علوم القرآن محاضرات القاها حجة الاسلام السيد محمد باقر الحكيم

وقد رواه البرقي في المحاسن أيضا.
وفي صحيحة أخرى للكليني عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله
(الصادق) (عليه السلام) قال: ” الوقوف عند الشبهة خير من اقتحام الهلكة، إن على
كل
حق حقيقة وعلى كل صواب نورا، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب
الله فدعوه ” (١).
٢ – وقد ورد في بعض الروايات عن أهل البيت (عليهم السلام) أن لكل شئ في
الشريعة
الاسلامية أصلا في القرآن الكريم، ولكن لا يمكن لعامة الناس أن يفهموه
ويرجعوه إلى القرآن الكريم، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: ” ما من أمر
يختلف
فيه اثنان إلا وله أصل في كتاب الله ولكن لا تبلغه العقول ” (٢).
وسيأتي مزيد من التوضيح لهذا البعد في هذا البحث.
٣ – ارجاع جميع الشروط والالتزامات والعهود والعقود إلى القرآن الكريم،
بحيث لا يصح أن نقبل أي شئ من هذه الالتزامات والعهود، إذا كان مخالفا
للكتاب.
وقد ورد هذا المعنى في الأحاديث المروية عن طرق الفريقين وهو أمر متفق
عليه بين عامة المسلمين.
ففي حديث عن الصادق (عليه السلام): ” المسلمون عند شروطهم إلا كل شرط خالف
كتاب الله عز وجل فلا يجوز ” وفي حديث آخر ” وإن كان شرطا يخالف كتاب الله
عز وجل فهو رد إلى كتاب الله ” (٣).
٤ – الرجوع إلى الكتاب لتمييز وترجيح أحد الحديثين المختلفين في حالة
——————–
(١) وسائل الشيعة :١٨ ٨٦ الحديث ،٣٥ والصفحة ٨٦ الحديث .٣٧
(٢) المصدر السابق :١٧ ٥٨١ الحديث .٣
(٣) المصدر السابق :١٢ ٣٥٣ الحديث ٢ و .٤
(٣١١)
التعارض وذلك في الموارد التي يكون فيها الحديث مخصصا أو مقيدا أو مبينا
للقرآن الكريم، ولكن يوجد ما يعارضه في مضمونه، فإن ما يكون موافقا للعام
القرآني واطلاق الكتاب الكريم يكون مقدما ومرجحا على الحديث الاخر.
فقد روى سعيد بن هبة الله الراوندي بسنده عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله
قال: قال الصادق (عليه السلام): ” إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على
كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فردوه… ” (١).
كما روى الصدوق في عيون الاخبار بسند صحيح، عن محمد بن عبد الله
السمعي، عن أحمد بن الحسن الميثمي أنه سأل الرضا (عليه السلام) يوما وقد اجتمع
عنده
قوم من أصحابه، وقد كانوا يتنازعون في الحديثين المختلفين عن رسول الله (صلى الله
عليه وآله)
في الشئ الواحد، فقال – في حديث :- ” ما ورد عليكم من خبرين مختلفين
فاعرضوهما على كتاب الله، فما كان في كتاب الله موجودا حلالا أو حراما فاتبعوا
ما وافق كتاب الله… ” (٢).
كما إن في الأحاديث التي وردت بصدد البعد الأول ما يؤيد ويؤكد هذا المعنى.
النقطة الثانية: نظرة أهل البيت: العامة إلى طرق الاثبات:
إن من الملاحظ أن أهل البيت (عليهم السلام) قد أكدوا في كثير من الروايات
والنصوص
أهمية سلوك طريق العلم والمناهج العلمية في الوصول إلى حقائق الاسلام
والقرآن.
وهنا يمكن أن يثار هذا السؤال وهو أننا نعرف بأن القرآن الكريم تناول هذا
الموضوع بشكل واسع في مثل قوله تعالى: (… ان الظن لا يغني من الحق شيئا) (٣)
——————–
(١) وسائل الشيعة :١٨ ٨٤ الحديث .٢٩
(٢) المصدر السابق: ٨٢ الحديث .٢١
(٣) النجم: .٢٨
(٣١٢)
وقوله تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم أن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان
عنه مسؤولا) (١) وغير ذلك من الآيات الكثيرة.
كما أن السنة النبوية الثابتة لدى المسلمين جميعا أكدت ذلك أيضا خصوصا في
مجال تفسير القرآن، حيث ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله): أنه من فسر القرآن
برأيه فقد
كفر، فما هو السبب في شدة تأكيد أهل البيت هذا الموضوع؟ وهل هو مجرد انسجام
مع القرآن الكريم والسنة النبوية، أو أن الأوضاع التي كان يعيشها المسلمون
تقتضي هذا التأكيد؟
والذي يبدو من خلال مراجعة التأريخ الاسلامي وخصوصا تأريخ تطور
(علم الحديث) من ناحية، والظروف التي مر بها العالم الاسلامي في الصدر الأول
للاسلام من ناحية أخرى، والنصوص الكثيرة التي وردت عن أهل البيت (عليهم
السلام)،
أن هناك مجموعة من القضايا والمشاكل والظواهر شهدتها الأمة الاسلامية أدت
إلى هذه الإثارات والتأكيدات من قبل مدرسة أهل البيت، منها:
١ – المنع الذي فرضه الخليفة الثاني عمر على تدوين الحديث – وقد استمر إلى
عهد الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز مع غض النظر عن تفسير خلفياته
وأسبابه – أدى بطبيعة الحال إلى ضياع الكثير من السنة النبوية أو عدم ضبطها
بشكل مناسب، الامر الذي فتح الباب واسعا أمام حركة (الرأي) و (الظن)
و (الاجتهاد) للوصول إلى الحكم الشرعي.
٢ – المشكلات الجديدة التي واجهها العالم الاسلامي بسبب الفتح الاسلامي
الواسع سواء على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، أو الحكم وادارته، أو على
مستوى الفرد والجماعة والعلاقات السياسية والتي تحتاج إلى معالجة على ضوء
الشريعة الاسلامية.
——————–
(١) الاسراء: .٣٦
(٣١٣)
٣ – اضفاء الشرعية والحجية – في القول والعمل – على كل من عاصر النبي أو
سمع منه ولو لمدة بسيطة أو في الأماكن العامة بحيث يكون مرجعا للمسلمين في
الشؤون الدينية، استنادا إلى فكرة عدالة جميع هؤلاء الافراد على الاطلاق دون
وضع أصول وضوابط في ذلك، مثل: الورع، والضبط، والاستيعاب، والاحاطة
بالظروف الحالية والمقالية التي ورد فيها النص، أو حتى الاطلاع على النصوص
الأخرى والمعالم المتعددة للسنة النبوية من أقوال وأفعال واقرار، والتي تلقي
الضوء على مضمون النص أو تفسيره وتوضيحه وتبيينه، فكان شأن المسلمين
حينذاك في كثير من الأحيان شأن من يحاول استنباط الأحكام الشرعية في
العصور المتأخرة بمجرد الرجوع إلى رواية يجدها في أحد الكتب الحديثة دون
الفحص عن الروايات الأخرى أو رجال الحديث الذين رووا هذه الرواية.
إن صحبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) شئ مقدس ولها نتائج وإيحاءات روحية
ومعنوية
عظيمة، ولكن اضفاء هذا العنوان على كل من عاصر رسول الله أو التقى به أو سمع
منه، مع أن فيهم (المنافق الذي مرد على النفاق)، و (الاعرابي)، و (الساذج)، أو
الذي خلط عملا صالحا بآخر سيئ، أو عرف من الاسلام مجرد مفاهيم عامة
وشعارات وطقوس دون أن يدخل الايمان إلى قلبه أو يتربى على المعرفة
والأخلاق والعقائد والآداب الاسلامية، أو دون أن يعرف التقوى حق المعرفة،
أو كان ممن بقيت في أعماقه رواسب العادات والأخلاق الجاهلية والأفكار
الوثنية.
إن وجود مثل هذه الأصناف في المجتمع الاسلامي الذي عاصر الرسول (صلى الله عليه
وآله)
حقيقة لا يمكن لاحد انكارها، حيث تحدث عنها القرآن الكريم والسنة النبوية
والتأريخ الاسلامي، ودلت على هذه الحقيقة مجمل الاحداث والتصرفات
والمواقف والسلوكيات التي صدرت عن هؤلاء المعاصرين.
(٣١٤)
٤ – الأغراض السيئة لبعض الجماعات والافراد التي كان لها مواقع في المجتمع
الاسلامي، وخصوصا في العهد الأموي من دون فرق بين الأغراض السياسية، أو
النفعية الذاتية، أو الأخلاقية التي تنطلق من الحسد والحقد أو النعرات الجاهلية في
الصراعات القبلية الموروثة.
إن هذه الأغراض كان لها دور كبير ومهم في ايجاد الفوضى والاضطراب،
واستغلال الفراغ الذي تركه عدم تدوين السنة النبوية وعدم تشخيص المرجعية
الدينية للمسلمين المتمثلة بأهل البيت (عليهم السلام).
ولا نريد بهذه المعالجة أن نشير إلى جميع هذه القضايا والمشاكل، ولكن نريد
ان نوضح الأوضاع والظروف التي ولدت فيها حركة الرأي والاجتهاد والحدس
الذي لا يعتمد على الضوابط والأصول.
كما لا نريد هنا أيضا أن نتناول قضية تم بحثها في علم الأصول ترتبط بالأدلة
الظنية التي أنكرها أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، مثل (القياس) و (الاستحسان)
و (المصالح المرسلة) و (رأي الصحابي) وغيرها، فإن بحث هذا الموضوع له مجال
آخر، وإنما نريد أن نشير هنا إلى نقطة محورية في هذا البحث وهي: أن أهل
البيت (عليهم السلام) كانوا يرون أن طريق الوصول إلى حقائق الاسلام بقي مفتوحا
وميسورا من خلالهم، أي من خلال الإمام علي (عليه السلام) الذي هو باب مدينة العلم
الذي اعتمده النبي (صلى الله عليه وآله) وعلمه القرآن وتفسيره، حيث دون كل هذه
المعلومات
في صحيفة جامعة، اشتملت على جميع تفاصيل الشريعة حتى أرش الخدش
وأحاط بالقرآن الكريم:
في المضمون وفي العمق، فهو يعرف ظاهره وباطنه ومحكمه ومتشابهه،
وفي نصه وآفاقه، فهو يعرف ناسخه ومنسوخه وعامه وخاصه ومطلقه
ومقيده.
(٣١٥)

شاهد أيضاً

9 نقاط ضعف وهشاشة لدى أمريكا وجبهة الاستكبار في مواجهة الثورة الإسلاميّة

خلال خطبتي صلاة الجمعة بمدينة قم المقدّسة.. آية اللّه الأعرافيّ: 9 نقاط ضعف وهشاشة لدى …