على خطى الحسين (عليه السلام) د. أحمد راسم النفيس

5اكتمال عناصر التحرك
ّه ان يجمعنا بك على الحق.
كتب اهل الكوفه الى الحسين (ع) يقولون: ليس علينا امام، فاقبل لعل الل
وتوالت الكتب تحمل التوقيعات تدعوه الى المجىء لاستلام البيعه وقياده الامه فى حركتها فى مواجهه طواغيت بنى اميه،
وهكذا اكتملت العناصر الاساسيه للحركه الحسينيه، وهى:
ّه الحسين.
ا- وجود قياده شرعيه تمثل التصور الحقيقى للاسلام، وهى قياده ابى عبدالل
ب- وجود الظروف الداعيه الى حمل لواء التغيير، وتتمثل فى تمادى الفساد الاموى ورغبته فى مصادره اراده الامه مره
واحده والى الابد فى شكل مبايعه يزيد (القرود).
ج- وجود اراده جماهيريه تطلب التغيير وتستحث الامام الحسين للمبادره الى قياده الحركه وكان موقع هذه الاراده فى
الكوفه، تمثلت فى رسائل البيعه القادمه من اهلها.
ّه الحسين ان يقف من هذه الامور كلها موقف المتفرج الهارب بنفسه من ساحه الوغى او
وهكذا لم يكن بوسع ابى عبدالل
(الفار بدينه) الى ساحات الاعتزال والانعزال، وهى جميعها اشكال مختلفه من الهروب والتهرب من تحمل المسووليه، وهو
مسلك فضلا عن ضرره البليغ على الواقع الراهن فى تلك اللحظه يعطى المبرر لكل من تعرض لهذه الظروف او ما شابهها
ان يهرب بنفسه وينجو بشحمه ولحمه حتى يستوفى الاجل المحتوم، ويبقى فى وجدان الامه رمزا من رموز الكهنوت الهارب
من مواجهه الشيطان فى ارض الواقع واللائذ بالنصوص والتبريرات.
كان بوسع الحسين، (ع)، ان يفعل مثلما فعل ابن عمر فيبايع بيعه المضطر ليزيد، ونضيف الى لائحه الروايات التبريريه
التى رواها الرجل على لسانه او على لسان النبى الاكرم عده نصوص اخرى ربما كانت تحتل مكانا ابرز من نصوص ابن
عمرو كان البخارى ومسلم سيحتفلان بها، فها هو ابن الرسول وعلى وفاطمه يوجب السمع والطاعه ليزيد القرود ويدعو الى
ّه ورسوله حتى آخر نفس.
توحيد الجماعه صفا واحدا خلف حفيد آكله الاكباد وحفيد ابى سفيان عدو الل
ولو كان فعل هذا وحاشاه لاستشهد به الافاقون والمنافقون والمخادعون فى كل موقف يرون فيه ضروره اسناد حزب
ّه، ولماتت هذه الامه الى نهايه
الشيطان ومنعه من الانهيار، ولما قال احد: ثار الحسين رافضا الظلم واستشهد فى سبيل الل
الدهر.
6 -الهجره الثانيه: من مكه الى الكوفه
ّه تدعوه الى المجىء، واجاب الامام بارسال مسلم بن عقيل بن ابى طالب، وكان من امره
جاءت الرسل الى ابى عبدالل
ّه عليه ما كان، حيث استشهد حميدا سعيدا وارسل الامام الرسل الى اهل البصره والكوفه يدعوهم الى الاجتماع
رضوان الل
معه والى تاييده، ثم خرج (ع) من مكه باتجاه العراق.
وحاولت السلطه الامويه الغاصبه منعه وابقاءه فى مكه، فامتنع الحسين وصحبه ومضى على وجهه ونادوه يا حسين الا
ّه؟ تخرج من الجماعه وتفرق بين هذه الامه؟، فتلا (ع) قوله تعالى: (وان كذبوك فقل لى عملى ولكم عملكم انتم بريئون
تتقى الل
.
(74)
مما اعمل وانا برىء مما تعملون)«يونس41/»
ّه وما شاء اللّه، ولا قوه الا
ثم خطب خطبه بليغه تبين انه، (ع)، كان متيقنا من قدره، راغبا فيه وهو الشهاده فقال: (الحمد لل
ّه، وصلى اللّه على رسوله، فخط الموت على ولد آدم فخط القلاده على جيد الفتاه، وما اولهنى الى اسلافى اشتياق يعقوب
بالل
الى يوسف، وخير لى مصرع انا لاقيه كانى باوصالى تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملان منى اكراشا جوفا
واجربه سغبا.
ّه رضانا اهل البيت نصبر على بلائه ويوفينا اجر الصابرين، لن تشد عن رسول
لا محيص عن يوم خط بالقلم، رضى الل
ّه لحمته وهى مجموعه له فى حظيره القدس تقر بهم عينه وينجز لهم وعده، ومن كان باذلا فينا مهجته وموطنا على لقاء اللّه
الل
.
(75)
ّه تعالى)
نفسه فليرحل معنا فاننى راحل مصبحا ان شاء الل
جاء الناصحون، من كل اتجاه، يقدمون للامام ما يرون انه الرويه الصائبه، منهم من ينصح له بعدم الخروج، ومنهم من
ينصحه بالامتناع بالحرم المكى، مثل محمد بن الحنفيه، فاجابه الحسين (ع): (يا اخى، اخشى ان يقاتلنى اجناد بنى اميه فى
ّه.
حرم مكه، فاكون كالذى يستباح حرمه فى حرم الل
فقال محمد: يا اخى فسر الى اليمن او الى بعض النواحى فانك امنع الناس.
فقال الحسين (ع): يا اخى لو كنت فى حجر هامه من هوام الارض لاستخرجونى منه حتى يقتلونى.
ثم قال له: يا اخى سانظر فى ما قلت.
فلما كان وقت السحر عزم الحسين على الرحيل الى العراق، فجاءه اخوه محمد واخذ بزمام ناقته التى هو راكبها وقال: يا
اخى الم تعدنى النظر فى ما اشرت به عليك؟.
قال: بلى.
قال: فما حداك على الخروج عاجلا؟.
ّه اتانى بعدما فارقتك وانا نائم فضمنى الى صدره وقبل ما بين عينى وقال لى: يا
فقال (ع): يا اخى ان جدى رسول الل
ّه قد شاء ان يراك قتيلا مخضبا بدمائك.
حسين يا قره عينى، اخرج الى العراق، فان الل
فبكى محمد بن الحنفيه بكاء شديدا، وقال له: يا اخى، اذا كان الحال كذا فما معنى حملك هولاء النسوان، وانت ماض الى
القتل.
ّه قد شاء ان يرى نسوتك سبايا مهتكات يسقن فى اسر الذل، وهن ايضا لا
فقال (ع): يا اخى قد قال جدى ايضا: ان الل
يفارقننى ما دمت حيا.
فلما اصر محمد على المنع والانصراف عن الخروج قال الامام (ع):
سامضى وما بالموت عار على الفتى * اذا ما نوى حقا وجاهد مسلما
وواسى الرجال الصالحين بنفسه * وفارق مذموما وخالف مجرما
ويروى:
وآسنى الرجال الصالحين بنفسه * وفارق خوفا ان يعيش ويرغما
ويروى:
فان مت لم اندم وان عشت لم الم * كفى بك موتا ان تذل وترغما
فان عشت لم اذمم وان مت لم الم * كفى بك ذلا ان تعيش وتندما
ّه قدرا مقدورا)«الاحزاب38/».
ثم تلا (وكان امر الل
لقد كان الحسين، (ع)، طالب حق وشهاده لا طالب اماره كما عنون ابن كثير فى تاريخه قائلا: (خروج الحسين طالبا
للاماره).
والحق اعلى واجل من الامره وان كل ما رويناه يخبرنا ان خروج الحسين لم يكن متوقفا على اراده الجماهير ومطالبتها
ّه للناس بشيرا ونذيرا، وبعهد من رسول اللّه
له، بل كان ناشئا عن الامر الالهى، انه الامر نفسه الذى بعث بمقتضاه رسول الل
ّه ورسوله الى ائمه آل البيت سواء الذين تحركوا ام من لم يتحرك،
كانت الوصيه والامامه فى آل بيت النبوه، وبعهد من الل
ّه عليهم ولذا كانت الامه يومها
كانت حركاتهم وسكناتهم، كان الحق غايتهم وكانت بلورته وتحديد معالمه هى مهمتهم سلام الل
والى يومنا هذا فى حاجه الى تلك الحركه الحسينيه ليهلك من هلك عن بينه ويحيا من حيا بقى عن بينه، ولم يكن الحسين (ع)
بحاجه الى حركه الامه بل كانت الامه هى المحتاجه، ولذا حمل الحسين (ع) النساء والاطفال حتى تكون الجريمه الامويه كامله
وحتى يحمل الراضون الوزر الكامل من يومها الى يومنا هذا (وليحملن اثقالهم واثقالا مع اثقالهم وليسالن يوم القيامه عما كانوا
يفترون)«العنكبوت13/».
وهكذا استكملت الحركه الحسينيه معالمها وبنو اميه يحاولون الحيلوله بين الحسين (ع) وبين اختياره لموقع المواجهه، فلما
ّه بن جعفر ويحيى بن سعيد يمنيه بالامان والصله والبر
احس والى مكه ان الحسين قد خرج بعث اليه كتابا بالامان حمله عبدالل
ّه ورسوله من دعا الى اللّه عز
وحسن الجوار ويعيذه من الشقاق والخلاف والهلاك، فرد (ع) بقوله: (اما بعد، فانه لم يشاقق الل
ّه، ولن يومن اللّه، من
وجل وعمل صالحا وقال: اننى من المسلمين وقد دعوتنى الى الامان والبر والصله فخير الامان امان الل
ّه مخافته فى الدنيا توجب لنا امانه يوم القيامه، فان كنت نويت بالكتاب صلتى وبرى فجزيت خيرا
لم يخف من الدنيا، فنسال الل
فى الدنيا والاخره والسلام).
عن اى امان يتحدث هولاء المخادعون المنافقون، الم يبعث يزيد القرود بالامس الى واليه على المدينه يخير الحسين بين
البيعه والقتل، حتى اضطر (ع) الى الخروج ليلا وهو يقرا (فخرج منها خائفا يترقب)«القصص21/ »، فاى امان هذا؟ اهو
تاجيل لتنفيذ القرار حتى تاتى الفرصه المناسبه وتتم العمليه بهدوء وسلامه؟ اغتيالا او سما، كما اخبر به اخاه محمدا بن
ّه، يا اخى لو كنت فى حجر
الحنفيه: (اخشى ان يقاتلنى اجناد بنى اميه فى حرم مكه، فاكون كالذى يستباح دمه فى حرم الل
هامه من هوام الارض لاستخرجونى منه حتى يقتلونى).
لقد كان خروج الحسين (من مكه) قرارا مدروسا قائما على معلومات موثوقه وموكده عن النوايا الحقيقيه لبنى اميه
ولسوابقهم التى لم تكن قد اضحت يومها تاريخيه فى قتل خصومهم اغتيالا بالسم او بغيره، ولذا كان قرار الخروج (من) مكه
(الى) ارض كربلاء لا الى اى مكان آخر، لا الى اليمن ولا الى اى ارض اخرى.
ثم هو فى لقائه مع الفرزدق يوكد هذا المعنى.
ولا يسعنا الا تصديق ما جاء على لسان الحسين، فقد التقى الفرزدق الشاعر بقافله الحسين فسلم عليه وقال له:
ّه، وما اعجلك عن الحج؟، فقال:
(بابى انت وامى، يا ابن رسول الل
لو لم اعجل لاخذت).
وهذا كلام واضح لا لبس فيه ولا التواء.
ّه عن الناس فقال: (قلوبهم معك واسيافهم عليك والامر ينزل من السماء واللّه يفعل ما يشاء).
ثم ساله ابو عبدالل
فقال (ع):
ّه الامر وكل يوم هو فى شان، فان نزل القضاء بما نحب ونرضى فنحمد اللّه على نعمائه وهو المستعان على
(صدقت، لل
.
(76)
اداء الشكر، وان حال القضاء دون الرجاء فلم يبعد من كان الحق نيته والتقوىسريرته)
ويبقى اخذ الحسين لنسائه وبنات النبوه والرساله موضعا للاستفهام والتساول الناشىء من قله فهمنا وادراكنا لوظيفه اهل
البيت وطبيعه مهمتهم فى حفظ الرساله الاسلاميه، فها هو التاريخ يحكى لنا بعض نماذج الزهاده لاشخاص خالفوا نهج اهل
البيت عليهم السلام بل وحاربوه، ويصعب علينا تحقيق كل هذه الروايات اثباتا او نفيا، ولكن التاريخ البشرى كله لم يحدثنا عن
قائد يحمل امانه الحفاظ على منهج يحمل معه كل هذا الكم من القرابين من اهل بيته الطاهرين ومن فلذات كبده بل وحتى
نساءه وحرماته.
التاريخ يحكى لنا آلاف النماذج عن قتلى وشهداء من اجل فكره او مذهب، لكن لم يحك لنا عن النموذج الحسينى لقافله
ّه وبنات الرساله يودين واجبهن فى التضحيه والفداء.
تحمل حرمات رسول الل
بعض الباحثين يرد على انصار نهج آل البيت متسائلا: باى ميزه فضل هولاء؟ ويقول: انهم ليسوا افضل من غيرهم،
ّه شيئا.
ويقتطف عبارات ياخذها بعيدا عن سياقها مثل قوله: (يا فاطمه بنت محمد اعملى، لا اغنى عنك من الل
ويرد انصار اهل البيت بما ورد من آيات واحاديث، ولكن فى ظنى ان اكبر رد على هولاء هو موقف آل بيت النبوه فى
يوم عاشوراء، حيث ضرب الجميع اروع الامثال على ان فضل آل البيت على من عداهم كان فضل عمل لا شرف بلا عمل،
ّه لقد ذهب فضلهم
ليس آل البيت فى حاجه الى اكاذيب تعلى شانهم بانهم اول من يعمل واول من يلبى واول من يستشهد، ووالل
ّه حاكيا عن رسول اللّه:
ونورهم بكل من عداهم، وهكذا فان مقاله ابى عبدالل
ّه، ان اللّه قد شاء ان يرى نسوتك سبايا مهتكات يسقن فى اسر الذل).

شاهد أيضاً

التعبئة في رحاب الولي

الفصل الثالث: دور التعبئة وتحمله عندما يحتاج الوطن لذلك، وتتوجّه مع القوى المسلّحة وتحمل على …