علوم القرآن محاضرات القاها حجة الاسلام السيد محمد باقر الحكيم

رجل قد كان أسلم، فأمر أهله أن يتأهبوا للمسير، ثم انطلق حتى أتى عسكر
خالد، ودخل على عمار، فقال يا أبا اليقظان اني منكم وان قومي لما سمعوا بكم
هربوا وأقمت لاسلامي أفنافعي ذلك، أو أهرب كما هرب قومي؟ فقال: أقم فان
ذلك نافعك، وانصرف الرجل إلى أهله وأمرهم بالمقام.
وأصبح خالد فغار على القوم فلم يجد غير ذلك الرجل، فأخذه وأخذ ماله،
فأتاه عمار فقال أخل سبيل الرجل فإنه مسلم، وقد كنت آمنته فأمرته بالمقام،
فقال خالد أنت تجير علي وأنا الأمير، فقال: نعم أنا أجير عليك وأنت الأمير،
فكان في ذلك بينهما كلام، فانصرفوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فأخبروه خبر
الرجل، فآمنه
النبي (صلى الله عليه وآله) وأجاز أمان عمار، ونهاه أن يجير بعد ذلك على أمير بغير
اذنه.
قال واستب عمار وخالد بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأغلظ عمار لخالد،
فغضب
خالد وقال يا رسول الله أتدع هذا العبد يشتمني، فوالله لولا أنت ما شتمني، وكان
عمار مولى لهاشم بن المغيرة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا خالد كف عن
عمار، فإنه
من يسب عمارا يسبه الله، ومن يبغض عمارا يبغضه الله. فقام عمار فتبعه خالد
فأخذ بثوبه، وسأله أن يرضى عنه فرضي عنه، فأنزل الله تعالى هذه الآية: (يا
أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) (١) وأمر بطاعة
اولي الامر (٢).
والتلفيق في هذه الرواية واضح لما فيها من التناقض في الاحكام والمواقف
بالشكل الذي لا ينسجم مع أوضاع أبطالها الثلاثة: رسول الله وعمار وخالد،
فلماذا يحتاج هذا الرجل المسلم إلى أن يجيره شخص من السرية، ليكون آمنا ولا
يكفيه اسلامه في ذلك حتى يقع النزاع بين عمار وخالد فيمن يجير؟! وكيف يسب
——————–
(١) النساء: .٥٩
(٢) الواحدي، أسباب النزول: .١١٨
(٣٠٥)
عمار خالدا بعد أن حقق عمار هدفه في الحصول على أمان للرجل من رسول
الله (صلى الله عليه وآله) وبعد نهي رسول الله له – كما تفرض الرواية – بمخالفة أمير
السرية؟! ثم
كيف ينتصر النبي لعمار على خالد والرواية تظهر عمارا كظالم لخالد؟! ثم كيف
يترضى خالد عمارا بعد ظلم عمار له، وبعد أن تكشف خالد عن نفسية جاهلية
تأبى عليه هذا الذل؟!
وبعد كل هذا ألا يجوز لنا أن نحكم بتزوير هذه الرواية لمصلحة خالد بن الوليد
على حساب الصحابي المجاهد المناهض للظلم عمار بن ياسر؟
(٣٠٦)
التفسير في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)
تمهيد:
من أجل أن نوضح المعالم الأساسية والميزات الخاصة التي تتميز بها
مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في التفسير، لا بد أن نشير إلى نقطتين لهما أهمية
بهذا
الصدد:
الأولى: نظرة أهل البيت (عليهم السلام) إلى القرآن الكريم.
الثانية: نظرة أهل البيت (عليهم السلام) العامة إلى طرق إثبات الحقائق والوصول إلى
فهم القرآن الكريم والشريعة الاسلامية ومعرفة السنة النبوية.
نقطتان مميزتان للتفسير في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام):
النقطة الأولى: نظرة أهل البيت (عليهم السلام) إلى القرآن الكريم:
في البداية لا بد أن نشير إلى نظرة أهل البيت (عليهم السلام) المتميزة في تقديس
القرآن
الكريم، حيث يضعونه في المرتبة الثانية بعد الله تعالى، والى اهتمامهم الخاص في
حفظ وتعلم القرآن الكريم وقراءته فإنها أفضل العبادات، واحترامه وأهميته
والتفاعل معه والتفكير والتدبر في آياته من خلال مئات الأحاديث التي وردت
عنهم (عليهم السلام) في الحث على ذلك، وتقديرهم واحترامهم الخاص لحملة القرآن
ودورهم في الحياة الاجتماعية وذكر مقاماتهم عند الله تعالى، وبيان الأجر والثواب
المترتب على كل هذه الأعمال المرتبطة بالقرآن، فهو شفيع، يشفع يوم
(٣٠٧)
القيامة، بل هو أفضل شفيع… (١) إضافة إلى كل ذلك نذكر أمرين رئيسين:
أحدهما: ثبوت النص القرآني:
إن القرآن الكريم المتداول بين المسلمين هو مجموع ما نزل على النبي (صلى الله عليه
وآله) في
مدة نبوته ورسالته، باعتباره كلاما إلهيا دون زيادة أو نقصان، وهو ما نسميه
بثبوت النص القرآني وسلامته من التحريف بالزيادة أو النقيصة، وقد أوضحنا
القرائن والأدلة على هذه الحقيقة في بحثنا السابق ثبوت النص القرآني.
وبهذا الصدد لا بد أن نشير إلى ظاهرتين مهمتين توضحان الصورة والموقف
تجاه قضية تحريف القرآن الكريم:
١ – إن المسلمين جميعا سنة وشيعة – بالرغم من اختلاف مذاهبهم الفقهية
والكلامية، وتعدد آرائهم، ومواقفهم في فهم التأريخ والسنة وتفسيرهم
للاحداث – متفقون على تداول نص واحد من القرآن الكريم وفي جميع العصور،
بحيث لا نجد في جميع الأصقاع والاقطار الاسلامية أو غيرها، وفي زوايا المكتبات
القديمة والحديثة أي نص آخر للقرآن الكريم غير النص الذي يتداولونه بشكل
عام، الامر الذي يؤكد حقيقة سلامة النص القرآني ويبطل كل الشبهات
والاثارات التي يتداولها بعض الاشخاص لاتهام فرقة أو جماعة من المسلمين
بأنهم يعتقدون بالتحريف.
ولا شك أن هذه الإثارات والشبهات لها خلفية وأهداف سياسية أو اجتماعية
أو مذهبية متعصبة، وان كان بعض من يتداولها ممن وقع في هوة التضليل والجهالة
دون نية سيئة.
٢ – اننا نجد على مستوى الروايات والأحاديث، وأحيانا على مستوى الأبحاث
——————–
(١) راجع ما ذكره صاحب كتاب جامع أحاديث الشيعة الجزء: ،١٥ فإنه ذكر أكثر من
سبعمائة حديث تتناول مختلف هذه الابعاد.
(٣٠٨)
العلمية والاراء النظرية ما يمكن أن يوهم بالتحريف والنقيصة، سواء على مستوى
علماء وحفاظ جمهور المسلمين، كالبخاري ومسلم وغيره، أو مستوى حفاظ
وعلماء أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، الامر الذي لا بد من معالجته بالموقف
الواضح
والتسالم القطعي بين المسلمين على سلامة القرآن من التحريف أو تأويل هذه
الروايات والأحاديث أو الآراء، كما أشرنا إلى ذلك في بحث ثبوت النص القرآني.
ولا يستفيد من مثل هذه الإثارات إلا أعداء الاسلام والقرآن من المستشرقين
والمبشرين والصهاينة والاستكبار العالمي الغربي، أو الملاحدة والمرتدين من
أوساط المجتمعات الاسلامية.
ولكن لا بد أن نشير هنا إلى أن هذه الروايات والاثارات انما كانت إحدى
النتائج الخطرة – التي تمت الإشارة إليها في البحث السابق – بسبب عدم التمييز بين
المستويين (العام والخاص) من التفسير، وإبعاد أهل البيت (عليهم السلام) عن دورهم
في
المرجعية الدينية على المستوى الخاص وخصوصا في التفسير، الامر الذي جعل
الأمور تختلط على المسلمين بهذا الشكل، ولولا العناية الإلهية والاهتمام الخاص
الذي أولاه النبي (صلى الله عليه وآله)، وأهل البيت (عليهم السلام) وكبار الصحابة
والمسلمون بشكل عام،
في استظهار القرآن وحفظه لحدثت كارثة بين المسلمين تشبه ما تعرضت له
الديانات الإلهية السابقة.
والاخر: القرآن الكريم هو المرجع العام للرسالة الاسلامية:
إن القرآن الكريم هو المرجع الأول والمصدر العام للرسالة الاسلامية بكل
أبعادها – والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه – ومنها العقيدة
والشريعة الاسلامية والسنن التأريخية والنظرة العامة للكون والحياة والمجتمع
والسلوك الانساني.
والسنة النبوية وان كانت تمثل المرجع الاخر، إلا أن القرآن الكريم يمتاز على
(٣٠٩)
السنة النبوية في ثبوته بنصه يقينا وفي قدسيته باعتباره الكلام الإلهي، ومن ثم
يكون المرجع للسنة عند الشك في ثبوت مضمونها أو نصها، ولا يقبل من الحديث
إلا ما كان موافقا للقرآن الكريم.
كما أن أهل البيت (عليهم السلام) ينظرون إلى السنة النبوية القطعية نظرة التقديس،
ويضعونها حكما يمكن تمييز صحة حديثهم من خلال موافقتها، كما يمكن رد
الحديث والحكم عليه بالبطلان من خلال مخالفته للسنة النبوية فضلا عن مخالفته
للقرآن، ولا يجدون أي مبرر للاجتهاد في مقابل النص القرآني، ويمكن أن نحدد
– بشكل إجمالي – نظرة أهل البيت إلى منزلة القرآن الكريم من هذه الزاوية في
الابعاد التالية:
١ – إن القرآن الكريم يمثل شاهدا على الحق والباطل في مضمون الأحاديث
والروايات التي تنسب إلى النبي (صلى الله عليه وآله) أو أهل البيت (عليهم السلام)،
حيث يمكن من خلاله
تمييز الحق من الباطل.
فقد روى ثقة الاسلام الكليني في الكافي عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن
النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): “
إن على كل
حق حقيقة وعلى كل صواب نورا، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب
الله فدعوه “. وقد رواه البرقي في المحاسن والصدوق في الأمالي بسندهما عن
النوفلي والسكوني (١).
وفي رواية أخرى للكليني صحيحة السند عن هشام بن الحكم وغيره، عن أبي
عبد الله (الصادق) (عليه السلام) قال: خطب النبي (صلى الله عليه وآله) بمنى، فقال: “
أيها الناس ما
جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله ” (٢).
——————–
(١) وسائل الشيعة :١٨ .٧٨
(٢) المصدر السابق: ٧٩ الحديث .١٥
(٣١٠)

شاهد أيضاً

ماذا لو أعلن عن فشل حملة أمريكا على إيران فهل تصبح إيران سيدة العالم

حيدري نظر إذا كنت تقصد سيناريو إعلان الولايات المتحدة فشل حملتها على إيران، واضطرارها إلى …