مفاهيم القرآن (العدل والإمامة) – الشيخ جعفر السبحاني – ج 1٠

يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) *. (1) وعلى ذلك فما يصدر من العباد من الكفر والفساد فإنما يصدر بحوله سبحانه وقوته وإرادته ومشيئته، لا بمعنى تعلق مشيئته بكفر العباد وفسادهم في الأرض، مباشرة بل بكفرهم وفسادهم إذا قاموا بها عن اختيار، ومع ذلك فهو في تشريعه ينهى عباده عن الكفر والفساد.
روى فضيل بن يسار، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:
” شاء وأراد ولم يحب ولم يرض، شاء أن لا يكون شئ إلا بعلمه وأراد مثل ذلك، ولم يحب أن يقال له: ثالث ثلاثة ولم يرض لعباده الكفر “. (2) ويظهر ذلك مما نقله أبو بصير عن الإمام الصادق عليه السلام، قال:
قلت لأبي عبد الله عليه السلام: شاء لهم الكفر وأراده؟ فقال: ” نعم “.
قلت: فأحب ذلك ورضيه؟ فقال: ” لا “.
قلت: شاء وأراد، ما لم يحب وما لم يرض، قال: ” هكذا خرج إلينا “. (3) * الشبهة الثالثة: العدل الإلهي والقضاء والقدر إن البحث في القضاء والقدر رهن توضيح أمرين:
الأول: ما معنى القدر؟
(١) النحل: ٩٠.
(٢) توحيد الصدوق: ٣٣٩، باب المشية والإرادة، الحديث ٩ – (٣) بحار الأنوار: ٥ / 121، باب القضاء والقدر، الحديث 66.
(٥٧)
الثاني: ما معنى القضاء؟
أما القدر بمعنى التقدير والتحديد، فكل ظاهرة طبيعية بل كل موجود إمكاني خلق على تقدير وتحديد خاص، ولا يوجد في عالم الكون شئ غير مقدر ولا محدد، وإليه يشير سبحانه بقوله: * (إنا كل شئ خلقناه بقدر (1)) *. وقوله سبحانه: * (وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم) *. (2) فالموجودات من النبات إلى الإنسان محددة بالحد الذي نعبر عنه بالماهية، وهكذا الحال في الجمادات.
وأما القضاء وهو حتمية وجود الشئ بعد تقديره وتحديده، وذلك رهن وجود سببه التام الذي يلازم وجود المسبب على وجه القطع والبت، فقضاؤه سبحانه عبارة عن إضفاء الحتمية على وجود الشئ عند وجود علته التامة، قال سبحانه في مورد السماوات: * (فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها) *. (3) ويقول في حق الإنسان: * (هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا) * (4) أي حكم حكما حتميا بأن لوجود الشئ مدة محددة لا يتجاوز عنها.
هذا هو معنى القضاء والقدر من غير فرق بين وجود الإنسان وأفعاله ووجود الجواهر وأعراضها، غير أن الجميع قبل التقدير والقضاء مكتوب في كتاب عند الله سبحانه، وقد أشار إليه الكتاب العزيز في بعض الآيات: * (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله
(١) القمر: ٤٩.
(٢) الحجر: ٢١.
(٣) فصلت: ١٢.
(٤) الأنعام: ٢ –
(٥٨)
يسير) *. (1) وفي آية أخرى: * (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر و البحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) *. (2) وفي آية ثالثة: * (والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير) *. (3) إذا وقفت على هذه الأمور، فاعلم أنه ربما يتخذ القضاء والقدر الذي نعبر عنهما بالمصير ذريعة للقول بالجبر، وبالتالي أمرا مخالفا للعدل بحجة أن الله سبحانه قدر وجود كل شئ (القدر) أولا، وحكم على وجوده وتحققه حكما باتا (القضاء) ثانيا، وكتب كل ما يوجد في الكون في كتاب قبل وجودها ثالثا.
وعلى ذلك فلا محيص من الفعل والعمل، وإلا يلزم خلاف تقديره وقضائه أو خلاف المكتوب في الكتاب المبين.
أقول: إن هذه الشبهة لم تزل عالقة بالأذهان منذ قرون، ولكن تندفع هذه الشبهة من خلال بيان ما للقضاء والقدر من المعاني، فنقول:
إن التقدير والقضاء على أصناف ثلاثة:
أ: القضاء والقدر: السنن الكونية.
ب: القضاء والقدر: التكوينيان.
(١) الحديد: ٢٢.
(٢) الأنعام: ٥٩.
(٣) فاطر: ١١.
(٥٩)

شاهد أيضاً

تحف العقول – ابن شعبة الحراني

والإجابة للعدل وقول الحق، فهذا ما أصاب العاقل بمداومة الخير، فطوبى لمن ذكر أمامه وذكر …