أصطفاف أنقرة وتل ابيب شرق المتوسط

الوقت – على وقع تصاعد وتيرة التوترات بين تركيا والكيان الصهيوني في الأشهر الأخيرة، شحذ الطرفان هممهما لترسيخ مواقعهما وبسط نفوذهما في شتى الساحات. ومن هنا، عاد شرق المتوسط – الذي طالما كان حلبةً لصراع النفوذ والتنافس بين أنقرة وتل أبيب لسنوات طوال – ليتصدر المشهد كساحة رئيسية للمواجهة بين الجانبين.

وفي هذا المجال، لا يمكن النظر إلى اتفاقية “درع أخيل” الدفاعية – التي أُبرمت يوم الإثنين (31 أغسطس) بين الكيان الصهيوني واليونان بقيمة تقارب 3 مليارات يورو – على أنها مجرد صفقة تجارية عابرة. فبموجب هذه الاتفاقية، تضع تل أبيب، ولأول مرة في تاريخها، منظومةً دفاعيةً متكاملةً بجميع حذافيرها تحت تصرف دولة أخرى. وهي منظومةٌ صُممت – على حد زعم وزارة حرب الكيان – لدرء طيف واسع من التهديدات، بدءاً من الصواريخ الباليستية وصولاً إلى الطائرات المُسيّرة.

وفي سياق متصل، تم توقيع عقدٍ تكميلي بقيمة 26 مليون يورو لبيع منظومات “القبة المضادة للمُسيّرات” من إنتاج شركة “رافائيل”. ولا يقتصر هذا التعاون على الجانب التسليحي فحسب، بل يمتد ليشمل نقل المعرفة والتكنولوجيا الدقيقة إلى الصناعات المحلية اليونانية، في إطار مساعي العمل المشترك.

رأس الحربة موجّهٌ نحو تركيا

ولما كان الهدف الأسمى من وراء هذا الحلف الدفاعي هو تحجيم النفوذ التركي المتنامي في شرق المتوسط، فإن من شأنه أن يزجّ بالتنافس الإقليمي بين أنقرة وتل أبيب في أتون مرحلة جديدة بالغة الحساسية. ففي عُرف تركيا، لا يُعد نشر منظومتي “مقلاع داوود” و”سبايدر” في الجزر اليونانية، بل وحتى في قبرص، مجرد تدبيرٍ دفاعي بريء، بل تراه حلقةً ضمن سلسلة استراتيجية محكمة تهدف إلى تضييق الخناق على أنقرة، وكبح جماح تحركاتها في مياه المتوسط.

وتكمن الجذور العميقة لهذا التصعيد المحموم، في الطبيعة المتغيرة والمتسارعة للتعاون بين اليونان وقبرص والكيان الصهيوني. فتلك العلاقات، التي استهلت مشوارها بالتركيز على المصالح الاقتصادية وموارد الطاقة، أخذت تتسلل تدريجياً – تحت مظلة الدعم الأمريكي – نحو دهاليز الأمن والعسكرة؛ لتلوح في الأفق اليوم بوادر تشكيل اصطفاف عسكري متراصّ الأركان في شرق المتوسط.

وبناءً على ما تقدم، كان من الطبيعي أن تستشعر أنقرة في هذا التقارب العسكري خنجراً يُصوّب نحو أمنها القومي ومكانة قبرص الشمالية. إذ تؤمن تركيا إيماناً راسخاً بأن تعزيز الأواصر العسكرية بين هذا الثالوث، من شأنه أن يخلّ بميزان القوى في شرق المتوسط للإضرار بمصالحها. وفي سياق الرد على هذا التهديد، وفي أحدث موقفٍ لها، شبّهت الحكومة التركية إدارة قبرص الجنوبية بأنها باتت أشبه بـ “محميةٍ” تابعةٍ للكيان الصهيوني.

ويرى بعض المراقبين أن إرساء دعائم منظومة الدفاع الجوي “الصهيونية-اليونانية”، يرمي في جوهره إلى تقليم أظافر التفوق التركي في سلاح الطائرات المُسيّرة، وهو أمرٌ من شأنه أن يصبّ الزيت على نار التنافس والتوتر المستعر بين أنقرة وتل أبيب في المنطقة.

ولأجل ذلك، خرج وزير الدفاع التركي، “يشار غولر”، في الثاني من أغسطس/آب المنصرم، ليعلن أن بلاده تعكف على إجراء “تحديث دقيق وعميق” لجاهزيتها العسكرية في قبرص، عازياً ذلك إلى الأنشطة التي تمارسها “إسرائيل” في الجنوب السوري وفي الشطر الخاضع للإدارة القبرصية اليونانية.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن ديناميكية التحركات التركية والصهيونية، قد دخلت منعطفاً جديداً في أعقاب استهداف جيش الاحتلال الصهيوني لقاعدة “أبو الظهور” في الشمال السوري. ويكتسب هذا التسلسل الزمني أهميةً بالغةً؛ كونه يكشف أن تعزيز التحصينات التركية في قبرص ليس مجرد رد فعل انفعالي أو مؤقت على مجريات الأحداث في سوريا، بل يتعدى ذلك ليكون جزءاً من حسابات استراتيجية تركية أوسع نطاقاً، تهدف إلى التصدي لتمدد النفوذ والتواجد العسكري الصهيوني في حوض المتوسط. وبمفهوم آخر، تمضي قبرص بخطى حثيثة لتصبح ضلعاً أساسياً في مربع الاستراتيجية التركية، الرامية إلى إدارة واحتواء الضغوط الأمنية المترتبة على سياسات تل أبيب.

نُذُر المواجهة بين أنقرة وتل أبيب

إن تصاعد حدة التوتر بين كيان الاحتلال وتركيا في شرق المتوسط، قد فتح الباب أمام احتمالات تمدد رقعة الخلافات لتشمل شمال قبرص، بل ولوّح بشبح اندلاع مواجهة عسكرية. وفي هذا الصدد، أفادت صحيفة “معاريف” مؤخراً بأنه في حال توصلت “إسرائيل” إلى قناعة بأن التواجد العسكري التركي في شرق المتوسط يشكّل تهديداً لمصالحها الأمنية، فإنها قد تضع على طاولة البحث خيار توجيه ضربات لبعض الأهداف العسكرية التركية في شمال قبرص. ووفقاً لهذا السيناريو، طُرح اسم مطار “إرجان” وقاعدة بحرية في منطقة “كيرينيا” كأهداف محتملة، لا سيما في ظل تداول أنباء عن احتمالية نشر سفن حربية تركية في تلك المنطقة.

من جهة أخرى، نقلت هيئة البث التابعة للكيان الصهيوني الأسبوع الماضي عن مصادر مطلعة، أن بوارج حربية تركية قد اقتربت من قطعٍ تابعة للبحرية الصهيونية في مياه البحر المتوسط، وأخطرتها بمسارات إبحارها. وعلى إثر هذا التطور، رفعت البحرية الصهيونية من حالة تأهبها القصوى، متأهبةً للتعاطي مع أي طارئ قد يلوح في أفق المتوسط.

وفي قراءةٍ لهذا المشهد، صرح “كونستانتينوس فيليس”، الأستاذ في الكلية الأمريكية باليونان ومدير معهد الشؤون العالمية، قائلاً: “إن فترة الهدوء التي سادت بين أثينا وأنقرة لم تُفضِ إلى حلحلة الخلافات الجوهرية، بل منحت الطرفين فسحةً زمنيةً أوسع لتعزيز ترساناتهما العسكرية، كما أن غياب آلية حوار مستدامة قد ساهم في تعميق هوة انعدام الثقة المتبادلة”.

وعلى الرغم من مساعي تركيا والكيان الصهيوني الدؤوبة لتجنب الانزلاق نحو صدام مباشر، إلا أن تضارب المصالح وتناقضها في شتى الميادين قد يلقي بهما في نهاية المطاف في أتون مواجهةٍ لا مفر منها.

التغلغل الصهيوني في قبرص: خنجرٌ أمنيّ في خاصرة أنقرة

لا تعدّ قبرص بالنسبة لتركيا مجرد جزيرة قابعة في شرق المتوسط، بل إنها، وبفضل موقعها الاستراتيجي ومتاخمتها للسواحل التركية، تُمثل إحدى أهم الركائز المحورية لتأمين المصالح الأمنية والعسكرية والجيوسياسية لأنقرة في تلك المنطقة.

فمنذ عام 1974، تحافظ تركيا على وجود عسكري متواصل في الشطر الشمالي من قبرص، حيث تنشر ما يربو على 35 ألف جندي. وتمتلك أنقرة في هذه البقعة قواعد جوية وبنية تحتية عسكرية راسخة، ولا تنتظر إذناً من حكومة قبرص لنشر مقاتلاتها من طراز “إف-16” أو توسيع مدارج طيرانها.

ومن هذا المنطلق، حين يتحدث وزير الدفاع التركي عن إجراء “تحديث دقيق” للجاهزية العسكرية في قبرص، فهو يتحدث في واقع الأمر عن تعزيزٍ لمواقع تخضع لسيطرة أنقرة المباشرة منذ سنوات طوال؛ وهو إجراءٌ تختلف ماهيته جذرياً عن مسألة نفي الوجود العسكري التركي في قاعدة “أبو الظهور” السورية.

وفي هذا السياق، لا تنظر تركيا إلى تنامي التواجد والتعاون العسكري الإسرائيلي مع قبرص الجنوبية على أنه مجرد تطور أمني اعتيادي. وتتجلى خطورة هذا التواجد للكيان الصهيوني في قبرص بصورة أوضح، حين نضع هذا التطور جنباً إلى جنب مع مساعي تل أبيب لتوسيع رقعة علاقاتها العسكرية مع اليونان.

فعلى مدار السنوات الأخيرة، وسّعت “إسرائيل” نطاق تعاونها الدفاعي ومناوراتها العسكرية وتبادلها الاستخباراتي وتدريباتها المشتركة مع كل من اليونان وقبرص. وعلى هذا النحو، تتشكل في شرق المتوسط تدريجياً ملامح “مثلث أمني” يجمع الكيان الصهيوني واليونان وقبرص، ويوثّق عراهم أكثر من أي وقت مضى؛ وهو اصطفافٌ تراقب أنقرة تطوراته بعينٍ حذرة وحساسيةٍ بالغة.

وكان وزير الخارجية التركي، “هاكان فيدان”، قد أطلق في وقت سابق تحذيراتٍ إزاء التعاون بين اليونان وقبرص والكيان الصهيوني، معتبراً إياه وصفةً لـ “مزيد من انعدام الثقة، ومزيد من الأزمات، ومزيد من الحروب”.

بناءً على ذلك، لا تقتصر المعضلة بالنسبة لتركيا على مجرد تعاظم القوة العسكرية لقبرص، بل تتعداها إلى احتمالية الإخلال بميزان القوى في محيط حدودها البحرية. فنشر منظومات الدفاع الجوي المتطورة، وتكثيف التعاون الاستخباراتي، وإجراء المناورات المشتركة؛ كلها عوامل من شأنها أن ترتقي بقدرات الرصد والاستجابة لدى اليونان وقبرص الجنوبية، مما قد يقيّد حرية حركة تركيا في شرق المتوسط إبان الأزمات.

علاوةً على ذلك، أضفى التنافس المحموم بين تل أبيب وأنقرة على موارد الطاقة وترسيم الحدود البحرية، أهميةً مضاعفةً على هذه التطورات. فقد استحال شرق المتوسط في السنوات الأخيرة إلى بؤرة ساخنة للصراع على مكامن الغاز، ومسارات نقل الطاقة، ورسم خرائط المناطق الاقتصادية الخالصة. وفي خضم هذا المشهد، تسعى تركيا جاهدةً لتكريس حضورها كلاعب أساسي في هذه المعادلة، في حين أن التعاون الثلاثي بين الكيان الصهيوني واليونان وقبرص قد ينسج خيوط الترتيبات الأمنية وتوازنات الطاقة في المنطقة بمعزلٍ عن الإرادة التركية.

ولهذا السبب بالذات، لا تمثّل قبرص بالنسبة لتل أبيب مجرد نقطة جغرافية على الخريطة، بل إنها امتدادٌ لعمقها الاستراتيجي في شرق المتوسط. فهذه الجزيرة تمنح الكيان إمكانية الوصول والمراقبة وإبرام تعاون عسكري أوثق مع اليونان، وهي في الوقت ذاته ترابض على مقربة من أكثر المناطق الأمنية حساسيةً لتركيا.

ولم يتورع الكيان الصهيوني عن اللجوء إلى أروقة المنظمات الدولية بغية كبح جماح النفوذ التركي في قبرص؛ لدرجة أن رئيس وزراء هذا الكيان، “بنيامين نتنياهو”، صرّح مؤخراً متهماً الاتحاد الأوروبي بازدواجية المعايير، زاعماً أن: “هذا الاتحاد يلوذ بالصمت حيال الاحتلال التركي غير الشرعي لنصف قبرص، بينما يقف في الوقت عينه معارضاً للحق التاريخي لليهود في العيش على أرض أجدادهم”.

الخصومة المستدامة بين تل أبيب وأنقرة في ظل النظام الإقليمي الجديد

ينبغي تحليل التناطح بين تركيا والكيان الصهيوني من منظور أوسع يحيط بشبكة العلاقات والتجاذبات بين الطرفين. فالمتغيرات في الساحة السورية، وحرب غزة، ومسألة النفوذ الإقليمي، والصراع على رسم معالم النظام الأمني المستقبلي للشرق الأوسط؛ كلها عوامل زجّت بالطرفين في خندقين متضادين أكثر من أي وقت مضى. وفي ظل هذا المشهد، لم تعد تل أبيب تنظر إلى تركيا كخصم سياسي يكتفي بتوجيه الانتقادات، بل باتت تراها منافساً استراتيجياً طويل الأمد. وبالمثل، تنظر أنقرة إلى تنامي نفوذ الكيان الصهيوني في محيطها الإقليمي كحلقةٍ ضمن سلسلة مساعٍ تستهدف تحجيم نفوذها وتقليم أظافر قوتها الإقليمية.

ومما يجدر التوقف عنده، أن مخاوف تل أبيب حيال تنامي قوة أنقرة واتساع رقعة نفوذها في غرب آسيا، قد تضاعفت عقب إبرام “اتفاقية مكة” بين تركيا والسعودية وباكستان في شهر أغسطس/آب المنصرم. فهذه الاتفاقية، التي تُشدد على الدفاع المشترك وتعزيز التعاون العسكري، تُمثل في نظر الأوساط الصهيونية رافعةً قد تعزّز من ثقل تركيا في المعادلات الأمنية الإقليمية. وعليه، تنظر تل أبيب إلى الحضور التركي المتصاعد في الترتيبات الأمنية لغرب آسيا كعاملٍ من شأنه أن يقلب موازين القوى لغير صالحها، وتستميت في المقابل لخلق توازنٍ رادع للنفوذ التركي عبر توثيق عرى التعاون مع أثينا ونيقوسيا.

ومن هذه الزاوية، فكلما تجذّر التعاون بين “إسرائيل” من جهة، واليونان وقبرص من جهة أخرى، وتمدد تواجدها العسكري في تلك البقاع، تصاعدت بالمقابل حساسية تركيا وتوجسها. وعلى المقلب الآخر، فإن إقدام أنقرة على تعزيز ترسانتها وتواجدها العسكري، سيصبّ حتماً في خانة تأجيج قلق تل أبيب وحلفائها.

وبناءً على ما سلف، فإن ما يجري اليوم في الساحة القبرصية لا يندرج تحت خانة التعاون العسكري العابر بين بضعة فاعلين، بل هو إرهاصٌ بتشكُّل نظام أمني إقليمي جديد؛ نظامٌ تصطف فيه تركيا والكيان الصهيوني، أكثر من أي وقت مضى، على طرفي نقيض في حلبة صراع جيوسياسي محتدم. وإن استمرار هذا المسار من شأنه أن يُحيل شرق المتوسط من مجرد ساحة لخلافات متناثرة، إلى إحدى أخطر بؤر المواجهة المباشرة والمستدامة بين أنقرة وتل أبيب، مواجهةٌ قد يتردد صدى طبولها حتى في الداخل السوري.

شاهد أيضاً

آیا تحلیل کِیگِن نمایانگر یک جریان گسترده است یا صرفاً دیدگاهی منفرد و شوکه‌کننده؟

62 آیا تحلیل کِیگِن نمایانگر یک جریان گسترده است یا صرفاً دیدگاهی منفرد و شوکه‌کننده؟ …