تفسير الميزان : السيد الطباطبائي

ا
جا الجزء الأول ١٠٦
من طريق الآثار والأفاعيل ، بأن شاهدنا من طرق الحواس أفاعيل متنوعة وآثاراً
مختلفة من غير أن تنال الحواس في إحساسها امراً وراء الآثار العرضية ، ثم أثبتنا من
طريق القياس والبرهان علة فاعلة لها وموضوعاً يقومها ثم حكمنا باختلاف هذه
الموضوعات أعني الأنواع لإختلاف الآثار والأفاعيل المشهودة لنا ، فالإختلاف المشهود
في آثار الانسان وساير الأنواع الحيوانية مثلا هو الموجب للحكم بأن هناك انواعــا
مختلفة تسمى بكذا وكذا ولها آثار وأفاعيل كذا وكذا ، وكذا الاختلافات
بين الأعراض والأفاعيل إنما نثبتها ونحكم بها من ناحية موضوعاتها أو خواصها .
و كيف كان فالافاعيل بالنسبة الى موضوعاتها تنقسم بانقسام أولى الى قسمين :
الاول : الفعل الصادر عن الطبيعة من غير دخل للعلم في صدوره كأفعال النشوء والنمو
والتغذي للنبات والحركات للأجسام ، ومن هذا القبيل الصحة والمرض وأمثال ذلك
فإنها وإن كانت معلومة لنا وقائمة بنا الا أن تعلق العلم بها لا يؤثر في وجودها وصدورها
شيئاً وانما هي مستندة تمام الاستناد الى فاعلها الطبيعي ، والثاني : الفعل الصادر عن
الفاعل من حيث أنه معلوم تعلق به العلم كما في الأفعال الارادية للانسان وساير ذوات
الشعور من الحيوان ، فهذا القسم من الفعل انما يفعله فاعله من حيث تعلق العلم به
و تشخيصه و تمييزه ، فالعلم فيه انما يفيد تعيينه و تمييزه من غيره، وهذا التمييز والتعيين
انما يتحقق من جهة انطباق مفهوم يكون كمالاً للفاعل انطباقاً بواسطة العلم ، فإن الفاعل
أي فاعل كان إنما يفعل من الفعل ما يكون مقتضى كماله و تمام وجوده فالفعل الصادر
عن العلم إنما يحتاج إلى العلم من جهة أن يتميز عند الفاعل ما هو كمال له عن ما ليس
بكمال له .
ومن هنا ما نرى أن الأفعال الصادرة عن الملكات كصدور أصوات الحروف
منظمة عن الانسان المتكلم ، وكذا الافعال الصادرة عنها مع اقتضاء ما ومداخلة
من الطبيعة كصدور التنفس عن الانسان ، وكذا الافعال الصادرة عن الانسان
بغلبة الحزن أو الخوف أو غير ذلك كل ذلك لا يحتاج الى ترو من الفاعل ، إذ ليس
هناك إلا صورة علمية واحدة منطبقة على الفعل والفاعل لا حالة منتظرة الفعله، فيفعل
البتة ، واما الأفعال التي لها صور علمية متعددة تكون هي من جهة بعضها مصداق
۱۰۷ سورة البقرة آية ٢٧٢٦
كمال الانسان حقيقة أو تخيلا ، ومن جهة بعضها غير مصداق لكماله الحقيقي أو التخيلي
كما أن الخبز بالنسبة الى زيد الجائع كذلك فإنه مشبع رافع لجوعه ويمكن أن يكون
مال الغير ويمكن أن يكون مسموماً ويمكن أن يكون قذراً يتنفر عنه الطبع ، وهكذا
و الانسان انما يتروى فيما يتروى لترجيح أحد هذه العناوين في انطباقه على الخبز مثلا ،
فاذا تعين أحد العناوين وسقطت بقيتها وصار مصداقاً لكمال الفاعل لم يلبث الفاعل في
فعله أصلا ، والقسم الاول : نسقيه فعلا إضطرارياً كالتأثيرات الطبيعية . والقسم
الثاني : نسميه فعلا إرادياً كالمشي والتكلم .
والفعل الارادي : الصادر عن علم وارادة ينقسم ثانياً الى قسمين: فإن ترجيح احد
جاني الفعل والترك إما مستند إلى نفس الفاعل من غير أن يتأثر عن آخر كالجائع الذي
يتروى في أكل خبز موجود عنده حتى رجح أن يبقيه ولا يأكله لأنه كان مال الغير من
غير إذن منه في التصرف فانتخب الحفظ واختاره أو رجح الأكل فأكله إختياراً ،
وإما أن يكون الترجيح والتعيين مستنداً الى تأثير الغير كمن يجبره جبار على فعل بتهديده
بقتل أو نحوه فعله إجباراً من غير أن يكون متعينا بانتخابه واختياره والقسم الأول.
يسمى فعلا اختياريا، والثاني فعلا اجباري هذا ، وانت تجد بجودة التأمل أن الفعل الإجباري
وإن أسندناه إلى إجبار الجبر وأنه هو الذي يجعل أحد الطرفين محالاً وممتنعاً بواسطة
الاجبار فلا يبقى للفاعل إلا طرف واحد ، لكن الفعل الإجباري أيضاً كالإختياري
لا يقع إلا بعد ترجيح الفاعل المجبور جانب الفعل على الترك وإن كان الذي يجبره هو
المتسبب الى الفعل بوجه ، لكن الفعل ما لم يترجح بنظر الفاعل وإن كان نظره مستنداً
بوجه الى اجبار الجبر وتهديده لم يقع ، والوجدان الصحيح شاهد على ذلك ، ومن هنا
يظهر أن تقسيم الأفعال الارادية إلى إختيارية وجبرية ليس تقسيما حقيقياً ينوع المقسم
إلى نوعين مختلفين بحسب الذات والآثار ، فإن الفعل الارادي انما يحتاج إلى تعيين وترجيح
علمي يعين للفاعل مجرى فعله، وهو في الفعل الاختياري والجبري على حد سواء ، وأما
أن ترجيح الفاعل في أحدهما مستند الى رسله وفي آخر الى آخر فلا يوجب إختلافا
نوعيا يؤدي الى اختلاف الآثار . ألا ترى أن المستظل تحت حائط إذا شاهد أن
الحائط يريد أن ينقض ، فخرج خائفاً عد فعله هذا اختيارياً ؟ وأما إذا هدده جبار
بأنه لو لم يقم الهدم الحائط عليه ، فخرج خائفاً عد فعله هذا اجبارياً من غير فرق
۱۰۸ جا الجزء الأول
بين الفعلين والترجيحين أصلا غير أن أحد الترجيحين مستند الى ارادة الجبار .
فان قلت : كفى فرقاً بين الفعلين أن الفعل الإختياري يوافق في صدوره مصلحة
عند الفاعل وهو فعل يترتب عليه المدح والذم ويتبعه الثواب والعقاب إلى غير ذلك من
الآثار ، وهذا بخلاف الفعل الإجباري فانه لا يترتب عليه شيء من ذلك
قلت : الأمر على ما ذكر ، غير أن هذه الآثار انما هي بحسب اعتبار العقلاء
على ما يوافق الكمال الأخير الإجتماعي ، فهي آثار اعتبارية غير حقيقية ، فليس البحث
عن الجبر والاختيار بحثاً فلسفياً لأن البحث الفلسفي انما ينال الموجودات الخارجية
و آثارها العينية ، وأما الامور المنتهية إلى أنحاء الإعتبارات العقلائية ، فلا ينالها بحث
فلسفي ولا يشملها برهان البتة ، وان كانت معتبرة في بابها ، مؤثرة أثرها ، فالواجب
أن نرد البحث المزبور من طريق آخر ، فنقول : لا شك أن كل ممكن حادث مفتقر
إلى علة ، والحكم ثابت من طريق البرهان ، ولا شك ايضاً أن الشيء ما لم يحب لم يوجد
إذ الشيء ما لم يتعين طرف وجوده بمعين كان نسبته الى الوجود والعدم بالسوية ، ولو
وجد الشيء وهو كذلك لم يكن مفتقراً إلى علة وهف ، فاذا فرض وجود الشيء كان
متصفا بالضرورة ما دام موجوداً ، وهذه الضرورة انما إكتسبها من ناحية العلة ، فاذا
أخذنا دار الوجود بأجمعها كانت كسلسلة مؤلفة من حلقات مترتبة متوالية كلها
واجبة الوجود ، ولا موقع الأمر ممكن الوجود في هذه السلسلة .
ثم نقول : هذه النسبة الوجوبية انما تنشأ عن نسبة المعلول الى علتها التامة
البسيطة أو المركبة من امور كثيرة كالعلل الأربع والشرائط والمعدات وأما اذا
نسب المعلول المذكور إلى بعض أجزاء العلة أو إلى شيء آخر لو فرض كانت النسبة
نسبة الإمكان بالضرورة ، بداهة أنه لو كانت بالضرورة كانت العلة التامة وجودها
مستغنى عنه وهي علة تامة هف، ففي عالمنا الطبيعي نظامان : نظام الضرورة ونظام
الامكان ، فنظام الضرورة منبسط على العلل التامة ومعلولاتها ولا يوجد بين أجزاء
هذا النظام أمر إمكاني البتة لا ذات ولا فعل ذات، ونظام الإمكان منبسط على المادة
والصور التي في قوة المادة التلبس بها والآثار التي يمكنها أن تقبلها ، فإذا فرضت فعلا
من أفعال الانسان الاختيارية ونسبتها الى تمام علتها ، وهي الانسان والعلم والارادة
19 سورة البقرة آية ٢٦-٢٧
ووجود المادة القابلة وتحقق الشرائط المكانية والزمانية وإرتفاع الموانع ، وبالجملة كل
ما يحتاج اليه الفعل في وجوده كان الفعل واجباً ضرورياً ، واذا نسب إلى الإنسان
فقط ، ومن المعلوم أنه جزء من أجزاء العلة التامة كانت النسبة بالامكان .
ثم نقول : سبب الاحتياج والفقر إلى العلة كما بين في محله كون الوجود ) وهو
مناط الجعل ( وجوداً إمكانياً ، أي رابطاً بحسب الحقيقة غير مستقل بنفسه ، فما لم
ينته سلسلة الربط الى مستقل بالذات لم ينقطع سلسلة الفقر والفاقة .
ومن هنا يستنتج أولا : أن المعلول لا ينقطع بواسطة استناده إلى علته عن
الاحتياج إلى العلة الواجبة التي اليها تنتهي سلسلة الامكان .
وثانيا : ان هذا الاحتياج حيث حيث كان من حيث الوجود كان الاحتياج في الوجود
مع حفظ جميع خصوصياته الوجودية وارتباطاته بعلله وشرائطه الزمانية والمكانية
إلى غير ذلك
فقد تبين بهذا أمران : الأول : أن الانسان كما أنه مستند الوجود إلى الإرادة
الإلهية على حد سائر الذوات الطبيعية وأفعالها الطبيعية فكذلك أفعال الإنسان مستندة
الوجود إلى الإرادة الإلهية ، فيما ذكره المعتزلة من كون الأفعال الإنسانية غير مرتبطة
الوجود بالله سبحانه وإنكار القدر ساقط من اصله ، وهذا الاستناد حيث أنه
استناد وجودي فالخصوصيات الوجودية الموجودة في المعلول دخيلة فيه ، فكل معلول
مستند إلى علته بحده الوجودي الذي له ، فكما أن الفرد من الإنسان إنما يستند إلى العلة
الاولى يجميع حدوده الوجودية من أب وأم وزمان ومكان وشكل وكم وكيف وعوامل
أخر مادية ، فكذلك فعل الإنسان إنما يستند إلى العلة الأولى مأخوذاً يجميع
خصوصياته الوجودية ، فهذا الفعل إذا إنتسب إلى العلة الأولى والإرادة الواجبة مثلاً
لا يخرجه ذلك عما هو عليه ولا يوجب بطلان الإرادة الإنسانية مثلا في التأثير ، فإن
الإرادة الواجبية إنما تعلقت بالفعل الصادر من الإنسان عن إرادة وإختيار ، فلو كان
هذا الفعل حين التحقق غير إرادي وغير إختياري لزم تخلف إرادته تعالى عن مراده
وهو محال ، فما ذهب إليه المجبرة من الأشاعرة من أن تعلق الإرادة الإلهية بالأفعال
الإرادية يوجب بطلان تأثير الإرادة والإختيار فاسد جداً ، فالحق الحقيق بالتصديق
الجزء الأول ۱۱۰
أن الأفعال الإنسانية لها نسبة إلى الفاعل ونسبة إلى الواجب ، وإحدى النسبتين لا
توجب بطلان الاخري لكونها طوليتين لا عرضيتين .
الثاني : أن الأفعال كما أن لها إستناداً إلى علها التامة ) وقد عرفت أن هذه
النسبة ضرورية وجوبية كسار الموجودات المنسوبة إلى عللها التامة بالوجوب ( كذلك
لها إستناداً إلى بعض اجزاء عللها التامة الإنسان مثلا ، وقد عرفت أن هذه النسبة بالإمكان
فكون فعل من الافعال ضروري الوجود بملاحظة علته التامة الضرورية لا يوجب عدم
كون هذا الفعل ممكنا بنظر آخر ، إذ النسبتان ثابتتان و هما غير متنافيتين كما مر فهما
ذكره جمع من الماديين من فلاسفة العصر الحاضر من شمول الجبر لنظام الطبيعة وإنكار
الإختيار باطل جداً بل الحق أن الحوادث بالنسبة إلى علها التامة واجية الوجود
وبالنسبة إلى موادها وأجزاء عللها ممكنة الوجود ، وهذا هو الملاك في أعمال الإنسان
وأفعاله فبنائه في جميع مواقف عمله على أساس الرجاء والتربية والتعليم ونحو ذلك ،
ولا معنى لا بتناء الواجبات والضروريات على التربية والتعليم ، ولا الركون إلى الرجاء
فيها وهو ظاهر
***
كَيْفَ تَكْفُرُونَ اللَّهِ وَكُنتُم أمواناً فَأَحياكم ثم منكم ثم
يحيكُمْ ثُمَّ إليه ترجعون – ۲۸. هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم ما في
الأرض جميعاً ثم أستوى إلى السماء فَسَوَيْهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتِ وَهُوَ
يكل شيءٍ عَلَمٌ – ۲۹ .
) بیان (
رجوع ثان إلى ما في بده الكلام فإنه تعالى بعد ما بين في أول السورة ما بين
أوضحه بنحو التلخيص بقوله : يا أيها الناس أعبدوا ربكم إلى بضع آيات ، ثم رجع

شاهد أيضاً

متى يُوصف رئيس دولة بأنه «غبي»

حيدري نظر عادةً في الخطاب السياسي أو الإعلامي عندما يُنظر إلى تصرفاته على أنها تدل …