلًا أمام كلّ من يوسوس له شيطانه للإقدام على القتل، وهي التي تحذّره من العواقب التي تنتظر القتلة والمجرمين سواء في الدنيا أو في الآخرة.

وفي المرحلة الثانية، هي الأحكام التي تقع عقيب حصول الجريمة لترشد إلى سبل كيفيّة المعالجة حتّى لا يعالج القتل بالقتل. وأمّا حكمة الاحتياط في الدماء فلعلّه لأجل أنّ النفس إذا أزهقت فلا تعالج بإرجاع الروح إلى الجسد ولذا شُرّعت أحكام تجبر هنا النقص ولتمنع الفساد الذي ربّما يحصل بسبب القتل وحتّى لا يستسهل الناس القتل.

323

310
الموعظة الثامنة والأربعون: حرمة الدم في الإسلام
أنواع القتل

تارة يقدم الإنسان على قتل نفسه وهو المعبّر عنه بالانتحار، وأخرى يقدم على قتل الغير، وهذا بدوره ينقسم إلى نوعين، فقد يكون القتل أصاب امرًا في عالم الدنيا، وقد يكون أصاب من هو في عالم الأرحام.

أمّا قتل الإنسان نفسه عمدًا فممَّا لا شكّ فيه هو عمل حرام وجريمة كأيّة جريمة قتل موصوفة، وباعتبار أنّه قاتل حقيقيّ فسوف يحاسب على أنّه قاتل، فعن الإمام الصادق (عليه السلام)، أنّه قال: «من قتل نفسه متعمّدًا فهو في نار جهنّم خالدًا فيها»[1].

نعم، باعتبار أنّه لم يبق على قيد الحياة فتسقط الأحكام المعيّنة في خصوص دار الدنيا المتوجّبة على القاتل من القصاص وتسقط الديّة عنه وأيضًا الكفّارة الواجبة في بعض الصور لعدم إمكانيّة أن يؤخذ منه شيء، ولا تخرج من تركته وأمّا محاسبته وحسابه يوم القيامة فذاك إلى الله -سبحانه وتعالى-.

وأمّا النوع الآخر من القتل، وهو قتل الأغيار، فلو أقدم على قتل الجنين في بطن أمّه فتارة يكون الجنين قبل أن تنفخ فيه الروح وأخرى بعد نفخ الروح فيه، ففي الأولى فعليه الكفّارة المقرّرة بحسب المراحلالمذكورة في الكتب الفقهيّة، وأمّا في الثانية فهو قاتل للنفس المحترمة ويترتّب على ذلك دفع الديّة كاملة.

[1] الشيخ الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج19، ص13.

324

311
الموعظة الثامنة والأربعون: حرمة الدم في الإسلام
قلب العبد قبل القتل

طالما لم يرتكب العبد جريمة قتل في دار الدنيا فيبقى في فسحة من دينه ويبقى قلبه يقبل الرغبة والرهبة إلى أن يصبح قاتلًا فينكس قلبه ويخسر دينه، وجزاؤه بنصّ القرآن الكريم هو جهنّم؛ إذ هناك موازاة بين بقاء الروح في الجسد وسلامة دين الإنسان، فإذا أزهق الروح فقد نكس قلبه، ويدلّ عليه ما جاء عن النبيّ (صلى الله عليه وآله): «لا يزال العبد في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا»[1].

وممّا روي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أيضًا: «لا يزال قلب العبد يقبل الرغبة والرهبة حتّى يسفك الدم الحرام، فإذا سفكه نكس قلبه…»[2].

أوّل عمليّة قتل

يحدّثنا القرآن الكريم أنّ أوّل عمليّة قتل حصلت عندما أقدم قابيل على قتل أخيه هابيل بسبب الحسد والغيرة، وقد أشار إلى هذا الموضوع بقوله -تعالى-: ﴿وَٱتلُ عَلَيهِم نَبَأَ ٱبنَي ءَادَمَ بِٱلحَقِّ إِذ قَرَّبَا قُربَانٗا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَم يُتَقَبَّل مِنَ ٱلأخَرِ قَالَ لَأَقتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلمُتَّقِينَ ٢٧ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٖ يَدِيَ إِلَيكَ لِأَقتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلعَٰلَمِينَ ٢٨ إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوأَ بِإِثمِي وَإِثمِكَ فَتَكُونَ مِن أَصحَٰبِ ٱلنَّارِ وَذَٰلِكَ جَزَٰؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾[3].

[1] المتّقي الهنديّ، كنز العمّال، ج15، ص24.

[2] المصدر نفسه، ج15، ص33.

[3] سورة المائدة، الآيات 27 – 29.

325

312
الموعظة الثامنة والأربعون: حرمة الدم في الإسلام
يمكن الاستفادة من الأمور الآتية:

أوّلًا: أنّ الحاجز الأساسيّ عن الإقدام على عمليّة القتل هو الخوف من الله-سبحانه وتعالى-، ولذا فإنّ زوال الخوف من النّفوس يسهِّل على البعض إزهاق النفوس بغير حقّ.

ثانيًا: يضاف إلى الإثم الذي يتحمّله القاتل بسبب القتل إثم المقتول وذنوبه، وقد دلَّ عليه ما رُوي عن الإمام الباقر (عليه السلام)، قال: «من قتل مؤمنًا متعمّدًا أثبت الله على قاتله جميع الذنوب وبرئ المقتول منها، وذلك قوله -عزَّ وجلَّ- مستشهدًا بالآية المذكورة»[1].

ثالثًا: إنّ القتل العمديّ بغير صورة حقّ فجزاؤه جهنّم ويدلّ عليه قوله -تعالى-: ﴿وَمَن يَقتُل مُؤمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمٗا﴾[2].

رابعًا: إنّ بعض الملكات الخبيثة التي تبتلى بها النفس تكون سببًا مساعدًا على ارتكاب الجريمة وسفك الدماء.

فكأنّما قتل الناس جميعًا

النفس إن كانت محقونة الدم فهي ممّا حرّم الله -تعالى- ولذا نهى عن قتلها، وهنا لو تجاوز أحد حدود ما حرّم الله -تعالى- وأقدم على إزهاق الروح وسفك دمها من دون حقّ فهو عمل حرام يؤدّي إلى الفساد في الأرض؛ لكونه يجرُؤ على الجريمة، ولذا نزل منزلة من قتل الناس جميعًا، وهنا قد سأل حمران بن أعين الإمام الباقر (عليه السلام) عن معنى فكأنّما قتل

[1] الشيخ الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج19، ص7.

[2] سورة النساء، الآية 93.

326

313
الموعظة الثامنة والأربعون: حرمة الدم في الإسلام
الناس جميعًا، فإنّما قتل واحدًا؟ فقال (عليه السلام): «يوضع في موضع من جهنّم إليه منتهى شدّة عذاب أهلها، ولو قتل النّاس جميعًا إنّما كان يدخل ذلك المكان»، قلت فإن قتل آخر؟ فقال: «يُضاعَف عليه»[1].

ويؤيّد ذلك ما جاء في الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «لَزوالُ الدنيا جميعًا أهون على الله من دمٍ سُفِكَ بغير حقّ»[2].

أوّل قضيّة يُحكَم بها

الأحكام الصادرة عن المحكمة الإلهيّة العادلة يوم القيامة تختلف باختلاف الجنايات والجنح والمخالفات في دار الدنيا وأمّا جدولة الموضوعات للمحاكمة إنّما هي خاضعة للمهمّ والأهمّ، وباعتبار أنّ الموضوع الأوّل الذي يحضر بين يدي الله-تعالى- هو الدماء فهذا يكشف كشفًا مبيّنًا عن عظمة الذنب المرتكَب وخطورة الجناية المفتعلة بما لها علاقة بالدماء.

فقد ورد في الحديث عن النبيّ (صلى الله عليه وآله): «أوّل ما يحاكم الله فيه يوم القيامة الدماء، فيوقف ابنَيْ آدم فيفصل بينهما، ثمّ الذين يلونهما من أصحاب الدماء حتّى لا يبقى منهم أحد، ثمّ النّاس بعد ذلك حتّى يأتي المقتول بقاتله فيتشخّب في دمه وجهه فيقول: هذا قتلني، فيقول: أنت قتلته؟ فلا يستطيع أن يكتم الله حديثًا»[3].

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج7، ص271.

[2] المنذريّ، الترغيب والترهيب، ج3، ص293.

[3] الشيخ الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج19، ص4 وأيضًا ورد في مجموعة كتب من الصحاح وغيرها عند السنّة باختلاف يسير.

327

314
الموعظة الثامنة والأربعون: حرمة الدم في الإسلام
من أعان على القتل

قد يكون الإنسان قاتلًا وإن لم يباشر عمليّة القتل، كما لو أعان غيره على قتل غيره فيما لو أرشده إلى مكان المقتول أو قدّم له معلومات تسهِّل الوصول إليه، أو أثار مشاعر بعضهم فتحرّك وقتل أحدًا، إلى غير ذلك من الأسباب غير المباشرة لعمليّة القتل، فهذا له محجمة من دم المقتول، ويدلّ عليه ما جاء في الروايات: «من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي الله يوم القيامة مكتوبًا بين عينيه آيس من رحمة الله»[1] وأيضًا: «إنّ الرجل لَيُدفع عن باب الجنّة أن ينظر إليها بمحجمة من دم يُريقه من مسلم بغير حقّ»[2].

أعظم القتل

لقد تبيّن أنّ سفك الدم الحرام هو من أعظم الذنوب، وهو أوّل ما يحضر للمحاكمة بين يدي الله -تعالى-، ولكنَّ أعظم شيء في القتل هو قتل المؤمن لأجل إيمانه، فهذا له العقوبات الآتية:

-جزاؤه جهنّم.

-مخلَّد فيها.

-الله غاضب عليه.

-ملعون.

-له عذاب عظيم.

وهذه العقوبات الخمس قد ترجمتها الآية 93 من سورة النساء، ويضاف إليه، فلا يوفّق للتوبة في دار الدنيا.

[1] المتّقي الهنديّ، كنز العمّال، ج15، ص22.

[2] المصدر نفسه، ص27.

328

315
الموعظة التاسعة والأربعون: الظلم في الحياة الاجتماعيّة
الموعظة التاسعة والأربعون: الظلم في الحياة الاجتماعيّة

إيضاح نظرة الإسلام إلى الظلم، وموقفه من الظالمين، ومظاهر الظلم في الحياة العامّة والاجتماعيّة.

محاور الموعظة

قبح الظلم عند البشر
وجوب نصرة المظلوم في الإسلام
مظاهر الظلم في الحياة الاجتماعيّة
الظلم في الحياة الاجتماعيّة بين الأسر والأرحام
الآثار الإيجابيّة لمراعاة حقوق المجتمع

تصدير الموعظة

الإمام الصادق (عليه السلام): «ما من مؤمن يعين مؤمنًا مظلومًا إلّا كان أفضل من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام، وما من مؤمن ينصر أخاه وهو يقدر على نصرته إلّا نصره الله في الدنيا والآخرة، وما من مؤمن يخذل أخاه وهو يقدر على نصرته إلّا خذله الله في الدنيا والآخرة»[1].

[1] الشيخ الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج12، ص292.

329

316
الموعظة التاسعة والأربعون: الظلم في الحياة الاجتماعيّة
الظلم عند أهل اللغة وكثير من العلماء: وضع الشيء في غير موضعه المختّصّ به، إمّا بنقصان أو بزيادة، وإمّا بعدول عن وقته أو مكانه… والظلم يقال في مجاوزة الحقّ الذي يجري مجرى نقطة في الدائرة ويقال فيما يكثر وفيما يقلّ من التجاوز[1].

قبح الظلم عند البشر

تشهد دراسة التاريخ البشريّ بأنّ الإنسان مهما كان دينه ومسلكه وانتماؤه، وأينما حلّ في بقاع الأرض، يُدرك بنفسه قُبح الظلم وحُسن العدل، كما يُدرك بنفسه حسن الوفاء بالعهد وقبح نقضه، وحُسن معونةِ المظلومين ونصرتهم، وقُبح إعانه الظالمين ونصرتهم.

ولهذا فإنّ الخروج على هذه القاعدة من قبل المتكبّرين في الماضي والحاضر، وظلم الشعوب وسلب مقدّراتها وعدم إعطائها ما تستحقّه هو من أجلى مصاديق الظلم والتكبّر والتعالي، بخاصّة أن أساس الظلم نابع إمّا من جهل الفاعل بقبح الظلم، أو كونه سفيهًا غير حكيم فهو يمارس الظلم مع علمه بقبحه وبرغم قدرته على القيام بالعدل، أو من احتياجه للظلم لحفظ مصالحه ومشاريعه وإن كان على حساب حقّ الناس وكرامتهم.

وجوب نصرة المظلوم في الإسلام

جاء الإسلام والناس متفرّقون شيعًا وأحزابًا وقبائل، فجمع الله به الناس، وألَّف به بين قلوبهم: قال الله -تعالى: ﴿وَٱذكُرُواْ نِعمَتَ ٱللَّهِ

[1] الراغب الأصفهانيّ، مفردات ألفاظ القرآن، ص537.

330

317
الموعظة التاسعة والأربعون: الظلم في الحياة الاجتماعيّة
عَلَيكُم إِذ كُنتُم أَعدَاءٗ فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُم فَأَصبَحتُم بِنِعمَتِهِ إِخوَٰنٗا﴾[1].

وقد ربَّى الإسلام أبناءه على استشعار أنّهم أفراد في مجموعة وأنّهم أجزاء من هذه الجماعة الكبيرة، فالمسلم بشعوره أنّه جزء من الجماعة يحبّ للأجزاء الأخرى مثل ما يحبّ لنفسه. فإنّ انتماء المسلم للجماعة يترتّب عليه حقوق وواجبات، ومن أعظمها واجب التناصر بين المسلمين. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول الله -عزّ وجلّ-: «وعزّتي وجلالي لأنتقمّنّ من الظالم في عاجله وآجله، ولأنتقمّنّ ممّن رأى مظلومًا فقدر أن ينصره فلم ينصره»[2]. وقد أوصى الإمام علي (عليه السلام) ولديه الحسن والحسين (عليه السلام) بقوله: «وكونا للظالم خصمًا، وللمظلوم عَوْنًا»[3].

ودعا الإمام الصادق (عليه السلام) إلى الالتصاق والاندكاك بجماعة المسلمين، فقال: «من فارق جماعة المسلمين قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه»[4].

مظاهر الظلم في الحياة الاجتماعيّة

جعل الإسلام كلّ مسلم مسؤولًا في بيئته الاجتماعيّة، يمارس دوره الاجتماعيّ من موقعه، ولتنظيم الحياة الاجتماعيّة شرّع العديد من التشريعات التي تحفظ حقوق الفرد والمجتمع في آن واحد، وبمراعاتها

[1] سورة آل عمران، الآية 103.

[2] الشيخ الريشهريّ، ميزان الحكمة، ج2، ص1774.

[3] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص421.

[4] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج1، ص405.

331

318
الموعظة التاسعة والأربعون: الظلم في الحياة الاجتماعيّة
تتحقّق السعادة لجميع الناس، والخروج على هذا النظام الاجتماعيّ يعني ظلم الآخرين وإيقاع الظلم عليهم، ونحن لتتضّح الصورة أكثر، سنطرح مصاديق الظلم الاجتماعيّ بملاحظة التشريعات الاجتماعيّة.

1. حرمة الظلم: إنّ حرمة ظلم النفس أو الآخرين من الواضحات في الدين الإسلاميّ، بل من واجبات كلّ مسلم تجاه أخيه المسلم تقديم العون له متى احتاج إليه، ودفع الظلم عنه إن كان مظلومًا، وكان النبيّ (صلى الله عليه وآله) يشحذ همم المسلمين ويحثّهم على نصرة المظلوم مبيّنًا أنّ الجزاء سيكون من جنس العمل: «ما من امرئ يخذل ٱمرأ مسلمًا عند موطن تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه عرضه إلّا خذله الله -عزّ وجلّ- في موطن يحبّ فيه نصرته وما من ٱمرئ ينصر ٱمرأ مسلمًا في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلّا نصره الله في موطن يحبّ فيه نصرته»[1].

2. النهي عن كلّ ما يفسد الأواصر الاجتماعيّة: نهى القرآن الكريم عن الاعتداء على الآخرين، بالظلم أو القتل أو غصب الأموال والممتلكات والاعتداء على الأعراض: ﴿وَلَا تَعتَدُواْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلمُعتَدِينَ﴾[2].

وحصر التعاون بالبرّ ونهى عن الإثم والعدوان، قال -تعالى-: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلبِرِّ وَٱلتَّقوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثمِ وَٱلعُدوَٰنِ﴾[3].

[1] أحمد بن حنبل، المسند (مسند أحمد)، ج4، ص30.

[2] سورة المائدة، الآية 87.

[3] سورة المائدة، الآية 2.

332

319
الموعظة التاسعة والأربعون: الظلم في الحياة الاجتماعيّة
3. النهي عن السخرية واللمز: قال -تعالى- ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسخَر قَومٞ مِّن قَومٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيرٗا مِّنهُم وَلَا نِسَاءٞ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيرٗا مِّنهُنَّ وَلَا تَلمِزُواْ أَنفُسَكُم وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلأَلقَٰبِ بِئسَ ٱلِٱسمُ ٱلفُسُوقُ بَعدَ ٱلإِيمَٰنِ﴾[1].

4. النهي عن هتك حرمات البيوت: وحرّم دخول بيوت الآخرين دون إذن منهم: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدخُلُواْ بُيُوتًا غَيرَ بُيُوتِكُم حَتَّىٰ تَستَأنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَهلِهَا﴾[2].

5. حرّمة الظنّ الآثم والتجسّس على الناس: قال -تعالى-: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعضَ ٱلظَّنِّ إِثمٞ وَ لَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغتَب بَّعضُكُم بَعضًا﴾[3].

6. حرمة إشاعة الفاحشة في المجتمع الإسلاميّ: قال -تعالى-: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾[4].

وهكذا يوفِّر القرآن في هذه اللائحة الطويلة والعريضة، ما يضمن توفير الحصانة للمجتمع البشريّ، وهو يضع النظام الدقيق والشامل، من أحكام، وقيم أخلاقيّة، ليكون الأمان والتآلف والتعايش والتكافل معالم أصيلة في الحياة الاجتماعيّة.

[1] سورة الحجرات، الآية 11.

[2] سورة النور، الآية 27.

[3] سورة الحجرات، الآية 12.

[4] سورة النور، الآية 19.

333

320

Check Also

إسرائيل” لم تلتزم ببنود وقف إطلاق النار بينما لبنان نفذ ما عليه

2026-01-07  في ظلّ تصاعد العدوانية “الإسرائيلية” على لبنان خاصة في الأيام الأخيرة، واستمرار الخروقات اليومية …