الفصل الثاني: النظرة الإسلامية في الموت
القرآن الكريم يخاطب اليهود الذين زعموا أنّهم (أولياء الله) قائلاً: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾1.
ثمّ يقول: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾2.
هؤلاء هم من النوع الذي أشرنا إليه آنفاً في القسم الثالث من وجهات النظر إلى الموت.
ثالثاً: متى يُطلب الموت؟
أولياء الله يعرضون عن طلب طول العمر في موضعين:
الأوّل: حين يشعرون بعدم قدرتهم على إحراز مزيد من النجاح في حياتهم، بل يحسون بالتناقض3 بدلاً من التكامل.
يقول الإمام عليّ بن الحسين عليهما السلام في دعائه: “إلهي وعمّرني ما دام عمري بذلة في طاعتك، فإن كان مرتعاً للشيطان فاقبضني إليك”4.
الثاني: الشهادة، فأولياء الله يطلبون من الله الموت في موضع الشهادة دونما شروط.
لأنّ الشهادة تنطوي على الخاصيّتين معاً: خاصيّة العمل، وخاصيّة التكامل.
1 سورة الجمعة، الآية: 6.
2 سورة الجمعة، الآية: 7.
3 في الأصل: بتناقص.
4 الصحيفة السجادية، ص92. (مِنْ دُعَائِه عَلَيْه السَّلَامُ فِي مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ ومَرْضِيِّ الأَفْعَالِ).
42
35
الفصل الثاني: النظرة الإسلامية في الموت
والحديث النبوي: “فوق كلّ ذي برٍّ برّ، حتى يقتل في سبيل الله، وإذا قتل في سبيل الله، فليس فوقه برّ”1 يؤكّد هذه الحقيقة.
ومن هنا الإمام عليّ عليه السلام يكاد يطير فرحاً حين يسمع من النبيّ أنّ مصيره الشهادة.
وعليّ عليه السلام تحدّث عن الموت كثيراً، وممّا قاله في هذا الصدد: “والله ما فجأني من الموت وارد كرهته ولا طالع أنكرته، وما كنت إلّا كقارب ورد وطالب وجد”2.
هذه النظرة إلى الموت بلغت من العمق والرسوخ في نفس (عليّ) بحيث رفع عقيرته حين هوى السيف على مفرق رأسه صبيحة التاسع عشر من رمضان مردداً: “فزت ورب الكعبة”3.
والحسين بن عليّ عليه السلام يروي عن جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال له: “إنّ لك منزلة عند الله لا تنالها إلّا بالشهادة”4.
إلى هنا، حللنا مسألة الموت والشهادة في (الإطار الفردي).
وتبيّن لنا: أنّ الموت على مسرح الشهادة فوز للشهيد ما بعده فوز، ويستحق الفرح والابتهاج في ذكريات استشهاد أئمتنا.
1 تقدم تخريجه سابقاً.
2 نهج البلاغة، ص378.
3 ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، ج1، ص385.
4 الشيخ الصدوق، الأمالي، ص217.
43
36
الفصل الثاني: النظرة الإسلامية في الموت
ومن هنا يقول السيد ابن طاووس: لو لم تصل إلينا الأوامر بالتعزيّة، لأقمنا حفلات الابتهاج في ذكريات استشهاد أئمّتنا.
ومن هنا أيضاً، يحقّ للمسيحيين أن يقيموا حفلات سارة بمناسبة استشهاد المسيح – كما يعتقدون – والإسلام يصرح بأنّ الشهادة فوز للشهيد لا غير.
رابعاً: الإطار الاجتماعي للشهادة
التحليل السابق – كما ذكرنا – يقتصر على (الإطار الفردي) لمسألة الشهادة.. ولهذه المسألة – في نظر الإسلام – إطار آخر هو (الإطار الاجتماعي).
الإطار الاجتماعي للشهادة ينظر إلى المسألة باعتبارها ظاهرة لها جذورها الممتدة في أعماق المجتمع، ولها آثارها الجسيمة التي ستتركها على الحياة الاجتماعية.
موقف المجتمع من الشهيد ومن حادثة الشهادة لا يرتبط بالشهيد ذاته فقط بما حقّقه الشهيد من نجاح فردي، أو بما مُني به من فشل فردي فحسب.. بل إنّ هذا الموقف يرتبط برد الفعل الذي سيبديه المجتمع تجاه الشهيد، وتجاه جبهة الشهيد من جهة، وتجاه الجبهة المعارضة للشهيد من جهة أخرى.
الشهيد يرتبط بمجتمعه عن طريقين:
الأوّل: ارتباطه بأفراد حرموا من وجوده ومن معطياته.
ووقع الشهادة على هؤلاء الأفراد مؤلم محزن. وإن بكى هؤلاء على الشهيد فإنّما يبكون في الحقيقة على أنفسهم.
44
37
الفصل الثاني: النظرة الإسلامية في الموت
الثاني: ارتباطه بالأفراد الذين ثار الشهيد بوجههم، لما بثّوه في المجتمع من إثم وفساد.
أي ارتباطه بالجو الفاسد الذي ناضل الشهيد لمحوه وسقط صريعاً على طريق نضاله.
هذا الارتباط يلقي على المجتمع أوّل درس من دروس الشهيد.
هذا الدرس يتلخّص في الطلب من أفراد المجتمع عدم السماح للأجواء الفاسدة أن تظهر في المجتمع..
شهادة الشهيد تطرح في إطار هذا الدرس على أنّها أمر مؤلم مفجع، لكن هذا الألم يتحوّل في نفوس الأفراد إلى سخط على الذين ثار الشهيد بوجههم، وعلى الذين قتل الشهيد بأيديهم..
وهذا السخط يحول دون ظهور قتلة جناة في المجتمع.
وهذا الدرس نتلمس آثاره في الذين تربوا في مجالس العزاء الواقعية على الحسين عليه السلام، إنّهم يأبون أن يتشبهوا قيد أنملة بقتلة الحسين عليه السلام.
وللشهادة دروس اجتماعية أخرى. المجتمعات الإنسانية لا تخلو من أجواء فاسدة تتطلب الشهادة.
وهنا ينبغي دفع مشاعر أفراد المجتمع على طريق الاستشهاد، عن طريق سرد ما قام به الشهيد من أعمال بطولية عن “وعي” و”اختيار”.
فعن هذا الطريق ترتفع مشاعر أفراد المجتمع إلى مستوى
45
38
الولاية الاخبارية موقع اخباري وثقافي لمن يسلك الطريق الی الله